جديد

العقل المحدود… سيّد المعرفة الوحيد

رياض سعد

من أغرب المفارقات في تاريخ الفكر الإنساني أن بعض الناس يحتجون على العقل بالعقل نفسه…!!

 فهم يستدعون العقل لكي يثبتوا عجز العقل، ويستخدمون المنطق لكي يعلنوا عدم صلاحية المنطق، ويقيمون البراهين لكي ينفوا قيمة البرهان…!!

 وكأن الإنسان يستطيع أن يقف خارج عقله ليدين عقله، أو أن يقفز فوق ظله ليتحقق من وجود الظل.

إن محدودية العقل البشري حقيقة لا تحتاج إلى إثبات… ؛  فالعقل ليس إلهاً، وليس مطلقاً، وليس معصوماً من الخطأ… ؛  وهو لم يولد مكتملاً، بل تشكل عبر ملايين السنين من التفاعل مع البيئة والطبيعة ومقتضيات البقاء… ,  لكنه، رغم ذلك كله، يبقى الأداة الوحيدة التي نملكها لفهم العالم… ,  وليس في حوزة الإنسان وسيلة أخرى يمكنه أن يستبدلها به.

فكل ما نعرفه عن الكون، وعن الذرة، وعن الجاذبية، وعن النجوم، وعن الثقوب السوداء، وعن الجينات، وعن التاريخ، وعن المجتمع، وعن النفس البشرية، لم يصل إلينا إلا عبر هذا العقل المحدود… ؛  وحتى عندما اخترع الإنسان المجهر والتلسكوب والحاسوب والمعادلات الرياضية، فإن هذه الأدوات لم تكن بديلاً عن العقل، بل امتداداً له… ,  فالعقل هو الذي صممها، وهو الذي فسر نتائجها، وهو الذي منحها معناها.

ولهذا فإن القول بمحدودية العقل لا يؤدي بالضرورة إلى إلغاء قيمته، بل على العكس تماماً… ؛  فإدراك حدود العقل هو أول خطوة نحو استخدامه بصورة صحيحة.

إن العقل الذي يظن نفسه معصوماً يتحول إلى طاغية معرفي، أما العقل الذي يعرف حدوده فيتحول إلى باحث دائم عن الحقيقة.

المشكلة تبدأ حين تُستخدم محدودية العقل ذريعة للهروب من النقد والتساؤل… ؛  فبعض الأطروحات الدينية أو الميتافيزيقية تقول للإنسان: بما أن عقلك محدود، فلا يحق لك أن تشك أو تسأل أو تطالب بالدليل… ؛  لكن هذه الحجة تحمل في داخلها تناقضاً خفياً… ؛  فإذا كان العقل محدوداً إلى درجة تمنعه من الاعتراض على فكرة ما، فهو محدود أيضاً إلى درجة تمنعه من قبولها… ,  وإذا كان عاجزاً عن إنكار الإله، فهو عاجز بالقدر نفسه عن إثبات الإله… ,  وإذا كان غير مؤهل لرفض العقيدة، فهو غير مؤهل أيضاً لتبنيها.

إن الإيمان نفسه لا يولد خارج العقل… ؛  فالإنسان لا يؤمن بقلب منفصل عن دماغه، ولا بروح منفصلة عن وعيه… ,  إنه يؤمن لأنه اقتنع، أو لأنه تربى، أو لأنه تأثر، أو لأنه خاف، أو لأنه رجا، أو لأنه وجد معنىً وجودياً في ذلك الإيمان… ؛  وفي جميع الأحوال يبقى العقل حاضراً في عملية الإيمان، سواء كان إيماناً دينياً أو فلسفياً أو سياسياً أو عاطفيا .

ولهذا فإن الذين يحاولون إقصاء العقل من ساحة الدين يقعون في مأزق لا مخرج منه… ؛  لأن الدين نفسه لا يمكن الوصول إليه إلا عبر العقل… ,  فالعقل هو الذي يقرأ النص، وهو الذي يفسره، وهو الذي يميز بين النبي والمدعي، وبين المعجزة والخرافة، وبين الوحي والهلوسة، وبين التأويل الصحيح والتأويل الفاسد.

 وحتى فكرة أن هذا الكتاب مقدس أو أن هذا الشخص نبي أو أن هذا النص إلهي، هي أحكام عقلية في جوهرها مهما اختلفت طرق الوصول إليها.

إن الإنسان لا يملك منفذاً مباشراً إلى الحقيقة المطلقة… ؛  فهو لا يرى الواقع كما هو، بل كما تسمح له حواسه وأدواته الإدراكية… ؛  ولذلك فإن المعرفة البشرية كلها معرفة تقريبية… ؛  نحن لا نمتلك الحقيقة، بل نقترب منها… , ولا نحوز اليقين المطلق، بل نراكم درجات متفاوتة من الترجيح والاحتمال.

ومن هنا جاءت عظمة المنهج العلمي… ؛ فالعلم لم ينتصر لأنه أثبت عصمة العقل، بل لأنه اعترف بخطئه… , و لم يقم العلم على الثقة المطلقة بالإنسان، بل على الشك في الإنسان… , ولذلك اخترع التجربة، والمراجعة، والإحصاء، والتحقق المستقل، والنقد المتبادل… ؛ فهذه الأدوات ليست تعبيراً عن قوة العقل بقدر ما هي اعتراف بنقائصه.

إن العالم لا يتقدم لأن البشر أذكياء دائماً، بل لأنه توجد آليات تكشف أخطاء الأذكياء… ,  فالعقل الفردي يخطئ، لكن العقل الجمعي المصحوب بالنقد والتجربة يقترب أكثر من الحقيقة. ولهذا فإن المعرفة العلمية ليست معصومة، لكنها قابلة للتصحيح… , وهي لا تدعي امتلاك الحقيقة النهائية، بل تدعي فقط أنها تقدم أفضل تفسير متاح وفق الأدلة الحالية.

أما العقل البشري نفسه فهو مليء بالانحيازات … ؛  فهو يرى الأنماط حتى في الفوضى، ويبحث عن القصدية حتى في المصادفات، ويميل إلى تصديق ما يوافق رغباته، ويقاوم ما يهدد قناعاته… ؛  ولهذا نشأت آلاف العقائد والأساطير والأيديولوجيات عبر التاريخ. فالسهولة النفسية لولادة فكرة ما لا تعني صحة الفكرة… ,  وانتشار الاعتقاد لا يساوي صدقه… ,  وإجماع الملايين على وهم ما لا يحوله إلى حقيقة.

لقد آمن البشر بآلاف الآلهة عبر التاريخ، وآمنوا بالسحر والأرواح والأبراج والتنجيم والعرافة… ,  وكان كل مؤمن يعتقد أن ما يؤمن به حقيقة لا تقبل الشك… ,  لكن الزمن أثبت أن قوة الاعتقاد شيء، وصحة الاعتقاد شيء آخر تماماً.

وهنا تظهر الوظيفة الأخلاقية الكبرى للعقل… ؛ فهو ليس مجرد أداة للمعرفة، بل أداة للتحرر من الاستبداد الفكري… ,  فكل سلطة تخشى السؤال تحاول إضعاف العقل… ,  وكل عقيدة تخاف النقد تسعى إلى تجريم الشك… ,  وكل أيديولوجيا تخشى الاختبار ترفع شعار التسليم… ؛  لأن السؤال هو العدو الأول لكل يقين زائف ومعلومات سطحية .

إن الشك ليس نقيض الإيمان بالضرورة، بل نقيض الجمود.. ,  والعقل لا يهدد الحقيقة، بل يهدد الأوهام التي تتنكر في هيئة حقائق.. , ولذلك فإن الحضارات لا تنهار حين يسأل أبناؤها كثيراً، بل حين يتوقفون عن السؤال.

إن محدودية العقل ليست لعنة، بل قدر الإنسان الجميل.. ,  فهي التي تدفعه إلى البحث والاكتشاف والتعلم.. ,  ولو كان العقل مطلقاً لما احتجنا إلى الفلسفة أو العلم أو الحوار أو التجربة.. ؛  لكننا كائنات محدودة نحاول أن نفهم كوناً هائلاً يتجاوزنا، ولذلك فإن رحلتنا المعرفية لا تنتهي أبداً.

وفي النهاية، قد يكون العقل محدوداً، لكنه يظل سيد المعرفة الوحيد.. , وكل محاولة لتجاوزه لا تتم إلا به، وكل حجة ضده لا تُصاغ إلا عبره، وكل إيمان أو شك أو يقين أو إنكار لا يمر إلى الإنسان إلا من خلاله.

إنه ليس معصوماً، لكنه البوصلة الوحيدة التي نملكها وسط هذا المحيط اللامتناهي من الأسئلة.. ,  ومن دون هذه البوصلة لن نصل إلى الحقيقة، ولن نصل حتى إلى الوهم.