جديد

إسقاط الجنسية… حين تحوّلت الهوية الوطنية  إلى منحة تمنحها السلطة الهجينة  وتسحبها متى تشاء !

رياض سعد

من البديهيات التي صاغتها الطبيعة البشرية والتاريخ الإنساني، أن المرء عندما يُولد في جغرافيا ما، حاملاً جينات قومية محددة —سواء كان فارسياً، تركياً، أم عربياً— فإنك لم ولن تستطيع محو قوميته أو اقتلاع جذوره.

وفي أدبيات السياسة والقانون الحديث، قد تجد بعض الحكومات عذراً وتسويغاً إن هي قامت بإسقاط الهوية الوطنية أو سحب الجنسية من المواطنين المهاجرين أو المُجنّسين من أصول أجنبية وغريبة عن نسيج البلاد إذا ما أخلّوا بشروط المواطنة… ؛  أمّا أن يُصار إلى سحب جنسية المواطن الأصيل، فهذا أمرٌ لا يستسيغه عقل، ولا يقبله عُرف، ويمثل طعنة في خاصرة العدالة والمفهوم الحقيقي للوطن والهوية الوطنية .

نعم , ليست الجنسية في الدول الحديثة والمتحضرة  مجرد ورقة رسمية أو قيد في دائرة الأحوال المدنية، بل هي التعبير القانوني عن الانتماء إلى الوطن.

إنها الاعتراف الرسمي بحق الإنسان في أرضه وتاريخه ومجتمعه… ؛  ولهذا السبب تعدّ الجنسية في الفكر الدستوري الحديث حقاً أصيلاً لا يجوز تحويله إلى أداة للعقاب السياسي أو وسيلة للانتقام من الخصوم.

لكن في تاريخ العراق الحديث، وتحديداً في مناخات الاحتلال العثماني-البريطاني، جرت العجائب والغرائب؛ إذ شهدت البلاد مفارقة تاريخية تمثلت في تسليط فئات هجينة من بقايا الإدارة العثمانية، ومرتزقة الإنكليز من الهنود، وشذاذ الآفاق من البلدان الناطقة بالعربية… ؛ اذ لم يكتفِ الاحتلالان التركي والبريطاني بتوطين وتجنيس هؤلاء الدخلاء والاجانب والغرباء، بل جرى تمكينهم وتسليطهم على رقاب العراقيين الأصلاء، ليتحول “الغريب” إلى صاحب دار، و”الأصيل” إلى غريب يرجو الأمان.

لقد شهد العراق في العقود الأولى من تأسيسه جدالات واسعة حول مفهوم المواطنة ومن هو العراقي ومن يحق له الانتماء إلى الدولة الجديدة… ؛  وفي خضم تلك الصراعات ظهر مرسوم إسقاط الجنسية بوصفه واحداً من أخطر الأدوات القانونية والقمعية  التي استخدمتها الحكومات الهجينة والطائفية المتعاقبة ضد خصومها السياسيين لاسيما ابناء الاغلبية العراقية الاصيلة .

نعم , لقد بدأت هذه السلطة الهجينة مسيرتها الإقصائية عبر استخدام سلاح “إسقاط الجنسية” كأداة قمع سياسي، وكانت البداية مع “الآثوريين” في ثلاثينيات القرن الماضي كأول خطوة في هذا الطريق الوعر… ؛  ولئن كان الآثوريون قد جاؤوا إلى العراق مهاجرين من تركيا وحصلوا على الجنسية العراقية لاحقاً، فإن الحجة التي تذرعت بها السلطة وقتذاك لسحب الجنسية منهم —بحجة أنهم ليسوا عراقيين أصلاء— كانت حجة داحضة تفضح السلطة نفسها؛ إذ كان الأولى بهذه الحكومة الهجينة أن تسحب الجنسية من كافة عناصرها ومتنفذيها لأنهم، بالمعيار ذاته، لم يكونوا عراقيين، وفي مقدمتهم الملك فيصل الأول نفسه الذي جاءت به بريطانيا لتتويجه على عرش بغداد.

ومع توالي العقود، جار الزمان وانحرفت البوصلة حتى وصلت المهزلة التاريخية إلى ذروتها: أن يقف “المتجنس الدخيل” ليقرر سحب جنسية “العراقي الأصيل”… ؛  وهكذا، راحت أدوات الفئة الهجينة تسلب الهوية الوطنية من أبناء الأغلبية العراقية الأصيلة، وخصوصاً من أبناء الطائفة الشيعية، في محاولة بائسة لإعادة هندسة الديموغرافيا والولاءات السياسية في البلاد.

وتجلت هذه الممارسة الشائهة قانونياً في “المرسوم الملكي رقم 62” الخاص بإسقاط الجنسية العراقية… ؛  هذا القرار الجائر، الذي صُمم أساساً لقمع المعارضين للحكم الملكي منذ عام 1933، كان يمثل انتهاكاً صارخاً وعلنياً لحقوق الإنسان ومفهوم المواطنة الطبيعية. ولم يكن هذا التشريع سوى هدية مسمومة شرّعتها المملكة العراقية ونُفذت في عهدها، ليتلقفها لاحقاً نظام الهجين صدام بن ابيه ويستغلها أبشع استغلال؛ كون هذا النمط من القوانين الملغومة يلائم عقلية المستبد تماماً، ويمدّه بالغطاء القانوني لتصفية خصومه… ؛  وهنا يبرز السؤال الذي يختزل الذاكرة العراقية المؤلمة: *عن من أُسقطت الجنسية في زمن صدام، ومن هُجّروا ورميت بهم الأقدار وراء الحدود تحت لافتة “التبعية”؟*

إن العودة التاريخية لملف إسقاط الجنسية في العهد الملكي تكشف زيف محاولات إضفاء المثالية على ذلك العهد؛ فقد نُزعت الجنسية عن أحرار العراق وقادته الفكريين والنقابيين، ومنهم الصحفي والسياسي عبد القادر البستاني، ويوسف إسماعيل البستاني، والنقابي المناضل مهدي هاشم، بل ولم يسلم من هذا الإجراء حتى الضباط ذوو التوجهات القومية والوطنية الذين شاركوا في حركة مايس 1941.

لقد اتخذت الحكومات الملكية المتعاقبة من هذا التشريع سيفاً مصلتاً تلوّح به لترهيب الناس وإسكات أصوات الأحرار , وصار الخلاف مع السلطة كافياً لتهديد الإنسان في انتمائه القانوني إلى وطنه.

 إن إسقاط جنسية المواطن الأصيل لم يكن مجرد إجراء سياسي أو تدبير أمني؛ بل كان —وسيظل في منطق التاريخ— جريمة عظمى بحق الهوية، والوطن، والإنسانية.

ولعل المفارقة الكبرى أن الدولة التي كانت ما تزال في طور بناء هويتها الوطنية اختارت منذ وقت مبكر أن تجعل المواطنة أداة للإقصاء بدلاً من أن تجعلها وسيلة للاندماج الوطني… ؛  فبدلاً من معالجة الأزمات بالحوار والإصلاح، جرى اللجوء إلى أسلوب نزع الشرعية الوطنية عن المعارضين وكأن الوطن ملك للحكومة لا لجميع أبنائه.

لقد أثبت التاريخ العراقي أن أخطر ما يمكن أن تفعله السلطة ليس مصادرة الأموال أو تقييد الحريات فحسب، بل مصادرة الانتماء نفسه… ؛  فحين يصبح الحاكم قادراً على تجريد المواطن من جنسيته، فإنه لا يعاقبه وحده، بل يعاقب ذاكرته وتاريخه وعلاقته بوطنه.

إن الدول القوية لا تحتاج إلى إسقاط جنسية معارضيها، لأنها تستمد شرعيتها من رضا مواطنيها لا من قدرتها على إخافتهم… ؛  أما الأنظمة القلقة من شعوبها فإنها تبحث دائماً عن وسائل استثنائية لتحويل الحقوق إلى امتيازات، وتحويل المواطنين إلى رعايا، وتحويل الوطن إلى ملكية خاصة للحاكم.

ومن هنا فإن تاريخ إسقاط الجنسية في العراق لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه مجرد فصل قانوني منسي، بل باعتباره دليلاً على أزمة أعمق رافقت الدولة العراقية الحديثة منذ نشأتها: أزمة العلاقة بين السلطة والمواطنة، بين الحاكم والوطن، وبين الحق الطبيعي للإنسان في الانتماء إلى أرضه وبين رغبة السلطة الدائمة في احتكار تعريف من هو العراقي ومن ليس عراقياً ؛ بين الغريب الدخيل والعراقي الاصيل .

الخلاصة

إن إسقاط الجنسية عن المواطنين بسبب آرائهم أو انتماءاتهم السياسية أو الدينية أو القومية يمثل واحدة من أخطر الجرائم السياسية التي يمكن أن ترتكبها الدولة، لأنه لا يكتفي بحرمان الإنسان من وثيقة قانونية، بل يسعى إلى اقتلاعه من ذاكرته وتاريخه وجغرافيته، وتحويله إلى غريب في أرضه أو منفياً خارج وطنه.

إن الأوطان الراسخة لا تخشى مواطنيها، ولا تصادر هوياتهم، ولا تجعل الجنسية أداة انتقام سياسي. أما الأنظمة الضعيفة والمستبدة فإنها تلجأ إلى هذا السلاح لأنها تنظر إلى الوطن بوصفه ملكاً للسلطة لا حقاً مشتركاً لجميع أبنائه.

ولعل من أكثر المفارقات إيلاماً في التاريخ العراقي أن يصل الأمر أحياناً إلى أن يتجرأ بعض المتجنسين أو الوافدين أو المستفيدين من السلطة على المطالبة بسحب جنسية مواطنين يعدون أنفسهم أبناءً أصيلين لهذه الأرض… ؛  وعندما يبلغ العبث هذا الحد، فإن المشكلة لا تعود قانونية فحسب، بل تصبح أزمة عميقة في مفهوم الدولة والمواطنة والهوية الوطنية.

فالجنسية ليست هدية من سلطان، ولا منحة من ملك، ولا صدقة من حاكم، بل هي حق تاريخي وإنساني لا يجوز تحويله إلى أداة للثواب والعقاب. ومن يجعل من إسقاط الجنسية سلاحاً سياسياً إنما يضع أسس دولة الخوف والإقصاء، لا دولة المواطنة والعدالة والقانون.

إن العبرة من هذا التاريخ الأسود واضحة: القوانين التي تُشرع لقمع الخصوم، وليس لتنظيم العلاقة بين المواطن ووطنه، سرعان ما تنقلب على مُشرعيها؛ فالجنسية ليست هبةً من حاكم، بل حقٌ مكتسب بالولادة والتاريخ، ومن تسول له نفسه المساس بها من أجل الصراع السياسي، فإنما يهدم أساس الدولة الوطنية، ويُدخل البلاد في متاهة لا قرار لها. العراق اليوم أحوج ما يكون إلى إحياء مفهوم المواطنة المتساوية، لا إلى إحياء أدوات القمع البالية.

……………………………………………….

المصادر

عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية.

حنا بطاطو، العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية.

علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث.

نصوص قانون الجنسية العراقية لسنة 1924 وتعديلاته اللاحقة.

الوثائق الخاصة بالمرسوم الملكي رقم 62 وإجراءات إسقاط الجنسية في العهد الملكي.

الدراسات الخاصة بعمليات التهجير وإسقاط الجنسية في عهد صدام.