من وراء المسيرة الخضراء / الجزء الرابع

من وراء المسيرة الخضراء / الجزء الرابع
بغداد : مصطفى منيغ
… أصبحتُ معروفاً لدى شرائح عدة من المجتمع الجزائري ، وكذا النخبة المُميَّزة الشاغلة بعض وظائف الدولة ، المهم فالأهم فيها ومنها، وأيضا الشاملة تلقائياًبعض الشخصيات ذات الصيت الدولي كالأديب والمؤلف الروائي العبقري المُغترف بكتاباته فطاحلة الأدب والفن المسرحي الفرنسيين “كاتب ياسين” الذي اتصل بي طارحاً عليَّ مقاسمته عملاً مسرحياً ضخماً ، موضوع لتنفيذه غلاف مالي يفوق متطلبات إنتاجه بكثير ، تمَّ اللقاء بيننا في جلستين ، الأولى في بيته خُصِّص للتعارف أكثر وأزيد ، فالتحاور المباشر الحر في مجال تقنية التأليف المسرحي كنص ناقل الخيال كواقع ناحرك زمنا ومكانا فوق خشبة محدودة المساحة ، بحضور متفرجين من أعمار مختلفة وإمكانات فكرية متباينة ، بهدف تبليغ رسالة ما لإشغال العامة بفكرة ما ، تفرض نفسها إن جاء العمل بأركانه الخمسة ناجحاً ، أما الثانية فداخل بناية كائنة بشارع الكولونيل لطفي مهجورة ظلت لردح من الزمان تسلمتها وزارة العمل من الفرنسيين بعد رحيلهم ن ليضعها الوزير المعزوزي كمقر لتنفيذ المشروع ، وقد ارتبطت هذه الجلسة بدراسة الخطوط العريضة لمسرحية تريدها الجزائر الرسمية كمقدمة للتشويش البعيد المدى على مبدح المسيرة الخضراء الملك الراحل الحسن الثاني ، عساه يكف عن تنظيمها .
… انطلاقا من هذا اللقاء أصبح مقامي في الديار الجزائرية يشهد عداً تنازلياً ، لقد وضعني “كاتب ياسين” ومن ورائه من حكام يتزعَّمهم الهواري بومدين نفسه أمام اختيارين لا ثالث لهما ، أن أظل مخلصا لوطني فأخسر كل ما بنيته بعرق جبيني ، بما فيها الأجرة التي التي كنت أتوصل بها منتظمة من الإذاعة والتلفزة الجزائرية البالغة أربعين دينار عن كل دقيقة مُسجَّلة من انتاجاتي ، حينما كانت القيمة المصرفية للدينار الجزائري متساوية مع الدرهم المغربي ن وتتبخَّر الشركة التي حلمتُ بإقامتها للإنتاج الإذاعي والتلفزي على مستوى تغطية حاجيات العالم العربي ، في هذا المجال الأدبي الفني الحيوي ، أو الاحتفاظ بتلك المنافع المذكورة بل تنمياها إلى الأفضل ، إن حنتُ بلدي واتبعتُ قلباً وقالباً هوى النظام الجزائري ، الرامي إلى إلحاق الأذى بالمملكة المغربية الشريفة .
… طلبتُ من “كاتب ياسين” أن يمهلني لبعض الوقت لأفكِّر جدياً في الموضوع ، فقبل على مضض إذ أسياده يستعجلونه بإقناع مصطفى منيغ القادر على كتابة النص المسرحي بالمواصفات المطلوبة والرسالات الموضوعة لتعميم البلبلة في عقول الرأي العام العربي والدولي اتجاه ما أقدم عليه ملك المغرب من تنظيم مسيرة خضراء ، لن تتوقف إلا باسترجاع الصحراء المستعمرة من طرف اسبانيا وضمها لمساحة مملكته ، الشيء الذي لا ولن تقبل به جزائر الهواري بومدين ، هذا من جهة ومن أخرى حتى يضطلع مصطفى منيغ بدور قيادة المعارضين المغاربة لفكرة إقامة مسيرة من هذا الحجم هادفة لمثل الغاية ن وبمصطفى منيغ يضرب الهواري بومدين عصفورين بحجر واحد .
… هنا يتجلى الوفاء للوطن في أبهى صورة ، وتتقدم التضحية / الضمير مستجيبة نداءه لدى المغربي الواضع رأسه بين كفيه عبر عابئ بما سيقع إن تغلب قرار الشر على اختيلر الخير ، في المواجهة المريرة لحظة الصمود الحقيقي المرتبط بشرف وكرامة وعزة وسؤدددولة وأمة جمعهما المغرب ن هنا يتم تصنيف المغربي المتحمل مسؤولية تمثيل وطنه بما يصدر عنه من قرار ، شجاعة البقاء وليس جبن الفرار ، فإما النصر أو ولوج القبر .
… هنا يضع الوطن أي مغربي على طاولة المشرحة ليتيقن من حقيقة ارتباط المعني به أقائم على عهد موثق لدى جناحي الحياة في الإنسان قلبه وعقله ، أم القضية مجرد رقم في بطاقة الانتساب ، متى هب ريح الإغراء المادي حط بها حيال مَن يدفع ، لتسجل كصاحبها في شهادة الضياع .
… لم أذق ليلتها متعة الكرى لأقرر ما لعيون الحاقدين على وطني سترى ، ولألقن حكام الجزائر وعلى رأسهم الهواري بومدين درساً يعيدهم إلى قسم “الحضانة” ، عساهم يتعلمون بالتدريج تقنية التخطيط بمقوماته العلمية وأبعاده المرحلية وتأثيراته السطحية كالجوهرية ، لإتجاز الأهداف المعنية وفق رسومات بيانية محددة نقط التجاذب والتدافع ، وصولا لتمشيط عقول ، قصد ما علق داخلها من غل اتجاه المغرب يزول ، ولأعرِّفهم بسياسة السياسة بتوجهاتها اللينة الرطبة والجافة اليابسة ، المهمة صعبة للغاية ، نجاحها يقتضي وضع أسوأ السيناريوهات لما يمكن أن يحصل لو اكتشف من كلفوا بمراقبتي على امتداد الساعة ، أنني قلبا وقالباً مع وطني المغرب ، أخطط بدوري لتكون النتيجة التي أسعى إليها (مهما كلفتي إنجازها على أرض الواقع) لتصبح عبرة لمن سوَّلت له نفسه التفكير في شراء ذمم المغاربة الشرفاء المقيمين هناك خلال تلك المرحلة بالذات ، حيث السلطات الجزائرية مستعدة للدفع المالي بسخاء حاتمي وبالعملة الصغبة لابتياع ما تشوِّه سمعة المملكة المغربية . لقد كنت أحد الأكثر اطلاعاً بما يخططه الهواري بومدين لتضييق الخناق على اجتهادات العاهل المغربي قصد تحرير ما تبقى من أرض مملكته محتلاً وفي المقدمة الصحراء ، أحيانا المعلومات القيمة كانت تصلني حيث أكون ، دليل اطمئنان كانت المخابرات الجزائرية ، تمثل به دور دور الاعتراف بأنني أصبحت أحد المندمجين سياسياً كأضعف الإيمان مع رغبات القبادة الجزائرية ذات الصلة ، بل أكثر من ذلك إحضاري كإعلامي في بعض الاجتماعات السرية لحد ما ، ومنها الأكثر تأثيراً على نفسيتي ، بل عكس ما كانت تتوقع تلك الجهات ، شكلت درجة متقدمة بالنسبة لي في الحفاظ على حبي لوطني أكثر من حبي لنفسي ، بل أضافت لتحمسي في اتقان ما يؤهلني على أداء تلك المهمة الصعبة التي أقسمتُ أن أعيش لتحقيقها أو أستشهد دونها ،
… أصبح الحذر سمة فارضة نفسها بجدية ، فاليوم ندشن بداية التحضيرات الأولية ومحاولة بناء القالب الدرامي للعمل المسرحي الكبير ، كما جاء به تصور كاتب ياسين ومن معه ، ومفروض عليَّ ترجمته حواراً يجسِّد ما قد يصبح علامة بارزة على تدخل الجزائر في شؤون جارتها الداخلية ،الحقيقة كم هو صعب عليَّ إخفاء عدم رغبتي القيام بعمل وأنا بالفعل أقوم له ، جزءا لا يتجزأ من خطة اعتمدتها وصولا للحظة الصفر المنشودة . (يتبع)
(الصورة : كاتب ياسين)
مصطفى منيغ
Mustapha Mounirh
سفير السلام العالمي
مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان
في سيدني – أستراليا
212770222634
aladalamm@yahoo.fr
https://assafir-mm.blogspot.com