الجناس في القرآن: أعلم، العالمين (أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين)

د. فاضل حسن شريف

الجناس هو: فنٌّ من فنون البديع، تكون فيه الألفاظ متشابهة في النُّطق، واللفظ، ومختلفة في المعنى. الجناس التام: هو ما اتّفق فيه اللفظان في أربعة أمور، وهي: نوع الحروف وعددها وترتيبها وهيئتها أي حركاتها وسكناتها، ولهذا الجناس ثلاثة أنواع منها الجناس المماثل: أن يتّفق لفظاه في الاسميّة أو الفعليّة. والقرآن الكريم يحوي في كثير من آياته على الجناس. ومن الجناس التام المماثل اسم ساعة والساعة في آية الروم 55 فكل منهما يختلف بالمعنى عن الآخر.

عن تفسير الميسر: قال الله تعالى “وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ۚ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ” ﴿العنكبوت 10﴾ ومن الناس من يقول: آمنا بالله، فإذا آذاه المشركون جزع من عذابهم وأذاهم، كما يجزع من عذاب الله ولا يصبر على الأذيَّة منه، فارتدَّ عن إيمانه، ولئن جاء نصر من ربك أيها الرسول لأهل الإيمان به ليقولَنَّ هؤلاء المرتدون عن إيمانهم: إنَّا كنا معكم أيها المؤمنون ننصركم على أعدائكم، أوليس الله بأعلم من كل أحد بما في صدور جميع خلقه؟

عن تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله سبحانه: “وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَآ اوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِاعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ” (العنكبوت 10) ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس﴾ أي أذاهم له ﴿كعذاب الله﴾ في الخوف منه فيطيعهم فينافق، ﴿ولئن﴾ لام قسم ﴿جاء نصرٌ﴾ للمؤمنين ﴿من ربك﴾ فغنموا ﴿ليقولنَّ﴾ حذفت منه نون الرفع لتوالي النونات والواو ضمير الجمع لالتقاء الساكنين، ﴿إنا كنا معكم﴾ في الإيمان فأشركونا في الغنيمة قال تعالى: ﴿أوَ ليس الله بأعلم﴾ أي بعالم بما في صدور العالمين﴾ بقلوبهم من الإيمان والنفاق؟ بلى.

عن موقع موضوع: الجناس مصدر من الفعل (جانَسَ)، (يُجانس)، (مجانَسة)، و(جِناساً)، بمعنى شابهه، واتَّحد معه في النَّسق، أمّا في الاصطلاح اللغويّ، فالجناس هو: فنٌّ من فنون البديع، تكون فيه الألفاظ متشابهة في النُّطق، واللفظ، ومختلفة في المعنى، ممّا يُظهر الجمال والتناغم في التوازُن الصوتيّ في آيات القرآن، كما يُظهر التناسُبَ بين السِّياق القرآنيّ والمقام، وهذا التوازُن الصوتيّ ينتج عن تكرار مُنتظَم للصوت، بسبب تشابه لفظَيه في الشكل، واختلافهما في المعنى كما ذُكِر في تعريفه، وتُظهر أثراً واضحاً في أُذن المُستمِع، فتجعله أكثر مقدرة على إطلاق الفِكر في التأمُّل والتدبُّر، وتُحقِّق له اللذّة السماعيّة. أنواع الجناس وهو على نوعَين، جناس تامّ، وهو الذي يتّفق فيه لفظان في أربعة شروط، هي: ترتيب الحروف، وعددها، ونوعها، وهيئتها من حيث الحركات والسَّكنات، ومثال ذلك قول الشاعر: فَدارِهِم ما دُمتَ في دارِهِم وأَرضِهِم ما دُمتَ في أَرضِهِم والجناس غير التامّ، أو ما يُسمّى بالجناس الناقص، وهو: اختلاف لفظَين في أحد الشروط التي لا بُدّ من توفُّرها في الجناس التامّ، مثل: السّاق والمَساق (اختلاف شرط العدد)، والشَّعْر والشِّعْر (اختلاف شرط الشكل)، وبين وبني (اختلاف شرط ترتيب الحروف)، وتَقْهر وتَنْهر (اختلاف شرط نوع الحروف)، وتجدر الإشارة إلى أنّ الاختلاف إذا وقع في نوع الحروف، فيُشترَط ألّا يقع في أكثر من حرف واحد. والجناس يُعَدُّ جناساً حَسَناً إذا ورد في النصّ بلا تكلُّف، ولا تكرار كبير يُؤثّر في حَقّ المعنى، وسبب استحسان الأذن للجناس حدوثُ تجاوُب في النغمة الموسيقيّة بوجود التماثُل الكامل، أو الناقص بين الكلمات، ولأنّ النفس مُتشوِّقة إلى سماع ما يأتي متوافقاً مع النغمة نفسها، مع اختلاف المعنى. الجناس التام: قوله تعالى: “وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ” (الرحمن 7-9) فقد جاءت كلمة (الميزان) في المرّة الأولى بمعنى الشرع الذي تُوزَن به الأحكام، والأعمال في الجماعات، أمّا في الثانية، فهو مصدر ميميّ يعني الحُكم والقضاء والتقدير، بينما جاءت في الثالثة بمعنى المعروف، والقِسط. قوله تعالى: “وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ” (الروم 55) كلمة الساعة ذكرت مرتين الأولى اسم من أسماء القيامة والثانية ظرف زمان. قوله سبحانه: “إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ” (المؤمنون 91)، الجناس في لفظة علا التي وردت مرة فعلاً ومرة حرفاً. وجاء في صحيفة الراية عن بلاغة القرآن: تأتي المُحسّنات البديعيّة للتّعبير عن شعورٍ أو فكرةٍ ما، أو لإيصال تأثيرٍ ما، أو لتحسين معنًى ما، وهي أنواع، ومنها: الطّباقُ، والجِناسُ، والسّجعُ، وغيرها، ومثال الجناس ما ورد في سورة الرّوم من قوله تعالى “وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ” (الروم 55)، والجناس هو أن يتطابق لفظانِ في النّطقِ، بينما يختلفانِ في المعنى المقصود، وفي الآية يُقصَدُ بالسّاعة الأولى يوم القيامة، بينما يُقصدُ بالسّاعةِ الثانية السّاعةَ الزّمنية.

وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله سبحانه: “وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَآ اوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِاعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ” (العنكبوت 10) هذه الآية صورة حقيقية لبعض الناس الذين نعرفهم ونعايشهم.. لقد زين الشيطان لهذا البعض انه من أهل التقى والايمان، فانطلت عليه الحيلة وصدّق الشيطان في وساوسه وأحابيله، وأنه من المتقين، وهو في حقيقته وواقعه لا يعتقد بشيء ولا يرى إلا منافعه ومصالحه الخاصة، ولا شيء أدل على أن إيمانه وهم وسراب من تنكره للحق أو تجاهله إياه حين يخاف الناس على أدنى شيء من أشيائه.. يخافهم إذا ناصر الحق والعدل بفعل أو قول تماما كما يخاف الأولياء والأتقياء من اللَّه إذا لم يعملوا بأمره ونهيه، وتقدمت الإشارة إلى هذا الفريق في الآية 77 من سورة النساء: “فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَو أَشَدَّ خَشْيَةً”. وقلنا فيما تقدم: ما من أحد اتبع الحق الا ودفع ثمنه من نفسه وأشيائه، وإلا لم يكن لأهل الحق وأنصاره أية فضيلة. أنظر تفسير الآية 155 من سورة البقرة ج 1 ص 242، فقرة (ثمن الجنة). وفي الحديث: من خاف اللَّه خوّف اللَّه منه كل شيء، ومن لم يخف اللَّه خوّفه من كل شيء. “ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ”. هم مع الدين إذا كان متجرا رابحا، وهم أعداء الدين إذا سألهم البذل والتضحية ولو باليسير، وأبلغ كلمة في هذا المعنى قول سيد الشهداء الحسين بن علي عليه السلام: (الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معايشهم، فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون). وتقدم مثله في الآية 141 من سورة النساء ج 2 ص 466 “أَولَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ”. هل تريدون ان تخدعوا اللَّه وتحتالوا عليه، وهو العليم بما تخفون وما تعلنون؟

جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى “وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ وَ لَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَ وَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ” (العنكبوت 10) التّفسير: شركاء في الانتصار أمّا في الشدّة فلا: حيث أنّ الآيات المتقدمة تحدثت عن المؤمنين الصالحين و المشركين بشكل صريح، ففي الآيات الأولى من هذا المقطع يقع الكلام على الفريق الثّالث أي المنافقين فيقول القرآن فيهم: “وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ‌” (العنكبوت 10) فلا يصبرون على الأذى و الشدائد، و يحسبون تعذيب المشركين لهم و أذى الناس أنّه عذاب من اللّه‌”وَ لَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ‌” (العنكبوت 10) فنحن معكم في هذا الافتخار و الفتح. ترى هل يظنون أن اللّه خفيّ عليه ما في أعماق قلوبهم فلا يعرف نياتهم‌”أَ وَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ‌” (العنكبوت 10).