لماذا تثير وفيات موجات الحر في أوروبا استغراب العراقيين؟!

إيهاب مقبل

أثارت الأنباء الواردة من أوروبا بشأن تسجيل وفيات مرتبطة بموجة حر شديدة حالة من الاستغراب لدى كثير من العراقيين، خصوصًا في ظل أن درجات الحرارة في العراق كثيرًا ما تتجاوز 45 إلى 50 درجة مئوية خلال فصل الصيف. ويتكرر سؤال شائع: كيف يمكن لدرجات حرارة “أقل” نسبيًا في أوروبا، مثل 33 أو 40 درجة، أن تؤدي إلى وفيات، بينما يعيش العراقيون في حرارة أعلى بكثير؟!

الإجابة، بحسب خبراء المناخ والصحة، لا تتعلق بدرجة الحرارة وحدها، بل بمجموعة عوامل متداخلة تشمل طبيعة المناخ، والرطوبة، والبنية التحتية، والتأقلم البشري، وحالة السكان الصحية.

اختلاف المناخ بين العراق وأوروبا
يعيش السكان في العراق، خصوصًا في المناطق الوسطى والجنوبية، ضمن مناخ صحراوي حار منذ أجيال طويلة، ما أدى إلى نوع من التكيف الفسيولوجي والاجتماعي مع درجات الحرارة المرتفعة. الحياة اليومية، أوقات العمل، وحتى تصميم المباني، كلها تكيّفت مع هذا الواقع المناخي القاسي.

في المقابل، تتمتع دول شمال أوروبا مثل السويد والدنمارك والنرويج وفنلندا بصيف معتدل في الغالب، حيث تتراوح درجات الحرارة عادة بين 20 و28 درجة مئوية. لذلك، فإن وصول الحرارة إلى 33 أو 35 درجة يُعد حدثًا استثنائيًا، لا يتكرر كثيرًا، ويشكل ضغطًا مفاجئًا على الجسم والبنية التحتية معًا.

أما في أوروبا الوسطى، مثل ألمانيا وبولندا والنمسا، فيكون الصيف أكثر دفئًا، حيث تتراوح درجات الحرارة عادة بين 22 و30 درجة مئوية، بينما قد تصل موجات الحر إلى 35 درجة أو أكثر، وأحيانًا تقترب من 40 درجة في الحالات الشديدة.

وفي أوروبا الجنوبية، مثل إسبانيا وإيطاليا واليونان، يكون الصيف أكثر حرارة بطبيعته، إذ تتراوح درجات الحرارة عادة بين 28 و38 درجة مئوية، وقد تتجاوز 40 إلى 45 درجة في بعض المناطق الداخلية خلال موجات الحر القوية.

الرطوبة وتأثيرها الخفي في شدة الحر
لا يمكن فهم خطورة موجات الحر دون النظر إلى عامل الرطوبة، الذي يلعب دورًا حاسمًا في قدرة جسم الإنسان على تبريد نفسه. يعتمد الجسم بشكل أساسي على التعرق لتقليل الحرارة الداخلية، لكن هذه الآلية تصبح أقل كفاءة عندما تكون الرطوبة مرتفعة، لأن العرق لا يتبخر بسهولة.

في مدن مثل بغداد، قد تتجاوز درجات الحرارة 50 درجة مئوية، إلا أن الرطوبة خلال ساعات النهار تكون غالبًا منخفضة نسبيًا، ما يسمح بقدر أفضل من تبريد الجسم رغم شدة الحرارة.

وفي بغداد تحديدًا تتراوح الرطوبة النسبية عادة في فصل الصيف بين 15% و35% خلال النهار، وقد ترتفع ليلًا إلى نحو 40% أو أحيانًا 50%.

أما في بعض دول الشمال مثل السويد، فلا يقتصر الأمر على اعتدال درجات الحرارة فقط، بل إن الرطوبة قد ترتفع في بعض الليالي وساعات الصباح الباكر إلى مستويات عالية جدًا، قد تصل أحيانًا إلى 90–95%، خصوصًا مع الضباب والأمطار الصيفية الخفيفة. إلا أن هذه القيم تكون مؤقتة وليست نمطًا مستمرًا طوال فصل الصيف.

وفي مناطق جنوب العراق مثل البصرة، وكذلك في الكويت، يؤدي القرب من الخليج العربي إلى ارتفاع كبير في الرطوبة، خاصة ليلًا وساعات الفجر، حيث قد تصل إلى 90 أو 95 بالمئة في بعض الأيام. هذا المزيج بين الحرارة المرتفعة والرطوبة العالية يخلق ما يُعرف بـ”الإحساس الحراري”، الذي قد يتجاوز 60 درجة مئوية في حالات شديدة، ما يجعل الجو خانقًا وصعب التحمل حتى لو لم تكن الحرارة في أقصاها.

في أوروبا عمومًا، ورغم أن الرطوبة لا تكون دائمًا مرتفعة مثل مناطق الخليج، إلا أنها ترتفع بشكل ملحوظ في بعض الفترات، خصوصًا في المناطق الساحلية ومع موجات الحر المفاجئة، مما يزيد من العبء الحراري على الجسم ويجعل درجات الحرارة المرتفعة أكثر إجهادًا مما توحي به الأرقام وحدها.

الفئات الأكثر عرضة للخطر الصحي
تشير التقارير الطبية إلى أن الوفيات المرتبطة بموجات الحر لا تصيب عموم السكان بالتساوي، بل تتركز بشكل أكبر بين كبار السن، والمرضى المصابين بأمراض القلب والرئة والكلى، إضافة إلى الأطفال الصغار.

عند ارتفاع درجات الحرارة، يعمل القلب بجهد أكبر لضخ الدم نحو الجلد بهدف تبريد الجسم، ما قد يشكل خطرًا كبيرًا على الأشخاص الذين يعانون أصلًا من أمراض مزمنة. كما أن الجفاف وفقدان الأملاح يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات في الدورة الدموية، وقد ينتهي الأمر بنوبات قلبية أو سكتات دماغية في الحالات الشديدة.

البنية التحتية وطبيعة المعيشة
تلعب البنية التحتية دورًا أساسيًا في تقليل أو زيادة آثار موجات الحر. ففي العراق ودول الخليج، يعد استخدام أجهزة التكييف جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، سواء في المنازل أو أماكن العمل أو وسائل النقل.

أما في كثير من الدول الأوروبية، فقد صُممت المباني أساسًا للحفاظ على الدفء خلال الشتاء الطويل والبارد، وليس لمواجهة فترات حر شديدة. لذلك، تحتفظ المنازل بالحرارة خلال موجات الحر، مما يجعل الظروف داخلها أكثر صعوبة في بعض الحالات من الخارج.

كما أن شبكات النقل، مثل السكك الحديدية، قد تتأثر بارتفاع درجات الحرارة، حيث يؤدي تمدد المعادن إلى اضطراب حركة القطارات أو فرض قيود تشغيلية مؤقتة. إضافة إلى ذلك، تزداد مخاطر حرائق الغابات في فترات الجفاف والحر الشديد.

خطورة التغير المفاجئ في درجات الحرارة
يرى خبراء المناخ أن أحد أخطر العوامل في موجات الحر الأوروبية هو “المفاجأة المناخية”، أي الانتقال السريع من طقس معتدل إلى حرارة مرتفعة خلال أيام قليلة فقط.

الجسم البشري يحتاج إلى وقت للتأقلم مع التغيرات الحرارية، وعندما يحدث ارتفاع سريع في درجات الحرارة، خصوصًا في مناطق غير معتادة على الحر الشديد، يزداد الضغط على الجهاز القلبي والوعائي.

ولهذا فإن درجة حرارة قد تبدو “عادية” لسكان العراق، قد تكون في أوروبا حدثًا استثنائيًا يحمل مخاطر صحية واضحة.

مثال توضيحي على أثر التغير المناخي المفاجئ
تُذكر أحيانًا في سياق النقاشات حول تأثير اختلاف المناخ حالات فردية تُستخدم للتوضيح أكثر من كونها بيانات إحصائية. ومن بين هذه الأمثلة، حالة امرأة عراقية مولودة في العراق وعاشت فيه لنحو 20 عامًا، ثم انتقلت لاحقًا للعيش في السويد لفترة طويلة، حيث المناخ معتدل نسبيًا، قبل أن تعود لزيارة عائلتها في بغداد خلال فصل الصيف.

وفق هذا المثال المتداول، انتقلت المرأة فجأة من بيئة سويدية معتدلة تبلغ فيها درجات الحرارة نحو 22 درجة مئوية إلى بيئة بغدادية شديدة الحرارة تصل إلى نحو 43 درجة مئوية، ما شكل تغييرًا حادًا وسريعًا في الظروف المناخية التي اعتاد عليها جسمها.

وخلال هذه الزيارة، واجهت صعوبة في التكيف مع درجات الحرارة المرتفعة مقارنة بما اعتاد عليه جسمها في السويد، وظهرت عليها أعراض صحية مفاجئة خلال فترة قصيرة، من بينها ظهور بقعة حمراء في إحدى العينين، تلاها تدهور في حالتها الصحية استدعى تدخلًا طبيًا عاجلًا، وانتهى الأمر بإصابتها بـجلطة دماغية، وذلك عندما كانت في منتصف الأربعينيات من عمرها.

ويُشار في هذا السياق إلى أن مثل هذه الحالات قد ترتبط بالإجهاد الحراري أو ارتفاع ضغط الدم أو اضطرابات الدورة الدموية، خصوصًا عند التعرض المفاجئ لبيئة مناخية شديدة الحرارة بعد فترة طويلة من العيش في مناخ معتدل.

ويؤكد الأطباء أن مثل هذه السيناريوهات لا يمكن تفسيرها بعامل واحد فقط، بل هي نتيجة تداخل عدة عوامل، منها الحالة الصحية العامة، ومدة التعرض للحرارة، ومدى قدرة الجسم على التكيف مع التغير المناخي المفاجئ.

الخلاصة
المسألة لا تتعلق بدرجة الحرارة وحدها، بل بمجموعة عوامل مترابطة تشمل طبيعة المناخ، ومستوى الرطوبة، والتأقلم المناخي، والبنية التحتية، والحالة الصحية للسكان، ومدى سرعة التغير في الطقس.

وبينما يتعايش سكان العراق مع درجات حرارة مرتفعة جدًا، فإن اختلاف البيئة العامة يجعل موجات الحر في أوروبا حدثًا صحيًا خطيرًا يستدعي الانتباه والتحذير، خصوصًا للفئات الأكثر ضعفًا.

المراجع
القاتل الصامت: ما الذي تحتاج إلى معرفته عن موجات الحر، الغارديان، 22 يونيو حزيران 2026
https://www.theguardian.com/environment/2025/jun/27/the-silent-killer-what-you-need-to-know-about-heatwaves

المخاطر الصحية للحرارة الشديدة، رويترز، 23 يونيو حزيران 2026
https://www.reuters.com/business/environment/health-risks-extreme-heat-2026-06-23/

الحرارة والصحة، منظمة الصحة العالمية (2026)
https://www.who.int/news-room/fact-sheets/detail/climate-change-heat-and-health

المخاطر العالمية لموجات الحر مع الأخذ بعين الاعتبار تأثير الرطوبة خلال القرن الحادي والعشرين، المجلة الدولية لأبحاث البيئة والصحة العامة (2019)
https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC6539408/

انتهى