مفهوم الدهن (أفبهذا الحديث أنتم مدهنون)

د. فاضل حسن شريف

وردت كلمة “الدهان” ومشتقاتها (مثل الإدهان) في القرآن الكريم بمعانٍ بلاغية ومجازية ولغوية مختلفة، أبرزها وصف أهوال يوم القيامة. 1. الإدهان بمعنى الملاينة والمجاملة (في العقيدة) الآية: “وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ” (القلم 9).المعنى: جاء في التفسير أن الكفار تمنوا لو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتنازل قليلاً في دينه (بالملاينة والمجاملة أو المداهنة) في المشركين بترك بعض الحق، ليتنازلوا هم أيضاً. والمقصود هنا التحذير من المداهنة والتنازل عن الثوابت. 2. الدهان بمعنى الزيت المذاب (وصف لون السماء)الآية: “فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ” (الرحمن 37).المعنى: يشير القرآن الكريم إلى أهوال يوم القيامة، حيث تنشق السماء وتتلون بألوان مختلفة (كالحمراء والصفراء والزرقاء) من شدة الحرارة والاضطراب، لتشبه في سيولتها وتلونها “الدردي” (وهو عكر الزيت أو الزيت المذاب) أو الجلد الأحمر المدبوغ.3. “الدُّهْن” ومشتقاته (بمعناه الحسي)استخدم القرآن الكريم مادة (د-ه-ن) للإشارة إلى الدهن المادي المعروف في الحياة اليومية، كدليل على نعم الله وآياته في النبات:الآية: “وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ” (المؤمنون 20)، وهي إشارة إلى شجرة الزيتون وما تستخرجه من دهن (زيت). على الرغم من أن كلمة “الإدهان” جاءت في سياق الذم بمعنى المداهنة، إلا أن “الدهن” كعلاج وتطيب مشروع وثابت في السنة النبوية، حيث وردت أحاديث في التدهن بالزيت (مثل زيت الزيتون وزيت البان).

جاء في تفسير الميسر: قال الله تبارك وتعالى عن مدهنون “أَفَبِهَـٰذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ” ﴿الواقعة 81﴾ مدهنون اسم، مدهنون: منافقون، مخادعون / مكذَِبون، كافرون، أو متهاونون. أفبهذا القرآن أنتم أيها المشركون مكذِّبون؟ وعن تفسير غريب القرآن لفخر الدين الطريحي النجفي: وقوله تعالى: “مدهنون” (الواقعة 81) مكذبون، ويقال: كافرون، ويقال: مسرون خلاف ما يظهرون.

عن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله عز اسمه “أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ” (الواقعة 81)‌ هل أنتم بهذا القرآن و بتلك الأوصاف المتقدّمة تتساهلون، بل تنكرونه و تستصغرونه في حين تشاهدون الأدلّة الصادقة و الحقّة بوضوح، و ينبغي لكم التسليم و القبول بكلام اللّه سبحانه بكلّ جديّة، و التعامل مع هذا الأمر كحقيقة لا مجال للشكّ فيها. عبارة “هذا الحديث” في الآية الكريمة إشارة للقرآن الكريم، و “مدهنون” في الأصل من مادّة (دهن) بالمعنى المتعارف عليه، و لأنّ الدهن يستعمل للبشرة و امور اخرى، فإنّ كلمة (أدهان) جاءت بمعنى المداراة و المرونة، و في بعض الأحيان بمعنى الضعف و عدم التعامل بجدية و لأنّ المنافقين و الكاذبين غالبا ما يتّصفون بالمداراة و المصانعة، لذا استعمل هذا المصطلح أحيانا بمعنى التكذيب و الإنكار، و يحتمل أن يكون المعنيان مقصودان في الآية. و الأصل في الإنسان أن يتعامل بجديّة مع الشي‌ء الذي يؤمن به، و إذا لم يتعامل معه بجديّة فهذا دليل على ضعف إيمانه به أو عدم تصديقه.

جاء في اعراب القرآن الكريم: قوله عز اسمه “أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ” (الواقعة 81)‌ أَفَبِهَذَا “الْهَمْزَةُ” حَرْفُ اسْتِفْهَامٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ”الْفَاءُ” حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ”الْبَاءُ” حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(هَذَا) : اسْمُ إِشَارَةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ مُتَعَلِّقٌ بِـ(مُدْهِنُونَ) :. الْحَدِيثِ بَدَلٌ مِنْ (هَذَا) : مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ. أَنْتُمْ ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ. مُدْهِنُونَ خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الْوَاوُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ.