رؤيا الحاكم وقراره ،، بين المسكّنات والعلاج .. التجربة المصرية

لسنا في معرض التقييم السياسي أو الجماهيري طبقا للشعارات والإنتماءات حتى لا يجادل معترض فأنا عادة أفصل بين الأمور في المقال الواحد لتناول زاوية واحدة لدراستها او وصفها وفهمها ،
بعض الحكّام يمرّون على هذا المنصب الأخطر في بلدانهم مرور الموظفين ويتعاملون معه تعامل العابرين يعدّون الأيام وينتفعون بالمزايا ويقضون السنين ، وهذا حال أغلب حكامنا العرب والبعض النادر هو من يريد أن يُحدث في بلده فرقا أو يصنع لنفسه مجدا أو يجتهد لينال رضا الله و الشعب أو ليذكره التاريخ ،
هذا النوع الأخير من الحكّام لابدّ له من المغامرة في جانب ما لم يجرؤ أحد على الإقتراب منه فالشعوب -الكبيرة غير الطموحة- المعتادة على ثبات نبض الشارع أو العيش بوتيرة واحدة لعقود يصعب على الحاكم الإصطدام مع ما تظنه استقرارا في نمط العيش او الإقتصاد بينما ينخر التخلّف عن ركب الأمم أطراف جسدها بصمت ويتسلّل التهالك الى مركزه دون انتفاض او خطوات نهضة او خطط لحلول فتنسى تلك الشعوب دورها التاريخي وإرثها الحضاري وتستسلم لصراعها المعيشي مع الحياة إلى أن تًرزق بقيادة نهضوية او طموحة ،
كان استقرار الأسعار ودوام الحالة الواحدة للعيش متوافرا في مصر لعقود نهايات القرن الماضي وبداية القرن الجديد لكن النّمو السكاني الواقعي والمتسارع قابله بطء او ربما جمود في التطور العمراني فتكتظّ الشوراع شيئا فشيئا وتتقيّد الحركة في المدن وتتزاحم المنشآت وتترهّل المصالح الحكومية وتصعب الإنجازات وتتأخّر المعاملات والإجراءات وتتعثّر خطوات التقدم ومجاراة الثورة المعاصرة للحياة ، وكل هذا بسبب انعدام المرونة في الإمتصاص وقلّة الإنسيابية في التجاوب والخوف من اتخاذ القرار الأهم ، ورأس الخلل هو التداخل في الإختصاصات والإصرار على الروتين والإنغلاق على الواقع المضني والخوف من مواجهة الحلّ الجذري والإكتفاء بالمسكّنات بانتظار فرج الله ، إلى أن تسلّم الأمر حاكم لديه تلك الجرأة التي قدّمنا لها وذلك الطموح في التصحيح وتلك الإرادة على المواجهة مع جماهيره ومصارحتهم بالخلل الكبير وتحمّل تبعات الخطوة الجبارة فكان التوجّه العمراني لديه صحيحا جدا مناسبا جدا ضروريا جدا وكان القرار المصيري الخطير بالإنطلاق فيه ومواجهة الشعب بكامله للتبعات الإقتصادية المرحلية وما تجرّه من سخط جماهيري من فئات فقيرة وطبقات متوسطة كان بمثابة تضحية بالمستقبل الشخصي للقياديين الجدد منذ بداية العقد الثاني للقرن الجديد وكان مشيا على حزام ناري ، فمصر لم تكن مستعدة لذلك من حيث الموارد الطبيعية والثروات الفائضة او لنقل من حيث عدم استغلالها بالشكل السليم والتي منها وأهمها الثروة البشرية ،
فانطلق الحاكم الطموح -سواء اتفقت معه سياسيا وآيديولوجيا او اختلفت- انطلق بهذا المشروع التاريخي العملاق ، نعم أنا أعدّه تاريخيا ولا يمكن لأي أحد ان يفهم ذلك أو يدركه إلا أن يتميز بأمرين ؛ الأول ان يكون مميِّزا لكلّ ما تقدم من عرض الظروف والثاني ان يكون عاش في مصر حينا في السابق و يعيش فيها في الوقت الحاضر وان يتعايش ويتبصّر في كثير من التفاصيل الحياتية اليومية وانسياب حركة الناس ،
عليه -إذا اراد الإنطباع الصحيح-أن ينتبه ويفهم لماذا طرق جديدة في كل مكان من العاصمة القديمة ومؤكّد ان مثل ذلك في المحافظات ، وأن يتحسّس النهضة في المؤسسات الحكومية المهمة وتجديد بناياتها وتوسيع مداخلها وأقسامها وتمهيد السبل المؤدية اليها وتقليص البيروقراطية فيها بل وبناء عاصمة جديدة تحتوي جزءا مهما من مفاصل الإدارة مدعمة بالطرق والمواصلات الحديثة الموصلة اليها ، وأن يرى دور الجسور الكبرى العديدة والمتوزعة في كلّ إقليم من البلاد وان يرى بعينيه الفرق بين واقع سابق تتراكم فيه العشوائيات وبين حاضر يزيل ذلك ويعوض المستخدمين ويشقّ في تلك الأراضي المبعثرة عديمة الجدوى طرقا بدلا من ذلك سهّلت حركة المرور وفكّت الاختناقات وسرّعت وتيرة الحياة وحررت الحركة وهذا عماد التطور و أوّل لَبٍناته ، وقد روعي بالتوازي من ذلك التطوير الذاتي للمؤسسات التعليمية والجامعات ،
الأمر كان بحاحة الى قرار وعمل مضني مستمر دام لسنوات وما يزال والى أموال طائلة دون شك ولابد بطبيعة الحال ان تتوزّع مصادرها بين الديون الخارجية والتقشّف وهذا هو الجانب الآخر الذي كان متوقّعا له ان يوقف هذا المشروع الحيوي المهم والضروري والكبير ،
لكن هنا جاءت قدرة الحاكم الطموح ونسبة المغامرة التي قبِلها أمام فقراء بلده المحقّين في شكواهم بالطبع ولا يعون حجم الإنجاز العظيم هذا بينما يواجهون صعوبات التغيّر المعيشي “المؤقت كما أظن وأرجو- ، فرؤيا القيادة التي تنظر الى الأمر من موقع لا يمكن أن يراه المواطن البسيط ولا حتى المتعلّم غير المتبصّر وعلى النخبة أن تشير الى ذلك وتدعمه ، تلك الرؤيا التي تحسب الملايين البشريّة التي ستولد وتنشأ في القادم من العقود والتي تحتاج مدنا جديدة و قد بنى ، وتحتاج طرقا ممتدة ممهدة وقد شقّ ، وتحتاج نقلا للمصالح الحكومية الى مكان جديد يزيل الزخم ويمنع الإنهيار السكّاني والعمراني ومن ثم الإقتصادي الذي كان وشيكا للعاصمة القديمة والمراكز القديمة في كل المحافظات وقد تداركه بذكاء وفي آخر الوقت ، وقد واجهت الحكومة من أجل ذلك أقسى الظروف أقلّها كانت أزمة كورونا وسنوات الإغلاق العالمي ، وبعد ان اتّخذت قيادة مصر قرار العلاج وانتهت حقبة المسكّنات التي اتّبعها النظام السابق “مضطرا او مترددا” فكانت الحقبة الجديدة ، وقد كان هذا الإنشغال بالنهضة والحلول ربما أحد اسباب محاولات النأي بمصر عن كل أحداث المنطقة الأخيرة وحروبها رغم موقع مصر الكبير ودورها وحجم تاثيرها التاريخي والمعاصر ،
إلا ان للضرورات أحكام وقد تعاملت معها القيادة المصرية بفهم كبير وتخطيط مستقبلي واعي حفاظا على إكمال هذا التحوّل الضروري ، فهذا الشعب الكبير بحاجة الى تامين مستقبله السكني والعمراني والتطويري وضمان انسياب الحركة وفكّ الاختناقات وتوسيع المدن وتجديد المنشآت وعصرنة الجامعات وووو ، كثير جدا من جوانب النهوض -التي نرجو ستظهر ثمارها في المستقبل القريب-وقد تحقق كل ذلك وما يزال بطريقة مدروسة وناجحة لا ينكرها إلا جاهل لم يطّلع او جائع لم تتركه الدولة بل مدّت له يد العون ودعمت فرصه من أجل ذلك رغم ضرورية المرحلة ، او حسود داخلي للنجاج قد فشل في تحقيقه عندما سنحت له الفرصة وهو متضرّر اليوم من النهضة فيستغل الأعراض الجانبية -التي لابد منها- للعلاج لكي يشوّش على البسطاء من الناس ، او عدو خارجي يعلم ان مصر سائرة في عمرانها وتطوّرها على الطريق الصحيح و ان ما بعد التطور والاستقرار والنهضة ستتقوى وتتفرّغ لمن يترصّد لها سواء تحت هذه القيادات أو من يليها ، وسيكون لشعب مصر الملتزم دينيا والممتلئ حضاريّا والمتجاوب قوميّا والواعي إقليميا -بإذن الله – شأن آخر .
أدهم الشبيب 14 حزيران 2026