ماذا نريد من التأريخ ؟

ماذا نريد من التأريخ ؟
كامل سلمان
كل شيء في حياتنا مرتبط بالماضي أو التأريخ لكن هذا الارتباط للأسف تحول إلى ارتباط سلبي وكانت نتائجه سيئة علينا . عندما نستحضر التأريخ في حاضرنا بمعنى أننا نبغي وجود منافع لهذا التأريخ في حياتنا لا أن تكون سبباً للآلام ، عملية تحويل التأريخ إلى منافع ملموسة يستوجب تلخيص هذا التأريخ وفهمه بشكل صحيح ثم توظيفه للحاضر من خلال النتائج التي نحصل عليها . هناك ثلاثة نتائج لا غيرها ستكون المنافع حاضرة فيها أن تم فهم التأريخ فهماً صحيحاً .
النتيجة الأولى : عندما نقرأ التأريخ ونقتنع بأن الأسلاف قد قدموا نموذجاً راقياً للتطور والمعرفة في زمانهم وتفوقوا على باقي الأمم ، هنا ستكون شكل المنفعة أن نعمل بحرص وجد ووفاء لنصل مرحلة التفوق على الأمم الأخرى في التعليم والصناعة والزراعة والرياضة والطب وبقية العلوم ونحافظ على نفس مستوى الرقي الذي حققه الأسلاف في زمانهم ، لا أن نجلس ونحاجج الأمم بأننا أول من أوجد الكتابة وأننا من وضع اساس علم الفلك والطب والفيزياء ونتفاخر بما مضى ووجودنا في الحاضر أفلاس من كل شيء ، أو كما يقول الشاعر أحمد شوقي ( أخذنا إمرة الأرض إغتصابا ) لست أنت يا أحمد شوقي بل أخذها من كان الزمان له ولا ينفعك أن تستنجد بالماضي فالماضي قد مضى وولى ونحن أبناء هذا الزمان والعاقل من يجد التأريخ حافزاً لا ملاذاً يحتمي به ، علينا أن نثبت أنفسنا مثلما أثبت الأولون أنفسهم .
النتيجة الثانية : عندما نقرأ في التأريخ بأن الشخصية الفلانية شخصية عظيمة وقد تعرضت للظلم والقتل والانتهاك بدون وجه حق ثم نقلب الدنيا صراخاً وعويلاً ولطماً كلما مرت علينا ذكراه الأليمة ، ماذا نريد من كل ذلك ؟ لا نعرف . لو كنا حريصين أن لا يتكرر مثل هذا الظلم ونجعل التأريخ لنا درساً يدر علينا بالمنافع ونجعل ذكراه قداساً ، كان حري بنا بدل اللطم والبكاء هو أن نؤسس دولة مدنية حضارية فيها العدالة والقانون ولا يتكرر ذلك الظلم مرة ثانية ، بهذا نكون قد أنصفنا أنفسنا وأنصفنا التأريخ وأنصفنا ذاك المظلوم لنخبره بأن دمه لم يذهب هدراً بل تحقق ماكان يصبو إليه من رفع الظلم والحيف ، أما أن أرفع السيف وأقوم بقتل الأخرين بدعوة الثأر لمظلوم ذاك الزمان فهذه أفكار غير مفهومة وغير واقعية وكأننا نريد أن نجعل عشاق ذاك المظلوم يأخذون دور الظالم لينتقموا من جيل أخر وتبقى الدولة للأقوى والأعنف ونبقى للأبد نعيش حياة الغاب ، فهل تكرار الظلم هو كل ما أستطعنا فهمه من التأريخ أم البكاء والنحيب هو الحل للتشكي من غياب العدالة ؟
النتيجة الثالثة : عندما نقرأ في التأريخ بأن الأنبياء قاموا بتحطيم الأصنام ، يجب أن نفهم بأن الأصنام ليست شرطاً أن تكون حجارة بل أحياناً دماً ولحماً أو قد تكون الأصنام على شكل أفكار جاثمة في العقول أو جهالة تدفع الإنسان إلى فعل السوء أو سرقة الأموال بسبب السلطة ، فعندما نفكر بتحطيم الأصنام علينا أن نفكر أولاً بالأصنام الموجودة في عقولنا ونوازعنا قبل أن يذهب تفكيرنا إلى تلك القطع من الحجر التي أختفت من حياتنا قبل مئات السنين لكنها تركت الف صنم حولنا وفي أنفسنا وعقولنا ، فهذا الذي يفسد ويسرق إنما بداخله صنم كبير أسمه صنم الفساد ، وهذا الذي يسترخص دمه من أجل صنمه الآدمي فهو بحاجة إلى تحطيم صنمه الذي أستعبد عقله ، أصنامنا كثيرة منها مرئية ومنها مخفية وتحطيمها يتطلب منا وعياً كبيرا وليس فأساً كبيرا . . أن أي فهم للتأريخ غير هذا الفهم وأية نتيجة نخرج بها غير هذه النتائج فهي خطيئة كبرى بحق أنفسنا وبحق هذا الجيل وبحق الأجيال القادمة ونتحمل وحدنا وزر ذلك بسبب جهالتنا وفهمنا الخاطىء لدروس التأريخ . الأمم لا تنتظر منا متى نفهم أنفسنا ومتى نفهم التأريخ ومتى نتعلم ، فتلك الأمم قد فهمت أنفسها وفهمت تأريخها وشقت طريقها في الحياة وها هم أبناءها يتنافسون بكل ما أوتوا من قوة للصعود إلى القمم العالية ومجتمعاتنا في القاع مشغولة في كيفية فك شفرة أحداث حدثت قبل مئات أو الاف السنين وتدور في دائرة مغلقة .