انتظار

Screenshot

انتظار

مجيد الكفائي

منذ الطفولة
وأنا أقيس العمر
بما لم يحدث
كنتُ أنتظر أن ينهض المرض عن كتفي أمي
كما ينهض الغبار عن نافذةٍ غسلها المطر
وكلما أشرقت شمس قلت: لعلها اليوم
وكلما أقبل مساء خبأت أملي في جيب الغد

لكن الغد كان يلد غدًا آخر

وكبرتُ…

لا لأن السنوات مرّت
بل لأن الانتظار كان يضيف إلى روحي عمرًا لا يُرى

حين صرت شابًا
حملت قلبي كما يحمل العاشق مصباحًا في ريحٍ عاتية
كنت أؤمن أن الحياة مهما قست
لا بد أن تبتسم لمن أحبها .
ثم جاءت لحظة واحدة… لحظة لا يتجاوز عمرها ثانية لكنها استطاعت أن تهزم أعوامًا من الطمأنينة
ومنذ ذلك اليوم صار في صدري قلبٌ يعرف الخفقان
لكنه لا يعرف الأمان

ولم أتوقف

شددتُ على جراح روحي كما يشد المحارب آخر ضمادٍ قبل المعركة ومشيت

كنت أنتظر النجاح لكن الطريق كان يبدل لافتاته كلما اقتربت من نهايته
كل بابٍ ظننته بدايةً
كان يفضي إلى بابٍ آخر
وكل قمةٍ بلغتها اكتشفت أنها ليست إلا سفحًا لتعبٍ جديد

ثم جاءت الأمراض…

لا لتسكن الجسد وحده
بل لتختبر صبر الروح
وتسألها كل صباح: إلى متى؟

وكنت أجيبها بالصمت…

فالصابرون لا يكثرون الكلام

أحببت الناس كما تُحب الشجرة عابري السبيل
تمنحهم ظلها
ولا تسألهم أسماءهم
لكن بعضهم ردّ الظلَّ فأسًا
وردّ المحبة ريبةً
وردّ المعروف محاولةً لإسقاط صاحبه

فعرفت أن البياض لا يمنع الغربان من الهبوط

وأن اليد التي تعطي… قد تعود فارغة لكنها لا تعود نادمة.

واليوم…

لا أملك قائمةً بانتصاراتي

أملك فقط قلبًا لم يتعب من النهوض

وروحًا كلما انكسرت
جمعت شظاياها بيديها
ثم وقفت من جديد

وأملك انتظارًا…

انتظارًا صار أطول من الطرق
وأثقل من العمر
وأقرب إليّ من اسمي

لكني أخشاه
أقل مما كنت أخشاه
بالأمس

لأنني أدركت أخيرًا أن الانتظار ليس ممرًا إلى الحياة…

بل هو
في كثير من الأحيان
الحياة نفسها .

وأن الله لا يؤخر الضوء لأنه نسي العابرين
بل لأنه يعلّمهم كيف يصبحون
هم أيضًا
شيئًا من الضوء

فإن جاء الفرح…

سأعرف لماذا تأخر

وإن طال الطريق…

فسأمشي

ليس لأن قدمي لا تعرفان التعب…

بل لأن قلبي
منذ الطفولة
لم يتقن سوى فضيلةٍ واحدة:

الانتظار .