سيناريوهات الفشل الحكومي .. بيع القصور وراتب كل 40 يوما وطباعة العملة !!

سعد جاسم الكعبي
كاتب عراقي
لم تعد أزمة الرواتب في العراق مجرد تأخير تقني لأيام قليلة كما تبرره وزارة المالية في كل مرة، بل تحولت إلى أزمة إدارة وثقة تكشف عجز الدولة عن تمويل أبسط التزاماتها.
وفي خضم هذا العجز، تتسرب من كواليس صنع القرار سيناريوهات غريبة ومتناقضة لحل الأزمة المالية، تضع مصير ملايين العوائل على طاولة التجريب.
أولاً: السيناريوهات المتناقضة
أخطر ما تم تداوله خلال الأسابيع الماضية هو مقترح توزيع رواتب موظفي الدولة كل 40 يوماً بدلاً من 30 يوماً، وهذا السيناريو، وإن نفته وزارة المالية ووصفته بأنه “عارٍ عن الصحة” وأنه مجرد تأخير بسبب انتهاء السنة المالية وإجراءات المصارف، إلا أن مجرد طرحه للنقاش داخل أروقة الحكومة هو بحد ذاته فضيحة.
توزيع الراتب كل 40 يوماً يعني عملياً أن الموظف سيستلم 9 رواتب في السنة بدلاً من 12 راتباً وهو ماتم نفيه من قبل مستشار رئيس مجلس الوزراء وقال( ان التأخير في صرف الرواتب هو من جعل مثل هذه الإشاعات تتنامى عند المواطن) ، أي انه سيكون تخفيض مقنّع بنسبة 25% من دخله السنوي دون إعلان رسمي، وتحميله كلفة انخفاض أسعار النفط وفشل السياسات المالية.
هذا التخبط يأتي في وقت يعيش فيه أكثر من 8 ملايين موظف ومتقاعد حالة قلق دائمة، بعد أن اعتادوا في السنة الأخيرة على تأخر الرواتب من موعدها الثابت بين 20-26 من كل شهر، إلى الأيام الأولى من الشهر اللاحق.
ثانياً: في قلب هذه الفوضى، يبرز اسم رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي بوصفات يصفها مقربون منه بـ “الحلول السريعة”. وبحسب تقارير صحيفة ، طرح الزيدي خيار بيع أصول الدولة كأحد المخارج الرئيسية، وفي مقدمتها نحو 1000 قصر ومنشأة ومجمع كانت تابعة لنظام صدام حسين.
الفكرة تبدو مغرية للحصول على سيولة فورية، لكنها اقتصادياً انتحار. أنت تبيع أصلاً يدر عليك لعشرات السنين لتسد عجز شهر أو شهرين. والأخطر أن تجارب بيع أصول الدولة في العراق تؤكد أن المشتري في النهاية هو نفس الطبقة السياسية الفاسدة عبر واجهات استثمارية، وبأسعار بخسة، هو ليس إصلاحاً، بل عملية نقل ملكية من الدولة إلى الأحزاب.
هذا النوع من الطروحات غير المدروسة هو ما جعل حتى حلفاء الحكومة يصفون الزيدي بأنه “ضائع في ملفي السلاح والمال بسبب قلة خبرته”.
ثالثاً: الإحزاب ترفع السكين
على هذه السيناريوهات الغريبة ما شجعتها ،وهم الحاضنة السياسية للحكومة، على رفع مستوى انتقاداته بشكل تدريجي وعلني، تمهيداً للتنصل من المسؤولية.
فلم تعد الانتقادات سرية، أطراف داخل التحالف الحاكم بدأت تهاجم بشكل مباشر خطوات الزيدي المالية، وكذلك خطواته الأمنية، وعلى رأسها قرار إعادة العمل بمكتب القائد العام للقوات المسلحة واختيار الوزير السابق عبد الأمير الشمري لإدارته، وهي خطوة اعتبرها الإطار محاولة لإنشاء “مكتب فوق الدولة” خارج سيطرة الأحزاب.
الإطار يدرك أن أزمة الرواتب هي التي ستسقط الحكومة في الشارع، لذلك بدأ مبكراً بتحميل الزيدي وحده المسؤولية وهو امر غير منطقي بالمرة.
وما ينسف أي خطاب حكومي عن التقشف هو التناقض الصارخ بين ما يقال وما يفعل.
كيف يمكن للحكومة أن تطلب من الموظف أن يتحمل تأخير راتبه 40 يوماً، بينما تتحدث المصادر الموثوقة عن إرسال الدولة 7 إيفادات حكومية وبرلمانية إلى دول مختلفة في يوم واحد؟ وكيف تبرر تجديد قاعة مجلس النواب بالكامل بكلفة مليارية في وقت تسميه “تقشف حكومي صارم”؟
التقشف لا يمكن أن يكون انتقائياً ولا يمكن أن تطبق سياسة شد الحزام على راتب المعلم والجندي، بينما يبقى حزام المسؤول مرتخياً بالسفريات والمخصصات والمستشارين.
الحلول المحرمة،غالبا وعندما تفشل كل السيناريوهات الترقيعية، ربما ستلجأ الحكومة حتماً إلى الحلين هما الأخطر:
طباعة العملة وهو الحل الأسهل والأكثر كارثية، أن يطبع البنك المركزي تريليونات الدنانير دون غطاء إنتاجي لتغطية الرواتب. النتيجة يعرفها كل عراقي عاش في التسعينات، الراتب موجود في الجيب، لكن قيمته تتبخر، تضخم جامح، وانهيار الدينار أمام الدولار، وارتفاع جنوني للأسعار هو ليس حلاً، بل سرقة مبطنة لمدخرات الناس.
او الاستدانة من صندوق النقد والبنك الدولي،والبنك الدولي لن يقرض العراق مليار دولار واحد دون شروط قاسية ومذلة، منها رفع الدعم عن البنزين والكهرباء، إيقاف التعيينات، تسريح آلاف الموظفين، وفرض ضرائب جديدة، أي حكومة توافق على هذه الشروط ستسقط شعبياً في اليوم التالي، لذلك تتجنبها كل الحكومات.
اذا ما هي الحلول الحقيقية التي لا يجرؤ أحد على طرحها؟
الحلول الحقيقية معروفة ومكتوبة في كل تقارير الخبراء، لكنها تحتاج إلى شجاعة سياسية لمواجهة الأحزاب:
اولا تنظيف فاتورة الرواتب: العراق لا يدفع لـ 4 ملايين موظف فقط، بل لأكثر من 8 ملايين بين موظف ومتقاعد ورعاية ورواتب مزدوجة و”فضائيين”،تدقيق حقيقي للفضائيين ومزدوجي الرواتب سيوفر للدولة أكثر من 15% من الموازنة دون المساس بموظف واحد حقيقي.
ثانيا إيقاف نزيف المنافذ والضرائب: إيرادات العراق غير النفطية لا تتجاوز 6% من الموازنة، بينما في الأردن وتركيا تتجاوز 40% السبب ليس في ضعف الاقتصاد بل في إدارة المنافذ و السرقات .
ثالثا استثمار الأصول لا بيعها فبدلاً من بيع 1000 قصر في مزادت مشبوهة، لماذا لا تتحول هذه القصور إلى فنادق ومجمعات سياحية وجامعات أهلية تدر إيجاراً شهرياً ثابتاً للخزينة لعشرين سنة قادمة؟ بيع الأصل هو تفريط، استثماره هو إصلاح.
الحكومة اليوم أمام مفترق طريق تاريخي، إما أن تصارح الناس بإصلاحات قاسية لكنها تنقذ الدولة من الإفلاس، وإما أن تستمر بسياسة المسكنات، من سيناريو الـ 40 يوماً إلى بيع القصور وصولاً إلى طبع العملة، وهي مسكنات ستنفجر حتماً في وجه الجميع قبل الانتخابات القادمة.