النزوح السومري الكبير من العمارة الى مدينة الثورة (الصدر حالياً)

رحلة الهروب من القهر وبحثاً عن الكرامة والحياة.

أسعد صباح البديري

بدأت موجات الهجرة الكبرى في الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين، وتركزت بشكل كبير من محافظتي ميسان (العمارة) وذي قار (الناصرية). لم تكن هجرة ترفيهية، بل كانت مدفوعة بعوامل قاهرة:

نظام الإقطاع القاسي كان السبب الأول والرئيسي. في تلك الفترة، سيطر عدد قليل من شيوخ العشائر (الإقطاعيين) على مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية بدعم من العهد الملكي. كان الفلاح يعمل في ظروف أقرب إلى السخرة، وتُفرض عليه ضرائب باهظة تُعرف بـ “الودية”، مما جرده من أبسط حقوقه الإنسانية والاقتصادية.

عانى الجنوب من توالي مواسم الجفاف تارة، والفيضانات المدمرة تارة أخرى، مما أدى إلى تلف المحاصيل ونفوق المواشي، وهي المصدر الوحيد لرزق الفلاحين.

كانت الرحلة بحد ذاتها قصة شقاء. العائلات كانت تتسلل ليلاً هرباً من حراس الإقطاعيين، يقطعون مئات الكيلومترات في عربات خشبية مكشوفة تجرها خيول منهكة، حاملين معهم القليل من الأمتعة، وربما بعض الحيوانات كالجواميس أو الأغنام.

عند وصولهم إلى بغداد، صُدم النازحون بواقع قاهر؛ فلم ترحب بهم العاصمة كعراقيين شركاء في الوطن، بل جرى تهميشهم وعزلهم في مناطق نائية عن مركز العاصمة عُرفت بأحزمة الفقر، وأبرزها منطقة “خلف السدة” (السدة الشرقية التي كانت تحمي بغداد من الفيضان)، و**”الشاكرية”، و”العاصمة”**.

لعدم امتلاكهم المال، بنى المهاجرون بيوتاً عشوائية تُسمى “الصرائف”، وهي أكواخ مصنوعة من القصب والطين وحصران البواري، تُسقف أحياناً بقطع الصفيح (التنك).

بحسب إحصاءات عام 1956، تجاوز عدد الصرائف في بغداد 16 ألف صريفه ضمت عشرات الآلاف من السكان. كانت هذه العشوائيات بلا شوارع، بلا مياه شرب معقمة، وبلا كهرباء. تحولت الأزقة الطينية في الشتاء إلى مستنقعات للأمراض، وفي الصيف إلى أفران لاهبة.

بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت بغداد تشهد نمواً اقتصادياً وعمرانياً. تحولت العاصمة إلى نقطة جذب للفلاحين المعدمين الذين بحثوا عن أي عمل يومي (بناء، حمالة، خدمات) لسد رمق عوائلهم.

عندما وصل المهاجرون إلى بغداد، لم يجدوا بيوتاً بانتظارهم. عاشوا ظروفاً مأساوية يمكن تلخيصها في مرحلة “الصرائف”:

بنى المهاجرون أكواخاً من الطين والقصب والبواري (تُعرف بالصرائف) في أطراف بغداد، وخصوصاً في مناطق مثل “الشاكرية”، “العاصمة”، و”خلف السدة” (سدة ناظم باشا لحماية بغداد من الفيضان).

كانت هذه التجمعات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة؛ لا ماء صالح للشرب، لا كهرباء، ولا شبكات صرف صحي.

انتشرت الأمراض المعدية بسبب سوء التغذية وتلوث المياه. كما عانى المهاجرون من تنمر وتهميش طبقي من قبل بعض سكان العاصمة الأثرياء في ذلك الوقت، حيث نُظر إليهم كطبقة دنيا.

حاولت الحكومات الملكية المتعاقبة منعهم وإعادتهم إلى أراضي الإقطاعيين بالقوة أحياناً.

وثّق الأدب العراقي والمرويات الشفهية العديد من الحكايات التي رافقت هذه الحقبة، ولعل أبرز من رصدها هو علم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي، والروائي عبد الله صخي في روايته “خلف السدة”:

تتحدث الروايات عن فلاحين اعتادوا قيم الكبرياء والأنفة العشائرية في الجنوب، وجدوا أنفسهم مجبرين على ممارسة أشق الأعمال وأدناها أجراً في بغداد (كالحمالين، وعمال النظافة، وباعة متجولين) من أجل إطعام أطفالهم، بينما عملت نساؤهم في المنازل أو في بيع “القيمر” والمأكولات الشعبية.

تروي القصص كيف كان النزوح يتم أحياناً بشكل جماعي تقوده شخصيات دينية أو اجتماعية محترمة تُنظم عملية الهروب وتساعد في توزيع مساحات بناء الصرائف في بغداد، في محاولة للحفاظ على تماسك النسيج العشائري حتى في المنفى الداخلي.

من أشهر القصص المتداولة ما رواه العقيد محسن الرفيعي، حين أصر الزعيم عبد الكريم قاسم على زيارة منطقة “خلف السدة” في ليلة عاصفة وممطرة. وحين رأى العوائل غارقة في الطين وسط انهيار أكواخ القصب، قال مقولته الشهيرة: “هل يمكن لبشر أن يعيش وسط هذه الأجواء؟ والله لأسكنهم في دور عامرة مجهزة بالماء والكهرباء وتتصل ببغداد بطرق معبدة.”

لكن التحول الجذري حدث بعد ثورة 14 تموز 1958.

أدرك رئيس الوزراء آنذاك، عبد الكريم قاسم، حجم المأساة الإنسانية لسكان الصرائف. لم يكتفِ بالتعاطف، بل اتخذ قراراً جريئاً بإنهاء هذه العشوائيات وتوفير سكن لائق لهم، وهو ما شجع استقرارهم النهائي ووفر لهم الغطاء القانوني والإنساني.

في عام 1959، كلفت حكومة قاسم المهندس المعماري اليوناني الشهير كونستانتينوس دوكسياديس بتصميم مدينة حديثة متكاملة في الجهة الشرقية من قناة الجيش.

تم تخطيط المدينة على شكل قطاعات هندسية متساوية (شبكة متعامدة)، وبُنيت آلاف الوحدات السكنية (بمساحة 144 متراً مربعاً للبيت الواحد). تم توزيع هذه البيوت على سكان الصرائف بأسعار رمزية وتسهيلات حكومية، وسُميت بـ “مدينة الثورة” (تيمناً بثورة 1958)، لتتحول من تجمع للفلاحين المعدمين إلى أكبر مدينة عمالية وشعبية في العراق.

تحولت بفضل إرادة أبنائها إلى أعظم منجمٍ للإبداع العراقي، والمُصدّر الأول للكفاءات الوطنية. لقد تفاعلت أصالة وعنفوان الجنوب مع تمدن بغداد لتُنتج ظاهرة ثقافية واجتماعية فريدة، برز أثرها جلياً في عدة ميادين:

من شوارعها المتواضعة، انطلق أعظم شعراء العراق، وتحديداً رواد وقامات “القصيدة الشعبية الحديثة”. لقد حمل هؤلاء الشعراء شجن الهور وصدق القرية، ونسجوا منهما قصائد وملاحم وجدانية أصبحت هي الصوت المعبّر عن ضمير الشعب العراقي بأسره.

أنجبت المدينة نخبة من أعظم المطربين، والملحنين، وعازفي أطوار الشجن العراقي. لقد شكل أبناء هذه المدينة ملامح الأغنية العراقية الحديثة، ونقلوا التراث الجنوبي الأصيل ليتردد صداه في أرقى مسارح العاصمة، جاعلين من أصواتهم ذاكرةً موسيقية لا تُمحى.

لم تقف ظروف الفقر عائقاً أمام طموح أبنائها؛ فقد اتخذوا من التعليم سلاحاً للارتقاء. ونتيجة لذلك، خرّجت المدينة مفكرين، وأكاديميين، وكُتّاباً، وأطباء، ومهندسين، أسهموا بشكل مباشر في بناء مؤسسات الدولة وإثراء المشهد الثقافي والعلمي.

الرياضة والقيادة المجتمعية: كانت الساحات الترابية في المدينة هي “المصنع الأول” لأساطير الرياضة العراقية الذين رفعوا اسم البلاد عالياً في المحافل الدولية. وفي الوقت ذاته، كانت شوارعها مهداً للحركات الوطنية، فخرج منها قادة شعبيون ومناضلون حملوا لواء الدفاع عن العدالة الاجتماعية وحقوق الكادحين.

قصة كفاح عراقية خالصة، وبرهان حي على أن المعاناة هي مصنع الرجال. لقد أثبت أبناؤها أنهم ليسوا مجرد باحثين عن مأوى، بل صُنّاع حضارة، ورعاة إبداع، وشركاء حقيقيون في صياغة هوية العراق الحديث.