إصلاحٌ متأخر لمكافحة الفساد في العراق.. لكن التعافي لا يزال ممكنًا

إيهاب مقبل

منذ عام 2003 دخل العراق مرحلة تحول سياسي جذري أعادت تشكيل مؤسسات الدولة بالكامل، لكن هذا التحول جرى في بيئة ضعيفة من حيث البنية الإدارية والرقابية، ما جعل الفساد المالي والإداري أحد أبرز التحديات البنيوية التي واجهت الدولة الحديثة. وعلى مدى أكثر من عقدين، لم يعد الفساد مجرد ظاهرة إدارية محدودة، بل أصبح ملفًا مركزيًا يؤثر في الاقتصاد والخدمات العامة والاستقرار السياسي، ويُعد اليوم من أهم العوامل التي تحدد مسار الدولة العراقية ومستقبلها.

جذور الفساد وتشكّل البيئة السياسية بعد 2003
بعد سقوط النظام السابق عام 2003، بدأت عملية إعادة بناء الدولة العراقية وسط فراغ مؤسسي كبير وتعدد في مراكز القرار، إلى جانب اعتماد نظام المحاصصة السياسية الذي أدى إلى توزيع المناصب على أسس حزبية ومناطقية. هذا الواقع ساهم في إضعاف مبدأ الكفاءة وتعزيز شبكات النفوذ داخل مؤسسات الدولة، ما خلق بيئة خصبة لنمو الفساد المالي والإداري بشكل تدريجي وممنهج، حيث أصبحت بعض الوزارات تعمل ضمن توازنات سياسية أكثر من كونها مؤسسات خدمية مستقلة.

تُعدّ ظاهرة الفساد في العراق متفشية على جميع مستويات الحكومة. ففي عام 2021، صرّح الرئيس العراقي الأسبق برهم صالح بأن نحو 150 مليار دولار أمريكي من عائدات النفط سُرقت وهُرّبت إلى خارج البلاد عبر صفقات فاسدة منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. كما أن الفساد المستشري يهيمن على قطاعي النفط والغاز، اللذين لا يزالان يشكلان أكثر من 99% من صادرات البلاد و85% من موازنة الحكومة. ويُعدّ الاقتصاد العراقي اقتصادًا نقديًا في المقام الأول، الأمر الذي يجعل تتبع حجم الأموال ومسارات انتقالها أمرًا بالغ الصعوبة.

اتساع الفساد وتصاعد الاحتجاجات (2010–2019)
مع مرور الوقت، بدأت آثار الفساد تظهر بشكل واضح في تدهور الخدمات العامة، خصوصًا في قطاعات الكهرباء والماء والصحة والبنية التحتية، رغم الإنفاق الحكومي الكبير. وفي عام 2015، شهدت بغداد ومدن عراقية رئيسية احتجاجات واسعة ضد الفساد وتردي الخدمات، حيث عبّر المواطنون عن غضبهم من تدهور الأوضاع واعتبروا أن الفساد أحد الأسباب الرئيسية للأزمة.

وخلال تلك المرحلة، دعا المرجع الديني الأعلى علي السيستاني الحكومة إلى اتخاذ إجراءات حازمة لمكافحة الفساد. واستمرت الاحتجاجات بشكل متقطع حتى عام 2018، قبل أن تتصاعد بشكل أكبر في احتجاجات عام 2019، التي كانت من أكبر التحركات الشعبية في تاريخ العراق الحديث، وكان الفساد أحد أبرز أسبابها إلى جانب الأوضاع الاقتصادية والبطالة وضعف الخدمات.

الفساد المؤسسي في قطاعات الدولة
تشير التقارير والتحقيقات إلى أن الفساد في العراق لم يكن محصورًا بقطاع واحد، بل امتد إلى عدة وزارات ومؤسسات رئيسية، من بينها وزارات النفط والمالية والدفاع والداخلية والصحة والتجارة والكهرباء، إضافة إلى الجمارك والمنافذ الحدودية والضرائب وبعض الدوائر القضائية والإدارية.

وقد تنوعت أشكال الفساد بين الرشاوى اليومية، والعقود الوهمية، وتضخيم المشاريع، ووجود “موظفين أو جنود وهميين”، فضلًا عن سوء إدارة سلاسل التوريد والمشتريات العامة. كما أظهرت تقارير أن بعض العقود الحكومية تُمنح لشركات مرتبطة بنفوذ سياسي، ما جعل بيئة الاستثمار في العراق معقدة وتواجه تحديات كبيرة.

الفضائح المالية الكبرى
شهدت السنوات الأخيرة سلسلة من القضايا المالية الكبرى التي أثارت جدلًا واسعًا، أبرزها قضية اختلاس نحو 2.5 مليار دولار من الهيئة العامة للضرائب عام 2022، والتي عُرفت إعلاميًا باسم “سرقة القرن”، حيث جرى تحويل أموال من حسابات حكومية إلى شركات خاصة عبر قنوات مصرفية رسمية.

كما كشفت التحقيقات عن قضايا فساد مرتبطة بقطاع النفط، وملفات تهريب وتلاعب بالعقود، وهو ما يعكس حجم التداخل بين الثروة النفطية والنفوذ الإداري والسياسي، نظرًا لاعتماد الاقتصاد العراقي بشكل شبه كامل على العائدات النفطية.

مؤشر مدركات الفساد
وفقًا لمؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، يُصنَّف العراق ضمن الدول ذات الأداء الضعيف في مكافحة الفساد، رغم وجود تحسن نسبي خلال السنوات الأخيرة. فقد ارتفعت درجة العراق من مستويات متدنية جدًا بعد 2003 لتصل إلى نحو 26 نقطة في عام 2024، محتلاً المرتبة 140 من أصل 180 دولة، مع تحسن طفيف لاحقًا في عام 2025، إلا أنه لا يزال في مراتب متأخرة عالميًا، ما يعكس استمرار التحديات البنيوية في هذا الملف.

تأثير الفساد على الدولة العراقية
يمتد تأثير الفساد في العراق ليشمل مختلف جوانب الدولة والمجتمع، إذ لم يعد يقتصر على خسائر مالية مباشرة، بل تحول إلى عامل بنيوي يؤثر في قدرة الدولة على الأداء والاستقرار والتنمية. فعلى المستوى الاقتصادي، يؤدي الفساد إلى هدر واسع في الموارد العامة، خاصة في القطاعات النفطية والعقود الحكومية، حيث تُوجه مبالغ ضخمة إلى مشاريع غير مكتملة أو متضخمة الكلفة أو غير ذات جدوى حقيقية، ما يضعف كفاءة الإنفاق العام ويقلل من قدرة الدولة على الاستثمار في التنمية طويلة الأمد.

أما في القطاع الخدمي، فإن الفساد ينعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين من خلال تدهور خدمات الكهرباء والماء والصحة والتعليم، رغم حجم الإنفاق الحكومي الكبير عليها. فضعف الرقابة وسوء إدارة العقود يؤديان إلى مشاريع متأخرة أو غير مكتملة أو منخفضة الجودة، ما يخلق فجوة مستمرة بين حجم الإنفاق الحكومي ومستوى الخدمات المقدمة فعليًا للمواطنين.

وعلى المستوى السياسي والمؤسسي، يسهم الفساد في إضعاف ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها، ويؤدي إلى تآكل شرعية النظام السياسي تدريجيًا. كما يعزز منطق المحاصصة والولاءات الحزبية على حساب الكفاءة، ويحد من استقلالية المؤسسات الرقابية والقضائية في بعض الفترات، ما يضعف سيادة القانون ويكرّس الإفلات من العقاب.

أما اجتماعيًا، فإن الفساد يفاقم الفجوة بين الطبقات، ويزيد من معدلات البطالة والهجرة، ويغذي شعور الإحباط وفقدان العدالة، وهو ما يظهر بشكل واضح في موجات الاحتجاجات المتكررة التي شهدها العراق خلال السنوات الماضية، والتي كانت في جوهرها تعبيرًا عن رفض الفساد وتداعياته.

وفي السياق الأمني، يؤدي الفساد إلى إضعاف مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية عبر انتشار ظواهر مثل “الجنود الوهميين” وسوء توزيع الموارد، ما ينعكس سلبًا على كفاءة الأجهزة الأمنية وقدرتها على فرض الاستقرار.

وبشكل عام، يمكن القول إن الفساد في العراق لا يمثل مجرد خلل إداري، بل هو عامل معرقل شامل للتنمية والاستقرار، يؤثر في الاقتصاد والسياسة والخدمات والأمن معًا، ويجعل عملية بناء دولة قوية وفعالة أكثر تعقيدًا، ما يفسر استمرار كونه أحد أبرز التحديات التي تواجه العراق حتى عام 2026.

جهود مكافحة الفساد (2020–2024)
في السنوات الأخيرة، اتجهت الحكومات العراقية إلى تعزيز أدوات مكافحة الفساد من خلال تشكيل لجان تحقيق خاصة، أبرزها لجنة “أبو رغيف”، إضافة إلى تفعيل دور هيئة النزاهة الاتحادية باعتبارها الجهة الأساسية للتحقيق في قضايا الفساد.

كما تم إنشاء لجان عليا لاسترداد الأموال وملاحقة المطلوبين في ملفات الفساد الكبرى، إلا أن هذه الجهود واجهت تحديات سياسية وإدارية، إلى جانب ضغوط مختلفة أثرت أحيانًا على مسار التحقيقات واستقلالية العمل الرقابي.

الاعتقالات الموسعة عام 2026
في أواخر يونيو حزيران الجاري، شهد العراق تطورًا مهمًا في ملف مكافحة الفساد، حيث أفادت تقارير محلية ودولية بتنفيذ حملة اعتقالات واسعة شملت 47 مسؤولًا، بينهم نواب في البرلمان ومسؤولون حكوميون كبار، ضمن تحقيقات تتعلق بملفات فساد مالي وإداري داخل مؤسسات الدولة.

وقد اعتُبرت هذه الحملة من أوسع العمليات من نوعها، إذ استهدفت مستويات عليا في هرم السلطة، ما عكس تحولًا في نهج الدولة نحو التعامل مع الفساد بشكل أكثر صرامة، وعدم الاكتفاء بملاحقة الموظفين الصغار أو القضايا المحدودة.

وفي هذا السياق، تعهّد رئيس الحكومة العراقية، علي فالح الزيدي، بأن حملة الاعتقالات التي طالت 47 متهمًا من بينهم مسؤولين سياسيين، لم تكن سوى “مرحلة أولى”، وسوف تواصل الحكومة مكافحة الفساد.

وقال الزيدي في اجتماع حكومي مساء الأحد، إن “ما جرى من صولةٍ ضد الفساد هي مرحلة أولى، وستستمر الحكومة في مكافحة الفساد لاسترداد المال العام، وأنها مكلّفة بحماية مصالح الشعب العراقي، ولا تهاون في هذه المسؤولية”.

وأضاف وفق ما جاء في بيان رسمي لمكتب رئيس الوزراء أن “الوضع بات من غير الممكن السكوت عنه”، كما كلف الزيدي “الأجهزة الرقابية باستقبال أي مؤشرات عن الأداء الحكومي أو أداء الوزارات لكشف حالات الفساد أو التقصير”.

وأشار وفق البيان إلى “أن العراق مرّ بحقب الحروب والفوضى ومقارعة الإرهاب، واليوم بات مسار الحكومة مختلفا، من خلال تفعيل اجراءات تعزيز قوّة الدولة العراقية، واحتكارها القوّة والسلاح، وعدم السماح للفاسدين بأن يكونوا ضمن جسد الدولة بهدف سرقة المال العام”.

التقييم العام ودور الحكومة الحالية
في ظل هذه التطورات، تبنت الحكومة الحالية بقيادة علي الزيدي نهجًا أكثر تشددًا في مواجهة الفساد، من خلال دعم الأجهزة الرقابية والقضائية، وتوسيع صلاحيات التحقيق، والعمل على استرداد الأموال المنهوبة وتعزيز سيادة القانون. وقد ساهم هذا النهج في تعزيز الثقة الشعبية بشكل نسبي، باعتباره محاولة لإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، رغم استمرار التحديات الكبيرة المرتبطة بطبيعة النظام السياسي وتعقيدات الواقع الإداري.

خاتمة
يمكن القول إن ملف الفساد في العراق بين 2003 و2026 يمثل أحد أكثر الملفات تعقيدًا واستمرارية في تاريخ الدولة الحديثة، إذ يجمع بين عوامل سياسية واقتصادية وإدارية متشابكة. ورغم حجم التحديات المتراكمة، فإن السنوات الأخيرة تعكس بداية مسار مختلف يقوم على تعزيز إجراءات المحاسبة وتوسيع نطاق مكافحة الفساد، بما يشير إلى تحول تدريجي في بنية التعامل مع هذا الملف داخل مؤسسات الدولة.

ومع تزايد الجهود الرقابية والقضائية، وارتفاع مستوى الوعي المجتمعي بخطورة الفساد، تتعزز إمكانية الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة معالجتها بشكل أكثر فاعلية واستدامة. وإذا ما استمرت هذه الجهود ضمن إطار مؤسسي قوي ومستقل، فإنها قد تمهّد لبناء منظومة دولة أكثر شفافية وكفاءة.

لم يكن الفساد في العراق يومًا مشكلة قانونية أو مالية فحسب، بل تطوّر ليصبح سمةً هيكلية في بنية الحكم، تشكّلت بفعل ترتيبات تقاسم السلطة التي أعقبت عام 2003، وتعدد مراكز القرار، وشبكات المحسوبية المتنافسة، وضعف مؤسسات الدولة. وفي مثل هذه البيئة، لا يستمر الفساد بسبب غياب القوانين، بل لأن الحماية السياسية غالبًا ما تتقدم على آليات المساءلة القانونية.

ولهذا، لا ينبغي قياس نجاح أي حملة لمكافحة الفساد بعدد الاعتقالات أو بمكانة الشخصيات المستهدفة، بل بمعيار أكثر عمقًا واستدامة: مدى قدرة الدولة العراقية على بناء مؤسسات قادرة على تطبيق القانون بشكل متسق، بغض النظر عن الانتماء السياسي أو النفوذ الفصائلي أو العلاقات الشخصية.

وبهذا، فإن مستقبل العراق لا يُحسم بوزن التحديات وحدها، بل بقدرة الدولة والمجتمع معًا على تحويل هذا التحدي الطويل إلى فرصة حقيقية للإصلاح وإعادة البناء، بما يفتح الطريق أمام مرحلة أكثر استقرارًا وثقة بالمؤسسات العامة.

فيديو: تصريح رئيس الوزراء علي الزيدي حول استمرار الحملة ضد الفساد واسترداد الأموال العامة

انتهى