إيهاب مقبل
شكّل وصول الزعيم عبد الكريم قاسم إلى السلطة بعد ثورة 14 يوليو تموز 1958 نقطة تحول كبرى في التاريخ العراقي الحديث، ليس فقط على المستوى السياسي، بل أيضًا على مستوى النظرة إلى الدولة والثروة العامة والعدالة الاجتماعية. فقد ورث النظام الجمهوري الجديد جهازًا إداريًا متشابكًا مع النفوذ الإقطاعي والامتيازات الأجنبية، إلى جانب تفاوت اقتصادي واسع وهيمنة طبقة محدودة على الثروة والسلطة، الأمر الذي جعل مكافحة الفساد وإعادة توزيع الموارد من أهم أولويات الحكم الجديد.
وقد ارتبط مفهوم الفساد في تلك المرحلة بمعناه الواسع، فلم يقتصر على الرشوة والاختلاس الإداري، بل شمل كذلك الاحتكار الاقتصادي، والامتيازات الإقطاعية، واستغلال النفوذ السياسي، وخضوع الموارد الوطنية لمصالح الشركات الأجنبية. ومن هذا المنطلق، سعى عبد الكريم قاسم إلى بناء دولة مركزية قوية تكون فيها الثروة الوطنية في خدمة المجتمع بأكمله، لا في خدمة فئات محدودة أو قوى خارجية.
تشريع قانون الكسب غير المشروع (من أين لك هذا؟)
من أهم الإجراءات التي اتخذتها الحكومة في بداية العهد الجمهوري إصدار تشريعات تهدف إلى مراقبة الثروات ومحاسبة المسؤولين عن تضخمها بشكل غير مشروع. وفي هذا السياق، نُسب إلى حكومة عبد الكريم قاسم إصدار قانون الكسب غير المشروع رقم 15 في 21 أغسطس آب سنة 1958، والذي عُرف إعلاميًا وشعبيًا بمبدأ «من أين لك هذا؟».
وقد هدف هذا القانون إلى ملاحقة المسؤولين والموظفين في العهد الملكي السابق والحالي ممن تضخمت ثرواتهم بطرق غير قانونية على حساب المال العام. كما ألزم المسؤولين بتقديم إقرارات عن ذممهم المالية ومصادر دخلهم، وشُكلت لجان خاصة لفحص هذه الإقرارات والتحقيق في أي شبهات تتعلق بالفساد أو استغلال المنصب.
تشكيل “لجان التطهير” في مؤسسات الدولة
في إطار إعادة بناء جهاز الدولة بعد الثورة، شكلت الحكومة ما عُرف بـ “لجان التطهير”، وهي لجان إدارية وقضائية مختصة بمراجعة أوضاع الموظفين والمسؤولين في مختلف الوزارات والدوائر الحكومية.
وقد تولت هذه اللجان مهمة التدقيق في ملفات العاملين، والكشف عن حالات الرشوة والاختلاس واستغلال النفوذ الإداري. كما قامت بإقصاء العناصر التي ثبت تورطها في قضايا فساد أو سوء استخدام للسلطة، مع إحالة الملفات الخطيرة إلى القضاء لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقها.
وكان الهدف من هذه الإجراءات بناء جهاز إداري يخضع للقانون بدلًا من الولاءات الشخصية والعائلية والعشائرية التي كانت مؤثرة في كثير من مفاصل الدولة. ورغم أن بعض المؤرخين يرون أن هذه العمليات تأثرت أحيانًا بالاستقطابات السياسية التي أعقبت الثورة، فإنها مثلت محاولة جادة لتغيير الثقافة الإدارية السائدة آنذاك.
القضاء على الامتيازات الإقطاعية ومظاهر الفساد الاجتماعي
اعتبر عبد الكريم قاسم أن الفساد لا يقتصر على المؤسسات الحكومية، بل يمتد إلى البنية الاجتماعية والاقتصادية نفسها. ولذلك جاء قانون الإصلاح الزراعي ليكون أحد أهم مشروعاته السياسية، إذ استهدف تقليص نفوذ كبار الملاكين وإعادة توزيع الأراضي على الفلاحين.
كما أُلغي نظام دعاوى العشائر الذي منح شيوخ القبائل سلطات استثنائية في إدارة شؤون مناطقهم، وأُخضعت جميع المناطق الريفية لسلطة القضاء الوطني الموحد. وقد رأى مؤيدو هذه السياسات أنها تمثل مواجهة مباشرة لثقافة فساد تاريخية قائمة على الاحتكار الطبقي والامتيازات الوراثية، وما رافقها من أشكال التمييز والنفوذ التقليدي، في حين رأى منتقدون أنها أحدثت تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة لم تُعالج جميع آثارها بصورة متوازنة أو مكتملة.
النزاهة الشخصية بوصفها نموذجًا للحكم
اكتسب الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم سمعة واسعة بوصفه أحد أكثر الحكام العراقيين زهدًا وتقشفًا في حياته الخاصة. فقد عاش حياة بسيطة للغاية في مسكن مستأجر قرب ساحة الجندي المجهول في بغداد، ولم يُعرف عنه امتلاك ثروات كبيرة أو استغلال المنصب لتحقيق مكاسب شخصية أو عائلية. كما لم يتزوج طوال حياته، وحرص على منع أقاربه والمقربين منه من الاستفادة من نفوذه السياسي للحصول على امتيازات اقتصادية أو مناصب حكومية، مؤكدًا مبدأ الفصل بين المسؤولية العامة والمصالح الخاصة.
وكانت سمعته الوطنية قد تشكلت قبل وصوله إلى الحكم، إذ شارك ضابطًا في حرب فلسطين 1948 ضمن القوات العراقية، الأمر الذي عزز صورته لدى كثير من العراقيين والعرب بوصفه ضابطًا وطنيًا قريبًا من القضايا العربية. كما ارتبط اسمه بدعم القضية الفلسطينية خلال فترة حكمه، وتُنسب إلى عهده مبادرات مبكرة أتاحت للفلسطينيين تلقي تدريبات عسكرية في معسكر الرشيد في بغداد، في إطار الدعم العراقي المتواصل للشعب الفلسطيني.
وقد انعكست هذه السلوكيات والمواقف على صورة الدولة الجديدة، إذ أصبحت النزاهة الشخصية للقائد جزءًا من الخطاب الرسمي الذي يدعو الموظفين إلى احترام المال العام وخدمة المواطنين. ورغم أن النزاهة الفردية وحدها لا تكفي لبناء مؤسسات رقابية دائمة وفعالة، فإنها أسهمت في ترسيخ نموذج أخلاقي مغاير للصورة التي كان ينتقدها أنصار الثورة في العهد السابق، وعززت مكانته لدى شرائح واسعة من المجتمع العراقي بوصفه حاكمًا متقشفًا وقريبًا من عامة الناس، ومرتبطًا بقضايا الاستقلال الوطني ودعم القضية الفلسطينية.
شركة نفط العراق وترتيب الامتيازات الأجنبية
في عام 1928، كانت عدة جهات أجنبية تمتلك بشكل مشترك شركة أصبحت تُعرف لاحقًا باسم شركة نفط العراق. وكانت ملكية الشركة موزعة بين عدد من القوى الدولية على النحو التالي: 23.75% لشركة النفط الأنجلو-فارسية (بريطانيا)، و23.75% لشركة رويال داتش شل (هولندا)، و23.75% لشركة البترول الفرنسية (فرنسا)، و23.75% لشركة تطوير الشرق الأدنى (الولايات المتحدة)، إضافة إلى 5% لرجل الأعمال الأرمني كالوست كولبنكيان.
وقد شكّل هذا النظام أحد أبرز مظاهر السيطرة الأجنبية على الثروة النفطية العراقية خلال العهد الملكي، وكان مربحًا للغاية للشركات البريطانية والهولندية والفرنسية والأمريكية، في حين ظل العراق يحصل على عوائد محدودة مقارنة بحجم الإنتاج والأرباح.
وفي هذا السياق، كان نوري السعيد من أبرز المدافعين عن استمرار هذا الوضع، وعن حماية امتيازات الشركة النفطية القائمة، وهو ما جعله في نظر خصومه رمزًا للسياسات الاقتصادية المرتبطة بالنفوذ الغربي، رغم تعقيد المشهد السياسي والاقتصادي في تلك المرحلة.
استعادة السيادة على الثروة النفطية
كانت قضية النفط في صميم مشروع عبد الكريم قاسم الإصلاحي. فقد ورث العراق نظام امتيازات واسعًا منح شركة نفط العراق سيطرة كبيرة على الأراضي النفطية العراقية.
سعت الحكومة إلى زيادة الإنتاج النفطي وتعزيز دور الكفاءات العراقية، ثم صدر قانون رقم 80 لسنة 1961 الذي استعاد نحو 99.5% من أراضي الامتياز غير المستغلة، مع الإبقاء على الحقول المنتجة تحت إدارة الشركة الأجنبية.
وقد شكل هذا القانون نقطة تحول في مسار السيادة النفطية العراقية، ومقدمة لمرحلة لاحقة من تعاظم دور الدولة في إدارة الثروة. كما ساهم العراق في تأسيس منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك).
نتائج سياسات مكافحة الفساد والإصلاح الاجتماعي
أدت سياسات قاسم إلى تنامي شعبيته داخل العراق، خصوصًا بين الفئات الفقيرة والفلاحين. فقد نُفّذ قانون الإصلاح الزراعي عام 1958 بإشراف وزيرة البلديات الدكتورة نزيهة الدليمي، إلى جانب مشاريع إسكان كبرى في بغداد ومدن أخرى هدفت إلى إزالة مناطق العشوائيات وتوفير مساكن لذوي الدخل المحدود، وتوسيع البنية التحتية والطرق والجسور والخدمات العامة.
كما شملت السياسات مشاريع ري وإسكان أسهمت في إعادة تشكيل الريف العراقي، وظهرت تجمعات سكنية جديدة للفلاحين المستفيدين من الإصلاح الزراعي.
وقد أسهمت هذه العوامل في تعزيز شعبيته، رغم مخاوف خصومه السياسيين والطبقات التقليدية وبعض القوى الخارجية من التحولات الاجتماعية العميقة التي أحدثتها سياساته.
بين الثورة والعنف السياسي
لا يمكن تناول تجربة مكافحة الفساد في عهد الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم دون الإشارة إلى الأحداث الدموية التي رافقت سقوط النظام الملكي. فقد تُتهم ثورة 14 تموز 1958 بمقتل معظم أفراد الأسرة المالكة، رجالًا ونساءً وأطفالًا، كما قُتل نوري السعيد وابنه في ظروف مأساوية أعقبها سحل جثته في الشوارع.
وتختلف التفسيرات حول هذه الأحداث؛ فهناك من يرى أنها كانت ردود فعل غير منظمة ولم تكن ضمن قرار سياسي مباشر من عبد الكريم قاسم، بينما يذهب آخرون إلى تفسيرها ضمن سياق صراع سياسي واجتماعي حاد، بل ويرونها نتيجة لانهيار منظومة حكم ارتبطت في نظرهم بالامتيازات الطبقية والثراء الفاحش على حساب الشعب العراقي، وهو ما امتد في بعض السرديات إلى أفراد العائلة المالكة وأحفادهم. ومع ذلك، فإن توصيف هذه الأحداث اليوم يظل محل جدل تاريخي وأخلاقي واسع، ولا يمكن حسمه بتفسير واحد قاطع.
خاتمة
لقد مثّلت تجربة الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس تقوم على العدالة الاجتماعية والنزاهة الإدارية والاستقلال الوطني. فقد سعى إلى مواجهة الفساد بمفهومه الواسع، من خلال إصلاح مؤسسات الدولة، والحد من الامتيازات الإقطاعية، وتشريع قوانين لمحاسبة المسؤولين، واستعادة جزء كبير من السيادة على الثروة النفطية، إلى جانب تقديم نموذج شخصي في الزهد والتقشف واحترام المال العام.
وفي الوقت نفسه، ارتبط مشروعه السياسي بدعم القضية الفلسطينية، مستفيدًا من رصيده الوطني الذي اكتسبه منذ مشاركته في حرب فلسطين عام 1948. وقد أسهمت هذه المواقف، إلى جانب سياساته الاجتماعية ومشروعاته الرامية إلى مكافحة الفساد وتعزيز العدالة الاجتماعية، في زيادة شعبيته بين الفقراء والعمال والفلاحين وشرائح واسعة من المجتمع العراقي.
ومع ذلك، فإن تجربة عبد الكريم قاسم لا تزال موضع نقاش واسع بين المؤرخين والباحثين؛ فبينما يراها أنصاره مشروعًا للإصلاح والعدالة الاجتماعية والتحرر من الهيمنة الأجنبية، يرى منتقدوه أنها واجهت تحديات سياسية ومؤسساتية حالت دون تحقيق جميع أهدافها. وبين هذين التقييمين، يبقى إرثه جزءًا مهمًا من تاريخ العراق الحديث، وتجربةً تستحق الدراسة لفهم العلاقة المعقدة بين السلطة والإصلاح ومكافحة الفساد، ودور القيادة السياسية في بناء مؤسسات الدولة وترسيخ قيم النزاهة والعدالة الاجتماعية.
فيديو نادر
فيديو نادر يوثق جانبًا من مرحلة ما بعد ثورة 14 تموز 1958، ويُظهر تنامي شعبية الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم بين العسكريين والمدنيين نتيجة التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها العراق في تلك الفترة، وما رافقها من تغييرات واسعة في بنية الدولة والمجتمع.
انتهى