الأمة العراقية وأزمة الهوية المؤجلة .. بين الانتماء الوطني ومشاريع الانتماء العابر للحدود

الامة العراقية : إشكاليات التكوين ومقاربات التأصيل (17)

رياض سعد

لعل أخطر سؤال واجهه العراق في تاريخه الحديث ليس سؤال السلطة ولا سؤال الثروة ولا حتى سؤال النظام السياسي، بل سؤال الهوية.

فمنذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، ظل العراقيون يتجادلون حول تعريف أنفسهم قبل أن يتجادلوا حول شكل دولتهم.

هل العراق وطن نهائي قائم بذاته؟

أم أنه مجرد جزء من فضاءات أكبر؟

وهل العراقي ينتمي أولاً إلى العراق أم إلى دوائر قومية أو دينية أو مذهبية تتجاوز حدوده الجغرافية والتاريخية؟

إن معظم أزمات العراق المعاصرة يمكن ردّها، بصورة أو بأخرى، إلى هذه الإشكالية الجوهرية.

فالهوية الوطنية ليست مجرد بطاقة تعريف أو وثيقة قانونية، وإنما هي الإطار النفسي والثقافي والتاريخي الذي يحدد موقع الإنسان في العالم ويجيب عن سؤال: من نحن؟

وعندما تعجز أمة عن الإجابة عن هذا السؤال، تصبح عرضة للتشظي والصراع والتبعية.

وقد عبّر عالم الاجتماع العراقي الراحل علي الوردي، بصورة غير مباشرة، عن جانب من هذه الإشكالية عندما أشار إلى ظاهرة التنازع بين الانتماءات والقيم المتعارضة داخل المجتمع العراقي.. ؛  كما أن العديد من منظري القومية والهوية، من أمثال بندكت أندرسون وأنطوني سميث، أكدوا أن الأمم لا تقوم على الجغرافيا وحدها، بل على وجود سردية تاريخية مشتركة تمنح الجماعة شعوراً بالاستمرار عبر الزمن.

ومن هنا تبرز خصوصية الحالة العراقية.

فالعراق ليس بلداً حديث النشأة من الناحية الحضارية، بل يمثل واحداً من أقدم المراكز الحضارية في التاريخ الإنساني.. , فمن سومر وعيلام وأكد وبابل وآشور إلى ميسان و الحضر والحيرة  والبصرة والكوفة وواسط وبغداد، تشكلت على أرضه طبقات متراكمة من الذاكرة الجماعية والرموز الثقافية والتجارب السياسية التي صنعت ما يمكن تسميته بالشخصية التاريخية العراقية.

غير أن هذه الشخصية تعرضت، خلال القرون الأخيرة – لاسيما حقبة الاحتلال العثماني المظلمة – ، إلى ضغوط متواصلة من مشاريع أيديولوجية عابرة للحدود سعت إلى إعادة تعريف العراقي خارج سياقه الوطني.

ففي مراحل مختلفة جرى تقديم الانتماء الإمبراطوري أو المذهبي أو القومي بوصفه الانتماء الأعلى، بينما تراجع الانتماء العراقي إلى مرتبة ثانوية.

وبدلاً من أن تكون الدولة العراقية الحديثة  إطاراً جامعاً لكل الهويات الفرعية، أصبحت في كثير من الأحيان ساحة صراع بين مشاريع متنافسة تحاول كل منها احتكار تعريف العراق والعراقيين.

ولعل أحد أهم آثار هذا المسار يتمثل في نشوء ما يمكن تسميته بـ«ازدواجية الانتماء»… ؛  فالعراقي ظل يعيش داخل وطن محدد جغرافياً وتاريخياً، لكنه كثيراً ما طُلب منه أن يربط وجدانه السياسي والعاطفي بمراكز خارج حدوده، وأن يجعل أولوياته الوطنية رهينة لقضايا ومشروعات تتجاوز مصالحه المباشرة.

وعندما يحدث ذلك، تصبح موارد الدولة وثرواتها وأجهزتها عرضة للتوظيف في خدمة أهداف لا تنبع بالضرورة من حاجات المجتمع العراقي نفسه.

إن التجربة التاريخية للدول الحديثة تكشف حقيقة واضحة؛ وهي أن الأمم التي نجحت في بناء دول مستقرة هي الأمم التي استطاعت تحويل الهوية الوطنية إلى مرجعية عليا تتقدم على الولاءات الثانوية.. ,  فاليابان لم تنهض لأنها جعلت نفسها جزءاً من مشروع آسيوي شامل، وتركيا لم تبن دولتها الحديثة لأنها ذابت في محيطها الإقليمي، وفرنسا لم تصبح فرنسا الحديثة عبر التخلي عن خصوصيتها الوطنية.

والأمر ذاته ينطبق على العراق.

فالعراق لا يستطيع أن يكون فاعلاً في محيطه ما لم يكتشف ذاته أولاً.. ,  ولا يستطيع أن يسهم في قضايا المنطقة والعالم ما لم يمتلك مشروعاً وطنياً واضحاً يحدد مصالحه وأولوياته وأهدافه.

ومن هنا فإن المشكلة ليست في الانتماء العربي أو الإسلامي أو الإنساني بوصفها دوائر حضارية وثقافية واسعة، وإنما في تحويل هذه الدوائر إلى بدائل عن الهوية العراقية ذاتها.

فالانتماءات الكبرى لا تصبح قوة إلا عندما تستند إلى وطن قوي، أما عندما تحل محل الوطن فإنها تتحول إلى عامل تفكيك وتشظي.

وقد انعكس هذا الاضطراب الهوياتي على الثقافة والتعليم والإعلام والخطاب السياسي لعقود طويلة.. ؛  إذ جرى التركيز على سرديات خارجية متنوعة، في مقابل تراجع الاهتمام بتاريخ العراق العميق وحضاراته المتعاقبة وشخصيته الثقافية الخاصة.. ,  ونتيجة لذلك نشأت أجيال تعرف الكثير عن أمجاد الآخرين وصراعاتهم، لكنها تعرف القليل عن تاريخ وطنها وعن الخصوصية الحضارية التي تميز بلاد الرافدين عن غيرها.

إن إعادة بناء الوعي الوطني العراقي لا تعني إلغاء التنوع القومي أو الديني أو المذهبي، كما لا تعني الانغلاق أو القطيعة مع المحيط.. ,  بل تعني إعادة ترتيب سلّم الانتماءات بحيث يصبح العراق هو الإطار الجامع الذي تلتقي داخله جميع المكونات والهويات الفرعية.

فالأمة العراقية، وفق هذا التصور، ليست مشروع إقصاء، بل مشروع اندماج تاريخي وحضاري.. ,  وهي ليست دعوة للعودة إلى الماضي، بل محاولة لفهم الماضي من أجل بناء المستقبل.

إن الأمم لا تُبنى بالشعارات، وإنما تُبنى بالوعي.. ,  والوعي يبدأ من معرفة الذات.

ولهذا فإن العراق سيظل يدور في حلقة مفرغة ما لم يُحسم سؤال الهوية بصورة واضحة وصريحة: من نحن؟ وما الذي يجمعنا؟ وما هو المشروع التاريخي الذي نريد أن نبنيه معاً؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست ترفاً فكرياً، بل شرطاً أساسياً لبقاء الدولة واستقرار المجتمع.. ,  فالأوطان قد تتعرض للهزائم والحروب والأزمات الاقتصادية، لكنها تستطيع النهوض من جديد إذا حافظت على وعيها بذاتها.. ,  أما عندما تضيع الهوية، فإن كل شيء آخر يصبح مهدداً بالضياع.

ومن هنا فإن معركة العراق الكبرى في القرن الحادي والعشرين ليست معركة حدود أو ثروات فحسب، بل هي معركة استعادة الوعي بالأمة العراقية بوصفها إطاراً تاريخياً وحضارياً جامعاً، قادراً على تحويل التنوع إلى قوة، والذاكرة إلى مشروع، والوطن إلى فكرة يعيش الناس من أجلها لا ساحة يتصارعون عليها.