الحمة المتعالية عند صدر الدين الشيرازي

شيخ جليل الحاج مطنش الساعدي

كيف يمكن للعقل البشري أن يوفق بين صرامة المنطق الرياضي وحرارة التجربة الروحية المباشرة؟ هذا التساؤل المعرفي شكّل نقطة الانطلاق لأحد أهم المشاريع الفلسفية في التاريخ الفكري الإسلامي، وهو مشروع “الحكمة المتعالية” الذي أرسى دعائمه صدر الدين الشيرازي (الملا صدرا).

تطرح فلسفة الملا صدرا نسقاً إبستمولوجياً (معرفياً) يسعى إلى تجاوز الانقسامات التقليدية التي سادت قبله. تاريخياً، تعددت مسارات المعرفة على نحو متوازٍ: المدرسة المشائية التي اعتمدت على البرهان العقلي والمنطق الأرسطي، والمدرسة الإشراقية التي أسسها السهروردي واعتمدت على الإشراق والحدس، والمسار الكلامي الذي ركز على الجدل لحماية العقيدة، والمسار العرفاني (الصوفي) الذي اعتمد الكشف والشهود. يسعى مشروع الملا صدرا إلى الجمع بين هذه المسارات ضمن بنية واحدة متجانسة.

يقوم تأسيس الحكمة المتعالية على معالجة فكرة التعارض بين أدوات المعرفة. يرى الملا صدرا أن الوصول إلى الحقيقة الوجودية يتطلب تضافر البرهان العقلي الدقيق مع الكشف القلبي والالتزام بالشريعة. فالعقل وحده قد ينتهي إلى تجريدات ذهنية لا تلامس حقيقة الوجود الخارجي، بينما قد يتعرض الشهود وحده للزلل والوهم إن لم يُضبط بميزان المنطق والبرهان الفلسفي.

ولتقريب هذا الدمج، يمكن تخيل طبيب يدرس التركيب الكيميائي والتشريحي لقلب الإنسان (وهذا يمثل البرهان الفلسفي المشائي)، في مقابل شاعر يعيش تجربة الحب والانفعال العاطفي النابض من هذا القلب (وهذا يمثل الكشف العرفاني). تطرح الحكمة المتعالية نموذجاً معرفياً يطالب الفيلسوف بالجمع بين الموقعين معاً؛ أن يمتلك دقة التشريح المنطقي للوجود، وأن يعيش في الوقت ذاته التجربة الشهودية المباشرة لتجليات هذا الوجود.

وينعكس هذا المشروع في البناء الهيكلي لأطروحات الملا صدرا، إذ يبدأ عادة بتقرير المسألة الفلسفية بأسلوب منطقي مشائي، ثم ينتقل إلى تحليلها بنور الإشراق، ليختمها بتأييدات من النصوص المقدسة والتجربة العرفانية. ويرى الشارحون في هذا المنهج اندماجاً عضوياً بين المسارات المختلفة، أفضى إلى نظريات جديدة كأصالة الوجود والحركة الجوهرية.

وفي المحصلة، تطرح الحكمة المتعالية تصوراً فلسفياً مفاده أن الحقيقة واحدة وإن تعددت طرق الوصول إليها، وأن كمال المعرفة الإنسانية، في هذا التصور، مرهون بقدرة العقل على الجمع بين البرهان العقلي والشهود الباطني معاً.