إشكاليات التكوين ومقاربات التأصيل (15)
رياض سعد
يثور سؤال جوهري كلما طُرح مفهوم الأمة العراقية في الفضاء الفكري والسياسي: على أي أساس يقوم هذا المشروع؟ وما المرتكزات التاريخية والمعرفية التي يستند إليها؟
إن مفهوم الأمة العراقية لا ينطلق من فرضية أيديولوجية مجردة، ولا من رغبة عاطفية في تمجيد الماضي، بل من قراءة تاريخية طويلة المدى لمسار التكوين الحضاري والاجتماعي لبلاد الرافدين.. , فالعراق ليس كياناً سياسياً طارئاً نشأ في القرن العشرين فحسب، وإنما يمثل إحدى أقدم البيئات الحضارية المستمرة في التاريخ الإنساني.
ومن هذا المنطلق، يفترض مشروع الأمة العراقية أن قطاعاً واسعاً من العراقيين المعاصرين يمثل امتداداً تاريخياً وحضارياً وسكانياً للمجتمعات التي تعاقبت على أرض الرافدين عبر آلاف السنين؛ من السومريين والعيلاميين والأكديين والبابليين والآشوريين والكلدان والسريان والنبط، مروراً بممالك ميسان والحضر والحيرة العربية ، وانتهاءً بالمجتمعات التي تشكلت في ظل الدول الإسلامية المتعاقبة، ولا سيما خلال العهدين والعلوي والعباسي وما تفرع عنهما من تطورات حضارية وثقافية.
غير أن هذا التصور لا يقوم على أساس عرقي ضيق، ولا يهدف إلى حصر الانتماء الوطني في أصول إثنية محددة، بل ينطلق من مبدأ الانتماء الحضاري والتاريخي للعراق بوصفه وطناً جامعاً.. ؛ فالأمة العراقية، وفق هذا الفهم، ليست رابطة دم، وإنما رابطة أرض وتاريخ ومصير مشترك.. , ولذلك فإن كل جماعة أو مكون أو فرد يؤمن بالعراق وطناً نهائياً، ويتبنى هويته الوطنية، ويسهم في بناء مستقبله، يعد جزءاً أصيلاً من الأمة العراقية مهما كان أصله القومي أو الديني أو المذهبي – مع الاخذ بعين الاعتبار اصالته العراقية – .
إن جوهر المشروع العراقي يتمثل في إعادة الاعتبار للهوية الوطنية العراقية التي تعرضت، عبر قرون طويلة، إلى محاولات متكررة للتهميش أو الإذابة داخل مشاريع أوسع منها؛ تارة باسم الإمبراطوريات الدينية العابرة للحدود، وتارة باسم القوميات الشمولية، وتارة أخرى باسم الأيديولوجيات الأممية المختلفة.
ومن يقرأ تاريخ العراق يكتشف أن الصراع على هوية البلاد ليس ظاهرة معاصرة، بل يكاد يكون أحد الثوابت التاريخية الملازمة لمسيرته.. ؛ فقد ظل العراق، بحكم موقعه الجغرافي وثقله الحضاري، ساحةً لتنافس المشاريع الإقليمية والأممية والدولية ، الأمر الذي جعل الهوية الوطنية العراقية عرضة لمحاولات الاستتباع والاحتواء وإعادة التعريف المستمر.
وفي العصر الحديث بلغ هذا الصراع ذروته مع صعود التيارات القومية العابرة للحدود التي سعت إلى إعادة تعريف العراق بوصفه مجرد جزء من كيان قومي أكبر، بحيث تراجعت الخصوصية العراقية لصالح سرديات سياسية وأيديولوجية تتجاوز حدود الدولة والمجتمع والتاريخ المحلي.
وقد انعكس ذلك بوضوح على المناهج التعليمية والخطاب الإعلامي والثقافة السياسية السائدة لعقود طويلة.. , إذ جرى التركيز على الانتماءات فوق الوطنية، فيما همّشت مساحات واسعة من التاريخ العراقي القديم والوسيط، وغابت الكثير من عناصر الهوية الحضارية الخاصة ببلاد الرافدين عن الوعي العام، لصالح تصورات اختزلت العراق في وظيفة جيوسياسية أو في دور تابع لمشروعات أوسع منه.
وكانت النتيجة أن نشأت أجيال تعرف الكثير عن قضايا الخارج وصراعاته، لكنها تعرف القليل عن تاريخ وطنها العميق، وعن تعقيدات تكوينه الحضاري، وعن مساهمة أسلافه في بناء إحدى أقدم الحضارات الإنسانية.
ولا يعني ذلك الدعوة إلى الانغلاق أو معاداة المحيط العربي أو الإسلامي أو الإنساني، فالعراق كان دائماً جزءاً من دوائر حضارية وثقافية أوسع، وتأثر بها وأثر فيها.. , لكن الانفتاح على الآخر شيء، وإلغاء الذات العراقية والخصوصية الوطنية شيء آخر.. , فالأمم الواثقة من نفسها تتفاعل مع محيطها من موقع الندية والشراكة، لا من موقع الذوبان والتبعية.
إن مشروع الأمة العراقية يسعى إلى إعادة التوازن المفقود بين الانتماء الوطني والانتماءات الأخرى، عبر استعادة الوعي بالعراق بوصفه وحدة تاريخية وحضارية مستقلة تمتلك خصوصيتها الثقافية وتجربتها الإنسانية المتفردة.
فالعراق ليس مجرد جغرافيا سياسية رسمتها خرائط حديثة، ولا مجرد تجمع سكاني طارئ، بل هو حصيلة آلاف السنين من التراكم الحضاري والتفاعل الاجتماعي والذاكرة الجمعية المشتركة.. , ومن هنا تنبع شرعية الحديث عن الأمة العراقية باعتبارها حقيقة تاريخية قابلة للتجدد، لا شعاراً أيديولوجياً عابراً.
واليوم، وبعد عقود من الحروب والانقسامات والصراعات والهويات المتنازعة، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى إعادة بناء الوعي الوطني العراقي على أسس معرفية رصينة، بعيداً عن التعصب والانغلاق، وبعيداً أيضاً عن مشاريع الإلغاء والتذويب.
فمستقبل العراق لن يُبنى على إنكار تاريخه، كما لن يُبنى على استنساخ تجارب الآخرين، وإنما على المصالحة مع الذات الوطنية، واستعادة الثقة بالهوية العراقية الجامعة، بوصفها الإطار القادر على احتضان التنوع وتحويله من مصدر للانقسام إلى مصدر للقوة والإثراء الحضاري.
إن الأمة العراقية ليست مشروعاً للماضي، بل مشروعاً للمستقبل؛ لأن الأمم التي تعرف جذورها جيداً هي الأقدر على رسم طريقها نحو الغد.