الحرب الإعلامية النفسية

الحرب الإعلامية النفسية

شيماء أحمد الحوثي

في كل الحروب التي تُدار في العالم، يلجأ العدو إلى الحرب الدعائية والتضليلية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، من خلال حرب المصطلحات أو الحرب المعنوية التي يوجهها إلى الشعب المستهدف، بهدف تشويش عقول الناس وإدخالهم في دوامة صراع بعيدًا عن مساره الصحيح، وحرف بوصلتهم في الاتجاه المعاكس.

عندما يعجز العدو عن السيطرة العسكرية على الأرض، يتجه إلى معركة الوعي ويفتح جبهة تُسمى “جبهة الإدراك”، وهي أحد فصول الحرب الناعمة التي يعمل عليها بشتى الوسائل لتعويض خسائره العسكرية.

وهذا ما حدث تمامًا هنا في اليمن، فبعد أن فشل العدو في الدخول والسيطرة على العاصمة صنعاء، لجأ إلى الحرب الإعلامية وبث السموم عبر نشرات الأخبار وقنواته الصهيوأمريكية، من خلال الشائعات المضللة التي لا أساس لها من الصحة، وبدأ العمل على وعي الناس ومداركهم عبر حرب نفسية تغذي الأفكار في غير اتجاهها الصحيح.

يسعى العدو إلى فرض حالة من الغضب وتوجيه العداء نحو الداخل عبر ما يُسمى بالتفجير من الداخل، لأنه عندما يسيطر على وعي الناس وعقولهم، يسهل عليه نشر وبث كل ما يريده لتأجيج الوضع الداخلي، كما يستطيع التحكم في قرارات الناس وتحركاتهم وميولهم، وحتى في طريقة تفكيرهم واتجاهاتهم وكل ما يتعلق بحياتهم اليومية.

وهنا يقع الناس في مصيدة العدو الإعلامية التضليلية، ويصبحون في دائرة الاستهداف المباشر بكل سهولة فالعدو يسعى إلى هدف بالغ الأهمية، وهو فرض الإرادة على الناس والسيطرة على مجمل حياتهم والتحكم بها عبر شاشة التلفزيون أو الهاتف ومع التقنيات الحديثة أصبح من السهل على العدو معرفة الكثير من التفاصيل عن الشعوب المستهدفة، وبالتالي يسهل عليه التأثير في عقول الناس ووعيهم وتوجيهها كيفما يشاء.

يبدأ العدو فرض سيطرته الإعلامية عبر نشر الشائعات وبث حالة الخوف والهلع بين الناس، وإدخالهم في حالة من اليأس وفقدان الثقة، حتى يصل بهم الأمر إلى فقدان الأمل بشكل كامل وهذه هي النتيجة الأولية التي يسعى إليها، وهي زرع حالة الرعب وخيبة الأمل بين الشعوب، وهو ما يزعزع الصفوف من الداخل.

وما إن يتمكن العدو من التأثير في تفكير الشعوب ووعيها، حتى يستطيع توجيهها وفق الخوارزميات المستخدمة في وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك عبر الأدوات المهيأة لنقل كل ما يريد نشره في أوساط المجتمع والرسالة هنا أن الجميع مستهدف من خلال هذه الحرب الإعلامية، فلا أحد مستثنى أو محصن من أخطارها وتبعاتها.

في أوساط مجتمعنا اليمني، ونحن نعيش حالة اللا سلم واللا حرب، عندما تجلس مع مجموعة من الأفراد لمناقشة الأوضاع الداخلية، ستجد حالة من السخط والغضب واليأس لدى البعض لكن، والحمد لله، ليست هذه الحالة بالحجم الذي قد يظنه البعض، فشعبنا اليمني يمتلك قدرًا كبيرًا من الوعي، وبفضل الله ثم بفضل هذا الوعي استطعنا الصمود أمام آلة القتل الصهيوسعودية وأبواقها الإعلامية المضللة، وتمكنا من كشف أباطيلها وصد حملاتها.

ونحن نعول على هذا الوعي، إلا أن هناك بعض الأشخاص في أوساط المجتمع يعيشون حالة من التشاؤم واليأس والملل والاكتئاب، وغالبًا ما يكون ذلك نتيجة رؤيتهم الضبابية للأحداث أو بسبب ضعف الوعي، كما أن التعرض المستمر لوسائل الإعلام المضللة وهجماتها النفسية المتكررة على عقول الناس قد أوصل البعض إلى حالة أقرب إلى ما يمكن وصفه بالحالة المرضية، فيرون كل شيء بصورة سلبية ويرفضون تقبل أي جانب إيجابي.

نحن اليوم شعبًا ودولةً وحكومةً نخوض معركة واحدة ونسير نحو مصير واحد وخلال سنوات الحرب العشر التي مرت بها بلادنا تعرضنا لضخ إعلامي مكثف، وحرب نفسية واسعة، وشائعات ومعلومات مغلوطة تغلغلت في أوساط المجتمع، إلى جانب حملات دعائية مشوهة وترويج كاذب استهدف عقول الناس ومداركهم، وأسهم للأسف في إيصال الكثير من أبناء المجتمع إلى حالة من الشرخ والانقسام الذي يريده العدو بين الشعب والدولة.

وقد يصل الأمر إلى أن يُتهم من يتحدث عن بعض الإيجابيات في أداء الدولة بأنه “مطبل” والحقيقة أننا عندما نشير إلى بعض الجوانب الإيجابية في مرافق الدولة، فإن ذلك لا يأتي من باب التطبيل، وإنما من باب التذكير بأن الحكومة تعمل في ظل حصار وإمكانات محدودة للغاية. ومع ذلك، فإن هذا لا ينفي وجود مكامن خلل أو تقصير من بعض المسؤولين، ولا ينكر انتشار الفساد في بعض المؤسسات الحكومية.

ومن باب الإنصاف، إذا تحدثنا عن السلبيات في الدولة، فيجب أيضًا أن نتحدث عن الإيجابيات وعلينا جميعًا أن نعي أننا في دائرة الاستهداف، وأن الشعب والحكومة كلاهما مستهدفان والحل يكمن في النقد البنّاء والتوجيه الواعي نحو مكامن الخلل والفساد، والإشارة إلى سبل الإصلاح دون الوقوع في خدمة أجندات العدو أو الانجرار وراءها دون وعي أو بصيرة.

إن ما تحدثنا عنه سابقًا يُعد من نتائج الحرب الناعمة والحرب الإعلامية النفسية التي تستهدف وعي المجتمع وعقله ومداركه، ومن نتائج هذه الحرب تفكيك المجتمع، وإضعاف الثقة، ونشر اليأس والجمود، وزرع شعور بعدم جدوى أي حلول داخلية تقوم بها الدولة ومؤسساتها، الأمر الذي يمهد الطريق لتقبل أي حلول خارجية قد تخدم أجندات ومصالح أجنبية.

إن التفجير من الداخل يبدأ بإسقاط الفرد نفسه، عبر إسقاط وعيه والسيطرة على مداركه، والنتيجة النهائية لهذه الحرب الإعلامية قد تكون بقاء الدولة في حالة من الفوضى والفراغ، أو الوصول إلى مرحلة الاقتتال الداخلي كما حدث في السودان، وفي المحافظات الجنوبية المحتلة نرى غياب الأمن والاستقرار وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وانتهاك حقوق الأطفال من قبل بعض من يُسمون بالأمن في عدن، وهو ما يُعد نتيجة مباشرة لضعف مؤسسات الدولة.

فعندما تغيب الدولة تنتشر الفوضى وتزداد الجريمة، أما النتيجة الأخرى لفرض الإرادة، فهي انهيار المعنويات نتيجة حملات التشويه المستمرة ضد الحكومة، بما يؤدي إلى إضعاف الدولة
نعم، هناك فساد وتقصير في بعض المرافق، لكن علينا أن نحافظ على رمزية المؤسسة الحكومية ورمزية الدولة، لأن سقوط الدولة يعني سقوط شعب بأكمله.

نحن نتعرض يوميًا لحرب شائعات شرسة تستهدفنا عبر نشرات الأخبار أو وسائل التواصل الاجتماعي، حتى تصبح تلك الشائعات حديث الناس في كل مكان.

إن خطورة الإعلام المضلل ووسائله التضليلية لا تقل عن خطورة الغذاء الفاسد أو الطعام الملوث، لأن التضليل الإعلامي يصل إلى كل منزل، ويستهدف الجميع دون استثناء.

وفي جانب آخر يتمثل في حرب المصطلحات، نرى كيف تتبنى القنوات السعودية المتصهينة الرواية الإسرائيلية في تغطياتها الإخبارية، وتوجه الاتهامات نحو المقاومة الفلسطينية، فيتحول الجلاد إلى ضحية والضحية إلى جلاد، مع تقديم إسرائيل بصورة القوة المنتصرة وتلميع صورتها رغم جرائم الإبادة التي ترتكبها في غزة.

وتُقدَّم حرب المصطلحات بأسلوب ناعم يستهدف المشاعر ويخاطب الجانب العاطفي، بهدف تغيير المفاهيم وتوجيه التفكير، بحيث يتحول العداء نحو الداخل بدلًا من توجيهه إلى العدو الأساسي المتمثل بالمشروع الصهيوني.

ولن نجد في وسائل الإعلام العربية المتصهينة مساحة كافية للحديث عن الانتصارات التي تحققها المقاومة في غزة ولبنان، أو عن صمود الناس داخل قطاع غزة وإصرارهم على مواصلة الطريق حتى تحرير الأقصى، كما لن نسمع كثيرًا عن الجرائم اليومية التي ترتكبها آلة القتل الصهيونية بحق المدنيين، لأن تلك الوسائل تسعى إلى ترسيخ فكرة أن الصهيوني هو المنتصر دائمًا، وأن المقاومة في حالة انكسار وهزيمة.

وما يريده العدو من حربه الإعلامية النفسية هو ترسيخ قناعة لدى الشعوب بعدم جدوى المقاومة والجهاد ضد أعداء الأمة، وتحويل الأمة إلى حالة من الضعف والاستسلام ومن هنا تبرز أهمية مقاطعة هذه الأبواق الإعلامية، وكشف زيف رواياتها ودحض معلوماتها المغلوطة بوعي وبصيرة وإرادة قوية.

الحرب الإعلامية النفسية جزء من المخطط الأمريكي الصهيوني الهادف إلى إعادة تشكيل الوعي العربي وفق أجنداته ومصالحه، بما يسهل فرض الهيمنة والسيطرة على الشعوب العربية والإسلامية وقد بدأت هذه الحرب بأشكال متعددة، من بينها التأثير على المناهج التعليمية وتغيير المفاهيم المرتبطة بالقضية الفلسطينية والصراع مع الكيان الصهيوني.

ولهذا نرى اليوم كيف تُستهدف حركات المقاومة في اليمن ولبنان وغزة وإيران والعراق، ضمن مشروع يسعى إلى ترسيخ فكرة أن المقاومة تمثل الخطر والإرهاب.

ورغم الضخ الإعلامي المضلل الذي تعرض له شعبنا اليمني خلال السنوات العشر الماضية، فإن السواد الأعظم من اليمنيين لم تنكسر عزيمتهم، ولم يتمكن العدو من السيطرة على وعيهم أو التأثير في مشاعرهم عبر الشائعات وحملات التشويه الممنهجة ضد بلدنا لقد فوجئ العدو بعزيمة هذا الشعب الذي لا تلين إرادته، وبوعي إيماني راسخ وثقة بالله ونصره، فباءت محاولاته بالفشل، وانتصر وعي الشعب اليمني الذي لا يزال وسيبقى متيقظًا لكل محاولات التضليل والتشويه والحرب النفسية.

وفي الختام، فإن الرسالة موجهة للجميع بضرورة مقاطعة قنوات الحرب النفسية والإعلامية التي لا تبث سوى الخوف والهلع، وتعمل على دس السم في العسل بهدف التأثير على وعينا ومداركنا، كما تبرز أهمية الانتباه إلى ما يتلقاه الأطفال عبر شاشات التلفاز والهواتف، والحرص على تنمية وعيهم وبصيرتهم بما ينفع عقولهم ويغذي أفكارهم بصورة سليمة، ليكونوا جيلًا قادرًا على بناء وطنه والنهوض به.

أما الرسالة الأهم، فهي أن ننتبه لما نتابعه ونتلقاه عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وألا ننساق خلف الشائعات دون وعي أو مسؤولية، وأن ننظر إلى الواقع والأحداث بعين البصيرة والوعي.

#اتحاد_كاتبات_اليمن