هل قتلت الأحزاب الشيوعية فلسفة ماركس؟

زكريا نمر

مع مرور 105 أعوام على تأسيس ، لم يعد السؤال الحقيقي هل نجحت الشيوعية أم فشلت؟ فهذا سؤال ينتمي إلى منطق الانتصار والهزيمة أكثر مما ينتمي إلى منطق المعرفة. أما السؤال الذي يستحق أن يطرح فهو كيف استطاعت الصين أن تتحول من دولة مزقتها الحروب والفقر والمجاعة إلى إحدى أكبر القوى الاقتصادية في العالم تحت قيادة حزب يرفع راية الشيوعية، بينما انتهت تجارب شيوعية كثيرة إلى الانهيار، أو فقدت تأثيرها السياسي، أو تحولت إلى أحزاب تعيش على أمجاد الماضي أكثر مما تصنع المستقبل؟ هذا السؤال لا يبحث عن تمجيد الصين، ولا عن إدانة الشيوعية، بل يحاول فهم العلاقة المعقدة بين الفكرة والواقع، وبين الأيديولوجيا والدولة، وبين النص والتاريخ. فالتاريخ لا يكافئ الأفكار لأنها جميلة، ولا يعاقبها لأنها قبيحة، بل يختبر قدرتها على التكيف مع الواقع وإنتاج مؤسسات قادرة، إن الصين نجحت لأنها طبقت الشيوعية بصورة صحيحة، بينما فشل الآخرون لأنهم أساؤوا التطبيق. لكن هذه الإجابة نفسها تعكس ذهنية أيديولوجية؛ فهي تفترض منذ البداية أن النظرية معصومة، وأن الخطأ لا يكون إلا في البشر. وتبدأ المشكلة، لأن الفكر الذي يعجز عن مساءلة نفسه يتحول من أداة لفهم الواقع إلى أداة لتبرير الواقع.

الفلسفة تبدأ من الشك، أما الأيديولوجيا فتبدأ من اليقين. الفلسفة تسأل: لماذا؟ وكيف؟ وهل يمكن أن نكون مخطئين؟ أما الأيديولوجيا فتسأل: كيف نثبت أن ما نؤمن به صحيح؟ ولذلك فإن الفرق بين الفيلسوف والمناضل الأيديولوجي ليس في الذكاء، بل في الموقف من الحقيقة. الفيلسوف يبحث عنها، أما الأيديولوجي فيعتقد أنه يمتلكها.إن كل أيديولوجيا تحمل في داخلها مفارقة خطيرة. فهي تبدأ بوصفها محاولة لتفسير العالم، ثم تنتهي بمحاولة إخضاع العالم لتفسيرها. وحين يحدث ذلك يصبح الواقع هو المتهم، لا النظرية. فإذا فشل الاقتصاد، قيل إن الشعب لم يفهم المبادئ. وإذا انهارت الدولة، قيل إن المؤامرات الخارجية هي السبب. وإذا ثار الناس، قيل إنهم ضحايا للدعاية. أما مراجعة الفكرة نفسها، فتظل من المحرمات.لقد قدم نقدا جذريا للرأسمالية في القرن التاسع عشر، وطرح أدوات تحليل ما زالت مؤثرة في الاقتصاد والاجتماع والسياسة. لكن ماركس لم يكتب دستورا أبديا للدول، ولم يدع أن نصوصه نهاية التاريخ. كان مشروعه في الأصل نقديا، يسعى إلى تفسير الواقع وتحليله. غير أن كثيرا من الأحزاب الشيوعية حولت هذا المشروع إلى منظومة مغلقة، فانتقلت الماركسية من منهج للنقد إلى عقيدة سياسية، ومن أداة للتغيير إلى نصوص تفسر كل شيء ولا تسمح لأحد بأن يفسرها.

وأن ماركس نفسه كان ثائرا على المسلمات، بينما أصبح عند بعض أتباعه مسلمة لا يجوز الاقتراب منها. الرجل الذي دعا إلى نقد المجتمع، أصبح عند بعضهم فوق النقد. وهكذا تحولت الفلسفة إلى أرثوذكسية سياسية، وتحول التفكير إلى تكرار، وتحول الإبداع إلى حفظ للنصوص.لقد نبه إلى خطر النظريات التي تدعي امتلاك قوانين التاريخ، لأن من يعتقد أنه يعرف المستقبل قد يبرر أي وسيلة للوصول إليه. وعندما يقتنع حزب ما بأنه يمثل حتمية التاريخ، يصبح من السهل عليه تهميش المعارضة، وتأجيل الإصلاح، وتبرير الاستبداد باسم الغاية الكبرى.لكن الخطأ سيكون أكبر إذا اعتبرنا أن التجربة الصينية دليل على انتصار الشيوعية بوصفها نظرية. فالصين لم تبق أسيرة التطبيق الحرفي للماركسية الكلاسيكية. لقد أعادت تفسيرها بما يناسب تاريخها وثقافتها وبنيتها الاقتصادية. قبلت اقتصاد السوق، وشجعت الاستثمار الخاص، واستفادت من العولمة، وراهنت على التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا، وربطت شرعية الحزب بقدرته على تحسين مستوى المعيشة وتحقيق التنمية. وهنا يبرز سؤال مشروع: هل انتصرت الشيوعية في الصين، أم انتصرت البراغماتية على الجمود الأيديولوجي؟

إن التجربة الصينية تكشف أن الدولة لا تعيش على الشعارات، بل على قدرتها على التعلم. لقد غيرت الصين سياساتها الاقتصادية مرات عديدة عندما اكتشفت أن بعض الخيارات لم تعد مناسبة. لم تعتبر التراجع عن سياسة معينة خيانة للعقيدة، بل استجابة لمتطلبات الواقع. وهذه المرونة قد تكون أحد أهم أسباب نجاحها.أصرت أحزاب شيوعية كثيرة على أن تظل وفية للنص أكثر من وفائها للمجتمع. انشغلت بالدفاع عن نقاء الفكرة، بينما كانت الدولة تتآكل، والاقتصاد يضعف، والتعليم يتراجع، والكفاءات تهاجر. تحولت المؤتمرات الحزبية إلى ساحات لإعادة إنتاج الخطاب نفسه، لا لمراجعة السياسات أو نقد الأخطاء.وفي كثير من التجارب الإفريقية والعربية، لم تكن المشكلة في الماركسية وحدها، بل في البيئة التي عملت فيها الأحزاب أيضا. فقد نشأت داخل دول ضعيفة، تعاني من الانقسامات القبلية والطائفية، ومن هشاشة المؤسسات، وضعف الاقتصاد، والتدخلات الخارجية، وأزمات الهوية. وفي مثل هذه البيئات، يصعب على أي مشروع سياسي أن ينجح إذا لم يبدأ ببناء الدولة قبل بناء الأيديولوجيا.لكن تحميل البيئة وحدها المسؤولية هو هروب آخر من النقد. فالبيئة الصعبة ليست قدرا يمنع النجاح، بل تحديا يختبر كفاءة القيادة. والصين نفسها لم تبدأ في ظروف مثالية، بل خرجت من حرب أهلية واحتلال وفقر واسع. لذلك فإن الفارق لا يفسر بالظروف وحدها، وإنما أيضا بطريقة إدارة تلك الظروف.

لقد أدرك أن السلطة ليست مجرد سيطرة على مؤسسات الدولة، بل هي أيضا بناء للثقافة والمعرفة والوعي. ولهذا فإن أي حزب يهمل التعليم، والجامعة، والبحث العلمي، والإنتاج الثقافي، يخسر معركته حتى لو احتفظ بالسلطة السياسية. كما بين أن المؤسسات التعليمية والإعلامية والثقافية تؤدي دورا حاسما في إعادة إنتاج الأفكار، وهو ما يجعل بناء الإنسان أكثر أهمية من مجرد بناء التنظيم.إن الأزمة الحقيقية ليست أزمة اليسار وحده، ولا أزمة اليمين، ولا أزمة الليبرالية أو القومية أو الإسلام السياسي. إنها أزمة العقل الأيديولوجي نفسه، ذلك العقل الذي يظن أن كتابا واحدا قادر على تفسير مجتمع متغير، وأن نظرية ولدت في سياق تاريخي معين تصلح لكل زمان ومكان دون مراجعة.فالأيديولوجيا حين تتحول إلى عقيدة مغلقة، تصبح عاجزة عن التعلم. وعندما تصبح عاجزة عن التعلم، تصبح عاجزة عن قيادة الدولة. لأن الدولة لا تدار باليقين، بل بالمراجعة المستمرة، وبالاعتراف بالأخطاء، وبالاستفادة من الخبرة، وبالقدرة على تعديل السياسات.

إن الأمم لا تنهض لأنها تملك أفضل النظريات، وإنما لأنها تملك أفضل المؤسسات. والمؤسسات لا تبنى بالولاء الفكري، بل بالكفاءة، وسيادة القانون، والمساءلة، والإدارة الرشيدة، والاستثمار في الإنسان. أما الحزب الذي يقيس نجاحه بعدد الشعارات التي يرفعها، لا بعدد المدارس التي يبنيها، ولا بالمستشفيات التي يطورها، ولا بالوظائف التي يوفرها، فإنه يتحول مع الزمن إلى مؤسسة دعائية أكثر منه مؤسسة سياسية.أهم درس تقدمه الصين، سواء اتفقنا معها أم اختلفنا، هو أن الأفكار لا تكتسب شرعيتها من جمالها النظري، بل من نتائجها العملية. فالسياسة ليست امتحانا في حفظ النصوص، وإنما فن إدارة الواقع. والواقع لا يعترف بالأيديولوجيات، بل يعترف بمن ينجح في فهمه والتعامل معه.فإن أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه النخب السياسية هو الاعتقاد بأن نجاح الصين وصفة جاهزة يمكن نقلها إلى أي بلد. فلكل مجتمع تاريخه، وثقافته، وبنيته الاقتصادية، ومؤسساته. ولذلك فإن تقليد الصين حرفيا قد يكون فشلا جديدا، تماما كما كان تقليد الاتحاد السوفيتي فشلا في تجارب كثيرة. المطلوب ليس استنساخ التجارب، بل فهم شروط نجاحها وإخضاعها للنقد. ربما لم يكن سر الصين أنها وجدت النظرية الكاملة، بل لأنها لم تجعل النظرية سجنا يمنعها من التعلم. وربما لم يكن سبب فشل تجارب أخرى أنها امتلكت النظرية الخاطئة، بل لأنها تعاملت مع النظرية بوصفها حقيقة نهائية لا تقبل المراجعة.

إن الحضارات لا تصنعها العقائد الجامدة، بل العقول التي تجرؤ على مراجعة نفسها. ولا تنهار الأمم لأنها أخطأت، بل لأنها أصرت على تحويل الخطأ إلى عقيدة، وتحويل العقيدة إلى قدر، وتحويل القدر إلى مصير لا يجوز التفكير في تغييره.إن الحقيقة ليست ملكا لحزب، ولا لفيلسوف، ولا لدولة. الحقيقة مشروع إنساني مفتوح، يتقدم بالنقد أكثر مما يتقدم باليقين، وبالأسئلة أكثر مما يتقدم بالشعارات. وهذه، ربما، هي أعظم المفارقات التي يكشفها تاريخ الأيديولوجيات جميعها.