رياض سعد
لا يُقاس نجاح الدول بعدد القصور التي شُيدت فيها، ولا بعدد الألقاب التي حملها الحكام والأمراء، بل بمدى عدالتها في توزيع الثروة والفرص بين مواطنيها.
وحين يكتب المؤرخون عن أسباب الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي رافقت العراق الحديث، فإن قضية ملكية الأراضي تبقى واحدة من أكثر الملفات حساسية وأهمية، لأنها تمس صميم العدالة الاجتماعية وعلاقة الدولة بمواطنيها.
لقد خرج العراق من الحكم العثماني مثقلاً بمشكلة كبرى تتعلق بملكية الأراضي الزراعية الشاسعة، ثم دخل مرحلة الانتداب البريطاني وتأسيس المملكة العراقية الهجينة وهو يفتقر إلى نظام عادل يضمن توزيع الثروة العقارية بصورة متوازنة.
وبدلاً من أن تُعالج هذه المشكلة التاريخية بما يخدم أبناء البلاد، شهدت العقود الأولى من العهد الملكي توسعاً كبيراً في تركز الأراضي بيد فئات هجينة وغريبة واجنبية و محدودة من كبار الملاكين والمتنفذين وأصحاب النفوذ السياسي.
ومن بين الوقائع التي أثارت جدلاً واسعاً ما أورده الكاتب والمؤرخ العراقي أحمد سوسة في كتابه «مأساة اللطيفية أو صفحات من ذكريات الماضي» الصادر عام 1964، إذ أشار إلى استحواذ الأمير زيد بن الحسين، شقيق الملك فيصل الأول وأصغر أبناء الشريف حسين، على مساحات واسعة من الأراضي في منطقة أبي غريب غرب بغداد.
وبحسب ما يورده سوسة، بلغت مساحة تلك الأراضي نحو ثلاثة آلاف مشارة، أي ما يعادل ملايين الأمتار المربعة من أجود الأراضي الزراعية في المنطقة… ؛ وقد جرى لاحقاً تقسيم أجزاء من هذه الأراضي وتحويلها إلى مناطق سكنية وطرح قسم منها للبيع، الأمر الذي حقق أرباحاً كبيرة نتيجة ارتفاع أسعار العقارات والأراضي.
ولا تكمن أهمية هذه الحادثة في حجم الأرض وحده، بل في السؤال الذي تثيره: كيف آلت هذه المساحات الشاسعة إلى شخصيات تنتمي إلى العائلة الحاكمة في وقت كان ملايين العراقيين، ولا سيما الفلاحين في الجنوب والفرات الأوسط، يعانون الفقر ويفتقرون إلى أبسط مقومات الملكية الزراعية؟
لقد كان النظام الاقتصادي الملكي يقوم بدرجة كبيرة على تحالف بين السلطة السياسية وكبار ملاك الأراضي… ؛ ونتيجة لذلك تركزت الثروة العقارية في أيدي أقلية محدودة، بينما بقيت الأغلبية الساحقة من الفلاحين تعمل في أراضٍ لا تملكها، وتخضع لعلاقات إنتاج أقرب إلى التبعية منها إلى الشراكة الاقتصادية الحقيقية.
وكانت لهذه السياسة آثار بعيدة المدى… ؛ فحين تُحتكر الأراضي الخصبة والمواقع الاستراتيجية من قبل فئة محدودة، فإن أسعار الأراضي ترتفع بصورة تفوق القدرة الشرائية للمواطن العادي، وتتراجع فرص التملك أمام الطبقات الفقيرة والمتوسطة… ؛ وهكذا تتحول الأرض، التي يفترض أن تكون مصدراً للتنمية والاستقرار الاجتماعي، إلى أداة لتراكم الثروة بيد قلة من المتنفذين والفاسدين .
ولم يكن أبناء الجنوب العراقي وحدهم من دفعوا ثمن هذا الاختلال، بل امتد أثره إلى شرائح واسعة من المجتمع العراقي… ؛ فالفلاح الذي حُرم من الأرض اضطر إلى الهجرة نحو المدن، والمدينة التي استقبلت موجات الهجرة الكبيرة واجهت أزمة سكن متفاقمة، فيما استمرت الثروة العقارية بالتجمع في يد طبقة محدودة ترتبط بمراكز القرار السياسي.
ومن هنا لا يمكن فهم التوترات الاجتماعية التي شهدها العراق في العقود اللاحقة بمعزل عن ملف الأراضي… ؛ فالمسألة لم تكن مجرد قضية عقارية أو نزاع على الملكية، بل كانت جزءاً من معركة أوسع حول العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة والفرص داخل الدولة العراقية الحديثة.
إن مراجعة هذه الوقائع لا تهدف إلى إثارة الأحقاد أو إعادة إنتاج صراعات الماضي، وإنما إلى فهم الكيفية التي تشكلت بها البنية الاقتصادية للعراق الحديث… ؛ فالدول التي تُدار مواردها لصالح النخب المتنفذة تنتج تفاوتاً اجتماعياً عميقاً، أما الدول التي توزع الفرص والثروات بعدالة فإنها تؤسس لاستقرار طويل الأمد.
لقد سقط النظام الملكي منذ عقود طويلة، لكن الأسئلة التي أثارها ما زالت حية: من امتلك الأرض؟ وكيف امتلكها؟ ولمصلحة من استُخدمت ثروات البلاد؟ وما حجم الدور الذي لعبته الامتيازات السياسية والعائلية في صناعة طبقة عقارية مهيمنة على حساب ملايين العراقيين؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست مجرد قراءة للماضي، بل هي محاولة لفهم كثير من أزمات الحاضر أيضاً.
……………………..
المصادر
أحمد سوسة، مأساة اللطيفية أو صفحات من ذكريات الماضي، مطبعة الأديب، بغداد، 1964، ص 12.
عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية.
حنا بطاطو، العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية.
علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث.
دراسات الإصلاح الزراعي في العراق قبل ثورة 1958 وبعدها.