صباح البغدادي
وصل رئيس جهاز المخابرات التركي إبراهيم قالن إلى العاصمة العراقية بغداد يوم الثلاثاء الموافق 30 حزيران 2026 وبدأ لقاءاته الرسمية والمعلنة في ذات اليوم مع رئيس الجمهورية نزار آميدي ورئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، واستمرت جولته في العراق حتى يوم الأربعاء 1 تموز حيث انتقل بعدها إلى مدينة كركوك وجاءت هذه الزيارة بصورة مفاجئة وعاجلة وغير متوقعة بعد موجة الاعتقالات الكبرى التي نفذتها الحكومة العراقية فجر يوم الأحد الماضي وأدت للإطاحة بمسؤولين بارزين، وتتمثل التسريبات الموثقة والتي حصلنا عليها خلال الساعات الماضية من بعض السادة المسؤولين الأفاضل وأثناء حوارتنا ومن الكواليس السياسية غير الرسمية المحيطة بالزيارة المفاجئة، حيث يُنظر إليها في الأوساط السياسية كرسالة تحذير صارمة من أنقرة لحماية حلفائها السُّنة، واستخدام ملف “أموال وعقارات قادة الإطار التنسيقي في تركيا” كأداة ضغط لمنع استهدافهم ولذا فن طبيعة الزيارة المفاجئة وعلى عكس ما روّج له الإعلام الحكومي كزيارة بروتوكولية مجدولة، فإن التوقيت الذي أعقب انطلاق حملة “صولة الفجر” مباشرة يؤكد الطابع العاجل والمفاجئ للزيارة لبحث تداعيات ملاحقة الشخصيات السياسية السُّنة وعدم التمادي بها وكانها شيئ تحصيل حاصل من حيث تعمد رئيس المخابرات التركية إبراهيم قالن عقد لقاءات مباشرة وعلنية مع أبرز قادة الكتل السُّنية مثل خميس الخنجر ومحمد الحلبوسي وهيبت الحلبوسي، وهو ما اعتبر “حماية إقليمية علنية ومباشرة” لهؤلاء الفاسدين لضمان سلامتهم من الملاحقة القضائية ” وتشير التسريبات التي حصلنا عليها بان ملف الأموال والعقارات كأداة ضغط على كل من تسول نفسه بالمساس بهؤلاء وإلى أن تركيا تمتلك دليلاً شاملاً وحسابات مرصودة لعقارات وأموال قادة الفساد من الإطار التنسيقي المسجلة في البنوك والمدن التركية منذ عام 2003، وأن التلويح بكشف هذه الملفات يُعد خطاً أحمر وتهديداً متبادلاً لإجبار الحكومة على كبح جماح الحملة وضمان عدم خروجها عن التوازنات السياسية المرسومة لها مسبقا وتوضح لنا هذه التطورات بصورة “قطعية” وليست “ظنية” أن مسرحية عملية “صولة الفجر” والتي نفذت بسيوف خشبية لم تعد مجرد حملة قضائية داخلية ضد الفساد، بل تحولت سريعاً إلى ساحة كسر إرادة سياسية وتصفية حسابات إقليمية، حيث تدخلت أنقرة بثقلها الاستخباري لفرض خطوط حمراء تمنع المساس بوجود حلفائها في المشهد العراقي ومن جهة اخرى دخلت أيران على الخط لحماية حلفائها ضد أي تدخل أمريكي محتمل ؟ وحددت السلطات «الساعة الثانية فجر يوم الأحد 28 (حزيران) 2026 موعداً لساعة الصفر». ورغم أن العملية بدأت، حسب مصادر موثوقة، بإغلاق بوابات المنطقة الخضراء ومداخل ومخارج بغداد، ونشر قوات في محيط مطار بغداد الدولي، فإن العملية المعنية بالمسار السري كانت قد انطلقت في الوقت نفسه في مناطق أخرى داخل بغداد وجنوب البلاد وحظيت الحملة، التي نفذتها قوات نخبة من الجيش العراقي وجهاز مكافحة الإرهاب والفرقة الخاصة، باهتمام واسع في العراق .
ولكن، خلف الستار الرسمي المروّج للحملة باعتبارها معركة وطنية لتطهير مؤسسات الدولة، تكشفت كواليس استخباراتية وسياسية معقدة تجاوزت الحدود العراقية، لتتحول الحملة سريعاً من ملف قضائي داخلي إلى ساحة كسر إرادة وتصفية حسابات بين القوى الإقليمية النافذة في المشهد العراقي .
ومن خلال جرس الإنذار التركي: ملف الأموال والعقارات مقابل الحماية السياسية فلم يكد غبار الاعتقالات الأولى يهدأ، حتى حطّ رئيس جهاز المخابرات التركي، إبراهيم قالن، في بغداد بزيارة اتسمت بالطابع المفاجئ والعاجل، على عكس ما حاولت الماكينة الإعلامية الحكومية تصويره كزيارة بروتوكولية مجدولة مسبقاً وفقاً لتسريبات متطابقة وموثوقة تداولتها الأوساط السياسية بالمنطقة الخضراء خلف الكواليس، لم تكن زيارة قالن دبلوماسية، بل كانت “رسالة تحذير وتوضيح” صارمة لحماية حلفاء أنقرة في المشهد السُنّي. فبعد أن تعمد رئيس المخابرات التركية عقد لقاءات مباشرة وعلنية مع أقطاب المكون السُنّي مثل خميس الخنجر ومحمد الحلبوسي وهيبت الحلبوسي نقلت التسريبات أن أنقرة لوّحت بورقة ضغط بالغة الحساسية. قضت هذه الورقة بأن استهداف الرموز والقيادات السُنّية الداعمة لتركيا تحت غطاء مكافحة الفساد، سيضطر الحكومة التركية إلى كشف حساب شامل ومفصل لجميع قادة “الإطار التنسيقي” المتورطين في ملفات فساد منذ عام 2003 وحتى الآن، ولا سيما ما يتعلق بأرصدتهم، وحساباتهم البنكية، وعقاراتهم الضخمة المرصودة داخل المدن التركية.
هذا التلويح الاستخباري التركي وضع خطاً أحمر واضحاً أمام بغداد، مفاده أن المساس بحلفاء أنقرة سيعني تفجير القنبلة الموقوتة لملفات أموال قادة الإطار في الخارج. والفيتو الإيراني: شبح “الانقلاب” ومعادلة “الكل خاسر لان على المقلب الآخر، لم تكن طهران وقادة الحرس الثوري الإيراني بعيدين عن المشهد. ففي الساعات الأولى لانطلاق الحملة وسرية تحركات قوات النخبة في المنطقة الخضراء، سادت حالة من الارتباك الأمني الحاد داخل أروقة الفصائل المسلحة الموالية لإيران، حيث تداولت أجهزتها اللاسلكية والنداءات العاجلة تقديرات تفيد بأن ما يحدث هو “انقلاب عسكري” يهدف إلى تقويض نفوذها وسرعان ما تحول الارتباك إلى غضب سياسي عندما امتدت المداهمات إلى مناطق شرق بغداد ومحافظات الجنوب، مستهدفةً واجهات اقتصادية وشبكات متهمة بتهريب النفط والتمويل ترتبط بشكل وثيق بالفصائل وهنا، دخلت القيادات الإيرانية على خط الأزمة بشكل مباشر لضبط إيقاع “صولة الفجر” ومنع تماديها. وجاء التحذير الإيراني للحكومة العراقية حاسماً ومباشراً: التمادي في الملاحقة القضائية، ومحاولة الوصول إلى “رؤوس الصف الأول” في المنظومة الشيعية الحاكمة، سيعني تفجير السلم الأهلي وتقويض النظام السياسي من أساسه واعتبرت طهران أن هذه الحملة تحمل “دفعاً وإشارات أمريكية” واضحة تهدف إلى تفكيك قوى المقاومة وتجفيف منابع تمويلها، ولذلك وضعت فيتو قاطعاً يقضي بضرورة الاكتفاء بما تم القبض عليه حالياً لامتصاص غضب الشارع العراقي وإلهائه مؤقتاً ، دون تخطي الخطوط الحمراء المرسومة للنفوذ الإقليمي.
قراءة مستقبلية ونظرة استباقية: الثقة المفرطة ومآلات “الكل خاسر” وإن القراءة الموضوعية لمستقبل “صولة الفجر” تشير إلى أن الثقة المفرطة التي تبديها الحكومة العراقية الحالية في قدرتها على تفكيك شبكات الفساد الضاربة في عمق الدولة يجب أن تُلجم فوراً، وألا تندفع وراء أوهام القدرة المطلقة، حتى وإن كانت هذه الحملة تحظى بـ “ضوء أخضر” أو دعم سياسي واستخباري أمريكي. وإن التوازنات المعقدة في العراق تُثبت تاريخياً أن الملفات القضائية لا يمكنها الصمود أمام السلاح المنفلت والنفوذ الإقليمي المتقاطع. الاندفاع الأعمى في ملاحقة المسؤولين دون مراعاة هذه الخطوط الحمراء لن يؤدي إلى دولة القانون، بل سيقود البلاد إلى منزلق أمني خطير وحالة من الفوضى الشاملة التي لن يخرج منها أحد ناجحاً على الإطلاق.
في هذه المعادلة الصفرية، سيكون الجميع خاسرين بطريقة أو بأخرى؛ فالمنظومة الحاكمة ستواجه خطر الانهيار الهيكلي، والفصائل قد تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع الدولة، والاستقرار الهش سيتلاشى. بناءً على المعطيات السابقة، فإن الخيار الأكثر عقلانية وواقعية للحكومة العراقية في الوقت الراهن هو الاكتفاء بهذا القدر من الاعتقالات، وإغلاق ملف “صولة الفجر” عند حدود التفاهمات السياسية الحالية، وإنهاء الموضوع فوراً قبل أن تتحول الحملة المفتعلة إلى شرارة تحرق المعبد على رؤوس الجميع.
جرس الإنذار التركي والخليجي: الحلبوسي والخنجر “خط أحمر” حيث كشفت اللقاءات التي جرت قبل يومين عن حجم الضغط الإقليمي المسلط على القضاء العراقي والحكومة. في لقاء عاصف، التقى رئيس المخابرات التركية رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان، وبلّغه بالحرف الواحد: “محمد الحلبوسي خط أحمر”. وفي ذات السياق، دخلت إحدى دول الخليج البارزة على خط الأزمة لتبلغ حكومة علي الزيدي رسمياً بأن “خميس الخنجر خط أحمر”، في إشارة واضحة إلى أن المحور السُّني الإقليمي لن يسمح بتفكيك أوراقه السياسية في العراق تحت غطاء مكافحة الفساد. ولكن الرد التركي لم يتوقف عند حدود إطلاق التحذيرات الشفهية، بل تعداه إلى مواجهة رئيس الوزراء علي الزيدي بملفات استخبارية مرعبة وموثقة تمتلكها أنقرة حول إمبراطورية الفساد المالي التابعة لعائلته.
التهديد بالملفات الساخنة: غسيل الأموال، والتجارة، وإطعام “الدفاع”
نقلت الينا المصادر المسؤولة المطلعة بالقرب من المطبخ السياسي لقادة الاطار التنسيقي بأن رئيس المخابرات التركية واجه رئيس الوزراء علي الزيدي بتهديد صريح وعلني قائلاً: “سأفتح عليك وعلى شقيقك حسن الزيدي جميع ملفات غسيل الأموال”، في إشارة إلى الأرصدة والعقارات والحسابات المرصودة لدى البنوك التركية. وتتضمن هذه الملفات التي تلوّح بها أنقرة كقنبلة موقوتة ما يلي:
- ملف تهريب الأموال إلى إيران: رصد حسابات وحركات مالية ضخمة لغسيل الأموال وتهريب العملة الصعبة باتجاه طهران عبر واجهات تجارية مرتبطة بعائلة رئيس الوزراء.
- ملف وزارة التجارة: عقود واحتكارات كبرى مشبوهة في قطاع الاستيراد والتموين القائم على المحاصصة والتربح الحزبي.
- ملف إطعام جنود ومنتسبين وزارة الدفاع: الفضيحة الأكبر التي تمثلت في سيطرة الشركات التجارية التابعة لرئيس الوزراء علي الزيدي وشقيقه حسن على عقود إطعام القوات المسلحة بمليارات الدنانير، وتحقيق أرباح خيالية على حساب أرزاق الجنود.
قراءة مستقبلية ونظرة استباقية لان الثقة المفرطة ومآلات “الكل خاسر” وان هذه التفاصيل الاستخبارية الصادمة تؤكد أن الثقة المفرطة التي أبدتها حكومة علي الزيدي في انطلاق حملة “صولة الفجر” – حتى وإن كانت مستندة إلى ضوء أخضر أو دعم أمريكي خلف الكواليس – كانت رهاناً خاسراً وغير مدروس العواقب.
إن محاولة اللعب في عش الدبابير الإقليمي دون تحصين داخلي حقيقي أثبتت أن أدوات الضغط الاستخبارية التي تمتلكها دول الجوار (سواء ملفات غسيل الأموال التركية أو النفوذ المسلح الإيراني) أقوى بكثير من هيبة الدولة العراقية المخترقة. الاندفاع الأعمى في هذه الحملة المفتعلة لن يقود إلى إصلاح، بل سيؤدي إلى تعرية كاملة للمنظومة الحاكمة وفوضى سياسية شاملة لن يخرج منها أحد ناجحاً.
الجميع اليوم في بغداد خاسرون بصورة أو بأخرى؛ فالدولة فقدت ما تبقى من سيادتها، والحكومة باتت مهددة بالفضيحة والسقوط عبر ملفاتها المالية الموثقة في الخارج. بناءً على هذه الوقائع، فإن الخيار الواقعي والوحيد المتبقي أمام رئيس الوزراء علي الزيدي هو الانصياع الفوري للخطوط الحمراء، والاكتفاء بهذا القدر من الاعتقالات لامتصاص الغضب الشعبي مؤقتاً، وإغلاق ملف “صولة الفجر” وانتهى الموضوع فوراً، قبل أن تُفتح ملفات شقيقه حسن وشركات الإطعام والتجارة، وتتحول الصولة إلى حبل مشنقة سياسية يلتف حول عنق الحكومة نفسها.
تشير المصادر الاستخبارية والمطلعة المحيطة بكواليس المباحثات المغلقة في بغداد، إلى أن زيارة رئيس جهاز المخابرات التركي إبراهيم قالن لم تكن مجرد زيارة تواصل دبلوماسي أو مناورة سياسية عادية، بل حملت في طياتها طابعاً “تأديبياً” صارماً وغير مسبوق في تاريخ العلاقات بين البلدين. ووفقاً للمعلومات المسربة، فإن قالن أبلغ رئيس مجلس القضاء الأعلى، القاضي فائق زيدان، صراحة وبكل وضوح أثناء لقائهما العاصف، بأن التمادي في استهداف أو ملاحقة القيادات السنية البارزة والمدعومة من تركيا تحت غطاء حملة “صولة الفجر” سيعني مواجهة مباشرة لن تتحملها بغداد. وحذر قالن من أن أنقرة ستضطر في حال استمرار هذا الاستهداف إلى فتح “الصندوق الأسود” لملفات قادة وسياسيي “الإطار التنسيقي” ورجال الدين المحسوبين على الفصائل المسلحة.
ووفقاً لذات المصادر، فإن التهديد التركي يتجاوز ملفات الفساد المالي الحالي؛ إذ يمتد ليشمل مرحلتين تاريخيتين في غاية الحساسية:
- ملفات ما قبل عام 2003: وثائق وأسرار تحركات قادة الإطار الحاليين عندما كانوا يتواجدون كمعارضين لنظام صدام حسين، وطبيعة ارتباطاتهم الإقليمية والدولية في تلك الحقبة.
- ملفات الحرب السورية (2011 – 2019): الفضيحة الأكبر والأكثر خطورة التي لوّحت بها أنقرة، والمتعلقة بالتعاون الوثيق بين الفصائل العراقية والرئيس السوري المخلوع بشار الأسد. وتتضمن هذه الملفات وثائق رسمية ومستندات بالغة السرية، بالإضافة إلى تسجيلات مصورة وموثقة “بالصوت والصورة” تدين قادة ومقاتلي هذه الميليشيات المدعومة من العراق، وتثبت تورطهم المباشر في الجرائم والانتهاكات التي ارتُكبت بحق الشعب السوري أثناء الحرب الأهلية دفاعاً عن النظام السوري المخلوع.
وتكشف الكواليس الاستقصائية أن هذه الوثائق والتسجيلات المرعبة وقعت بالكامل في يد المعارضة السورية ورئيس الحكومة الانتقالية أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) فور الإطاحة بنظام بشار الأسد وسقوط دمشق، وحصلت المخابرات التركية على نسخ كاملة وموثقة منها. وهو ما يفسر الهلع الذي أصاب الأوساط السياسية في بغداد قبل فترة وجيزة، حيث اضطر السياسي العراقي عزت الشاهبندر، برفقة رئيس جهاز المخابرات العراقي الأسبق خالد الشطري، إلى إجراء زيارات مكوكية سرية وعاجلة خارج العراق بهدف التوسل والضغط لمنع نشر هذه التسجيلات المصورة والوثائق الحساسة في الصحافة ووسائل الإعلام العالمية والمحلية، مقابل شرط صريح وصارم تعهدت به بغداد: أن تلتزم الحكومة العراقية بالصمت المطبق، وألا تقوم بتهيئة أو تهييج الإعلام العراقي ضد الحكومة السورية الجديدة في دمشق.
هذا التلويح التركي بفتح ملفات الجرائم في سوريا وإخراج التسجيلات المصورة إلى العلن، شكّل أداة ضغط تأديبية قاصمة وضعت السلطة القضائية والتنفيذية في بغداد أمام خيارين: إما إيقاف استهداف الرموز السنية فوراً، أو مواجهة فضيحة دولية وقانونية تطيح بكبار قادة الفصائل والإطار التنسيقي أمام المجتمع الدولي والشارع العراقي على حد سواء.
جولات الشاهبندر والشطري السرية: كيف التقت جرائم الحرب في سوريا بملفات غسيل الأموال في تركيا؟
فلم تكن التحركات الاستخبارية والسياسية الأخيرة مجرد رد فعل عاطفي، بل كشفت المصادر المطلعة عن كواليس “الغرف المغلقة” التي قادها السياسي العراقي عزت الشاهبندر رفقة رئيس جهاز المخابرات العراقي الأسبق خالد الشطري. هذه الجولات المكوكية السرية التي جرت خارج العراق، لم تكن تهدف فقط إلى التوسل الدبلوماسي لمنع نشر التسجيلات المصورة والوثائق الحساسة التي غنمتها المعارضة السورية ورئيس الحكومة الانتقالية أحمد الشرع بعد الإطاحة ببشار الأسد، بل كانت في عمقها محاولة مستميتة لحماية “الشرريين الماليين” لمنظومة الحكم في بغداد وتأمين خطوط غسيل الأموال الشائكة. ونوضح بدورنا ومن خلال هذه التحليلات الاستقصائية أن الربط بين ملف الانتهاكات في سوريا وملف الأموال في تركيا يمثل جوهر الاستراتيجية التأديبية التي استخدمها إبراهيم قالن في بغداد، وتتضح هذه الروابط في النقاط الحيوية التالية:
- تلازم الوثائق والأرصدة: إن الوثائق والمستندات الرسمية التي حصلت عليها تركيا والمعارضة السورية لم تقتصر على الأدلة الجنائية والعسكرية للفصائل، بل تضمنت كشوفات مالية وعقوداً تجارية تثبت كيف استُخدمت شركات الواجهة في دمشق وبيروت لغسيل الأموال وتهريب العملة الصعبة من العراق باتجاه طهران وأنقرة، وتحت غطاء تمويل العمليات العسكرية والاقتصادية المتبادلة بين عامي 2011 و2019.
- الابتزاز المتبادل في جولات التفاوض: خلال اللقاءات السرية التي أجراها الشاهبندر والشطري، واجهتهم الأطراف الإقليمية بحقيقة أن صمت الصحافة والإعلام العالمي عن نشر تلك الفضائح والتسجيلات المصورة مشروط بـ”سلوك بغداد السياسي”. وجاءت “صولة الفجر” لتخل بهذا الاتفاق؛ حيث اعتبرت أنقرة استهداف حلفائها السُّنة محاولة من حكومة علي الزيدي للتمرد على هذه التفاهمات، مما دفع رئيس المخابرات التركية للتهديد بفتح الحساب الشامل لغسيل الأموال الذي يشمل رئيس الوزراء وشقيقه حسن الزيدي، بجانب قادة الإطار.
- شبكة المصالح المشتركة لـ”الدفاع والتجارة”: كشفت وثائق الجولات السرية أن جزءاً كبيراً من الأموال المغسولة في البنوك التركية يعود لعقود احتكارية مشبوهة داخل وزارة التجارة العراقية وملف إطعام منتسبي وزارة الدفاع. هذه الإمبراطورية المالية التي يديرها حسن الزيدي تم رصد حركاتها عبر شركات تجارية نقلت مئات الملايين إلى تركيا، وهو ما جعل التهديد التركي بفتح ملف غسيل الأموال بمثابة “ضربة قاضية” تستهدف رأس الحكومة مباشرة وعائلته الاقتصادية، وليس فقط قادة الفصائل.
أدت هذه التوليفة المرعبة من الأدلة الموثقة (بالصوت والصورة لجرائم الحرب في سوريا، وبأرقام الحسابات البنكية لغسيل الأموال في تركيا) إلى تجريد حكومة علي الزيدي ومجلس القضاء الأعلى بقيادة فائق زيدان من أي قدرة على المناورة. وبات واضحاً أن الإصرار على استهداف الحلبوسي أو الخنجر سيعني “الانتحار السياسي والملاحقة الدولية” لقادة الإطار الحاكم وعائلة رئيس الوزراء على حد سواء، مما يفرض نهاية حتمية وسريعة لمسرحية حملة “صولة الفجر” والتي تم أخراجها بصورة بائسة من خلال مطابخ الدولة العميقة .