د. فاضل حسن شريف
عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله جلت قدرته “حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ” ﴿التكاثر 2﴾ أي حتى أدرككم الموت على تلك الحال عن الحسن وقتادة وقال الجبائي: حتى متم على ذلك ولم تتوبوا وقيل ألهاكم التباهي بكثرة المال والعدد عن تدبر أمر الله حتى عددتم الأموات في القبور وروى قتادة عن مطرف بن عبد الله الشخير عن أبيه قال انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وهو يقول “ألهاكم التكاثر” السورة قال (يقول ابن آدم مالي مالي وما لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت) أورده مسلم في الصحيح.
جاء في معاني القرآن الكريم: قبر القبر: مقر الميت، ومصدر قبرته: جعلته في القبر، وأقبرته: جعلت له مكانا يقبر فيه. نحو: أسقيته: جعلت له ما يسقى منه. قال تعالى: “ثم أماته فأقبره” (عبس 21)، قيل: معناه ألهم كيف يدفن، والمقبرة والمقبرة موضع القبور، وجمعها: مقابرا. قال: “حتى زرتم المقابر” (التكاثر 2). عن تفسير الميسر: قال الله تبارك وتعالى عن القبور “وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ” ﴿الإنفطار 4﴾ القبور بُعثرت: قـُـلِبَ ترابُها، و أخْــِرج موتاها. إذا السماء انشقت، واختلَّ نظامها، وإذا الكواكب تساقطت، وإذا البحار فجَّر الله بعضها في بعض، فذهب ماؤها، وإذا القبور قُلِبت ببعث مَن كان فيها، حينئذ تعلم كلُّ نفس جميع أعمالها، ما تقدَّم منها، وما تأخر، وجوزيت بها. قوله جل وعلا “أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ” ﴿العاديات 9﴾ بُعْثِرَ مَافِي القُبُورِ: خرج ما فيها من الأموات. أفلا يعلم الإنسان ما ينتظره إذا أخرج الله الأموات من القبور للحساب والجزاء؟ قوله عز من قائل “حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ” ﴿التكاثر 2﴾ واستمر اشتغالكم بذلك إلى أن صرتم إلى المقابر، ودُفنتم فيها. قوله سبحانه “وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ” ﴿التوبة 84﴾ قبره: قَبْرِهِ: قَبْرِ اسم، هِ ضمير. ولا تصلِّ أيها الرسول أبدًا على أحد مات من المنافقين، ولا تقم على قبره لتدعو له؛ لأنهم كفروا بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم وماتوا وهم فاسقون. وهذا حكم عام في كل من عُلِمَ نفاقه. قوله جلت قدرته الْمَقَابِرَ: الْ اداة تعريف، مَقَابِرَ اسم. واستمر اشتغالكم بذلك إلى أن صرتم إلى المقابر، ودُفنتم فيها.
عن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله جلت قدرته “حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ” ﴿التكاثر 2﴾ قال: المقبرة بكسر الميم والمقبرة بفتحها موضع القبور وجمعها مقابر، قال تعالى: “حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ” ﴿التكاثر 2﴾ كناية عن الموت، انتهى. فالمعنى على ما يعطيه السياق شغلكم التكاثر في متاع الدنيا وزينتها والتسابق في تكثير العدة والعدة عما يهمكم وهو ذكر الله حتى لقيتم الموت فعمتكم الغفلة مدى حياتكم. وقيل: المعنى شغلكم التباهي والتباري بكثرة الرجال بأن يقول هؤلاء: نحن أكثر رجالا، وهؤلاء: نحن أكثر حتى إذا استوعبتم عدد الأحياء صرتم إلى القبور فعددتم الأموات من رجالكم فتكاثرتم بأمواتكم. وهذا المعنى مبني على ما ورد في أسباب النزول أن قبيلتين من الأنصار تفاخرتا بالأحياء ثم بالأموات، وفي بعضها أن ذلك كان بمكة بين بني عبد مناف وبني سهم فنزلت السورة. وجاء في التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله جلت قدرته “حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ” ﴿التكاثر 2﴾ مضيتم في الغفلة والضلال حتى أدرككم الموت. وللإمام علي عليه السلام كلام طويل قاله بعد تلاوة هذه الآية الكريمة، وقد أدرج في نهج البلاغة، ومنه (أبمصارع آبائهم يفخرون؟ أم بعديد الهلكى يتكاثرون؟ ولأن يكونوا عبرا أحق من أن يكونوا مفتخرا).
جاء في الموسوعة الالكترونية لمدرسة اهل البيت عن زيارة القبور: زيارة القبور، وهي تعاهد المسلمين لقبور موتاهم إكراماً لهم، أو استيناساً، أو تبركاً بهم إن كانوا من الصالحين، ويعتقد المسلمون بجواز زيارة القبور، بل استحبابها، فإنَّ فيها العبرة لمن أراد أن يتذكر أو يخشى، وقد دلَّ عليها القرآن الكريم و السُنّة الشريفة، ولم يقل أحد من الفقهاء المسلمين بحرمتها، أو إنها من البدع والضلالات، حتى بَرَزَ ابن تيميّة في القرن الثامن الهجري. أعلن ابن تيمية الحرب على المراقد وأصحابها، وحَرَّمَ شد الرحال اليها، ومن بينها قبر النبي الأكرم صلی الله عليه وآله وسلم،واعتبر التوسل بالرسول صلی الله عليه وآله وسلم وأصحاب المراقد من الشرك، والزيارة والتبرك بها عبادة لغير الله عز وجل، وقد تبعه على هذه العقيدة محمد بن عبد الوهاب. الزيارة لغة قال الفيومي: و(الْمَزَارُ) يَكُونُ مَصْدَراً وَمَوْضِعُ (الزِّيَارَةِ) و(الزِّيَارَةُ) فِي الْعُرْفِ قَصْدُ الْمَزُورِ إِكْرَاماً لَهُ واسْتِئْنَاساً بهِ. الزيارة اصطلاحاً وهي قصد المزور إكراماً له، واستئناساً به وزيارة المقابر، القصد منها السلام على الأموات والدعاء لهم والاعتبار. القَبْرُ: مقرّ الميّت، ومصدر قَبَرْتُهُ: جعلته في القَبْرِ، وأَقْبَرْتُهُ: جعلت له مكاناً يُقْبَرُ فيه. نحو: أسقيته: جعلت له ما يسقى منه. قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَمٰاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾، قيل: معناه ألهم كيف يدفن، والْمَقْبَرَةُ والْمِقْبَرَةُ موضع الْقُبُورِ، وجمعها: مَقَابِرُ. قال عز وجل: “حَتّٰى زُرْتُمُ الْمَقٰابِرَ” (التكاثر 2)، كناية عن الموت. وقوله عز وجل: “إِذٰا بُعْثِرَ مٰا فِي الْقُبُورِ” (العاديات 9)، إشارة إلى حال البعث. وقيل: إشارة إلى حين كشف السّرائر، فإنّ أحوال الإنسان ما دام في الدّنيا مستورة كأنّها مَقْبُورَةٌ، فتكون القبور على طريق الاستعارة، وقيل: معناه إذا زالت الجهالة بالموت، فكأنّ الكافر والجاهل ما دام في الدّنيا فهو مَقْبُورٌ، فإذا مات فقد أنشر وأخرج من قبره. القبور اصطلاحاً وهي مدافن الأموات، وهي ديار الموتى ومنازلهم، وعليها تنزل الرحمة على محسنهم، فإكرام هذه المنازل واحترامها من تمام محاسن الشريعة الإسلامية.
للقبور مكانة وأهمية في القرآن الكريم والسنة، فقد وردت في آيات قرآنية “حتى زرتم المقابر” (التكاثر 2)، “يئس الكفار من أصحاب القبور” ﴿الممتحنة 13﴾، “وأن الله يبعث من في القبور” ﴿الحج 7﴾، “واذا القبور بعثرت” ﴿الإنفطار 4﴾، “اذا بعثر ما في القبور” ﴿العاديات 9﴾، “ما أنت بمسمع من في القبور” ﴿فاطر 22﴾ “ولا تقم على قبره” (التوبة 84)، “ثم أماته فأقبره” (عبس 21). والتهديم منبوذ “لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد” (الحج 40). هذه الأيام تمر الذكرى الأليمة لهدم قبور أئمة البقيع عليهم السلام. عن تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله عز من قائل “حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ” ﴿التكاثر 2﴾ أن متم فدفنتم فيها، أو عددتم الموتى تكاثرا.
عن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى “حتى زرتم المقابر” (التكاثر 2) ومع سبب النزول، وخطبة نهج البلاغة كما سنشير إلى ذلك. “ألهاكم” من اللهو وهو الإنشغال بالأعمال الصغيرة والإنصراف عن المهام الكبيرة. والراغب يفسّر اللهو بالعمل الذي يُشغل الإنسان ويصرفه عن مقاصده وأهدافه. “التكاثر” يعني التفاخر والمباهاة. “زرتم” من الزيارة و زَور (على وزن قول) في الأصل بمعنى أعلى الصدر، ثمّ استعمل للقاء والمواجهة. و (زَوَر) (على وزن قمر) بمعنى انحراف أعلى الصدر، والكذب لانحرافه عن الحق سمّي (زوراً) على وزن نور. “المقابر” جمع مقبرة، وهي مكان دفن الميت. وزيارة المقابر إمّا أن تكون كناية عن الموت. أو بمعنى الذهاب إلى المقابر وإحصاء الموتى بهدف التكاثر في الأنفس والتفاخر بالعدد (حسب التّفسير المشهور). وذكرنا أن المعنى الثّاني أصح. وأحد شواهده كلام لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، بعد أن تلا: (ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر) قال: (يا له أمر ما أبعده وزوراً ما أغفله وخطراً ما أفظعه لقد استخلوا منهم أي مدّكر وتناوشوهم من مكان بعيد. أفبمصارع آبائهم يفخرون؟ أو بعديد الهلكى يتكاثرون؟ يرتجعون منهم أجساداً خوت، وحركات سكنت، ولأن يكونوا عبراً أحق من أن يكونوا مفتخراً).