د. فاضل حسن شريف
جاء في کتاب الإمام أبو جعفر الباقر عليه السلام سيرة وتاريخ للشيخ علي موسى الكعبي: لم يكن بنو أمية وعمالهم ممن يقيم للدين والقيم وزناً، لذلك عملوا على انتهاك الحرمات، والاستهانة بالمقدّسات، وتعطيل سنن الاسلام وشرائعه والاستخفاف بها، وأصبح زمانهم زمان الانحراف عن مسار الإسلام وافراغه من قيمه الأخلاقية والروحية، فنجد عبد الملك بن مروان أول من ينهى عن الأمر بالمعروف، ويقول في خطبته بعد قتل ابن الزبير: ولا يأمرني أحد بتقوى اللّه بعد مقامي هذا إلاّ ضربت عنقه. وترضّى يزيد بن عبد الملك على أبي لهب، وهو في مجلس طرب، وذلك حين غنّاه أحد بني أبي لهب بشعر الفند الزمّاني، فقال له: عمن أخذت هذا الغناء؟ قال: أخذته من أبي، وأخذه أبي عن أبيه، قال يزيد: لو لم ترث إلاّ هذا الصوت لكان أبو لهب لعنه الله ورثكم خيراً كثيراً. فقال المغنّي: يا أمير المؤمنين، إنّ أبا لهب مات كافراً مؤذّياً لرسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم. قال يزيد: قد أعلم ما تقول، ولكني داخلني عليه رقّة، إذ كان يجيد الغناء. هذا واللّه تعالى يقول: “تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ” (المسد 1).
وعن معاوية يقول الشيخ محمد البغدادي في كتابه مسلم بن عقيل عليه السلام: عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه وسلامه الذي سبّه سبّ الله ورسوله يُسبّ على جميع منابر المسلمين ولمدّة ستّين سنة حتّى منع منها عمر بن عبد العزيز مع أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قال: (من سبّ عليّاً فقد سبّني ومن سبّني فقد سبّ الله ومن سبّ الله عزّ وجلّ أكبّه الله على منخريه). بنو امية عائلة وصفها الله سبحانه في كتابه بالشجرة الملعونة، فهل فروعها إلاّ حطب النار، وهل يُعقل أن تُثمر ما فيه نفع للإسلام وأهله، أو تحتوي جوانحهم على كريم الخصال، قال سبحانه لنبيّه الكريم صلى الله عليه وآله وسلم: “وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَ نُخَوِّفُهُمْ فَما يَزيدُهُمْ إِلاَّ طُغْياناً كَبيرا” (الاسراء 60). وعن مولانا الإمام الصادق عليه السلام في تفصيل أبواب جهنّم السبعة: (وهذا الباب الآخر، الذي يدخل منه بنو أميّة، إنّه هو لأبي سفيان ومعاوية وآل مروان خاصّة يدخلون من ذلك الباب فتحطّمهم النار حطماً لا تسمع لهم فيها واعية ولا يحيون فيما ولا يموتون). وفي الحديث المرفوع المشهور وقد رواه الطبري في تاريخه عن النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: (إنّ معاوية في تابوتٍ من نار في أسفل دركٍ منها).
جاء في کتاب الحسين في طريقه إلى الشهادة للخطيب علي بن الحسين الهاشمي: أميّة هم أئمّة الكفر الذين نزل فيهم قوله تعالى: “فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ” (التوبة 12)؛ لأنّ أبا سفيان كان إمام الكفر، وقائد المشركين في وقعة بدر وأحد والأحزاب، ومعه أولاده ورهطه، وفيهم نزل قوله تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً” (آل عمران 10). قال الرازي فيمَنْ يعني بالذين كفروا بعد كلام له: وقيل: هم مشركوا قريش عامّة، وقيل: بل هم أبو سفيان ورهطه خاصّة، ووجهوه بما نقل من إنفاقه المال الكثير على المشركين يوم بدر وأحد. وهم أيضاً الشجرة الملعونة في القرآن، قال تعالى: “وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْيَاناً كَبِيراً” (الاسراء 60). قال الفخر الرازي في تفسيره: عن سعيد بن المسيب أنّه قال: إنّ النبي صلّى الله عليه وآله رأى في منامه أنّ بني اُميّة ينزون على منبره كما تنز القردة، فساءه ذلك. وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، وفيه عن ابن عباس: إنّ الشجرة الملعونة هم بنو أميّة، يعني الحكم بن أبي العاص وأولاده. ومثله قال النيسابوري في تفسيره، ونظير ذلك في البيضاوي، إلاّ إنّه زاد أنّ النبي صلّى الله عليه وآله قال بعد ذلك: (هذا حظّهم في الدنيا يعطونه جزاء عن إسلامهم). وكأنّه كناية عن أنّه لاحظ لهم في الآخرة، وقريب من ذلك في الكشّاف، وأشار إلى ذلك المعتضد العباسي من منشوره حيث قال: ولا خلاف في أنّ الشجرة الملعونة هم بنو أميّة، وممّا يؤكّد هذا التأويل قول عائشة لمروان: لعن الله أباك وأنت في صلبه، فأنت بعض مَنْ لعنه الله. وعن صاحب كتاب (الهاوية)، عن ابن مسعود أنّه قال: لكلّ لشيء آفة، وآفة هذا الدين بنو أمية، حارب أبو سفيان النبي، وحرّض عليه اليهود والمشركين حتّى أسلم عام الفتح كرهاً، وبقي يكيد للإسلام سرّاً وجهراً إلى أن انتهى الأمر إلى عثمان، فقال: تلقّفوها يا بني اُميّة تلقّف الكرة، فإنّه لا جنّة ولا نار، ولا ثواب ولا عقاب. روى البيهقي والزمخشري وكثير من الرواة: أنّ أبا سفيان كان راكباً حماراً، وابنه معاوية يقوده، ويزيد يسوقه، فلمّا نظر إليهم النبي صلّى الله عليه وآله قال: (لعن الله الراكب والقائد والسائق). وكان أبو سفيان رأس بني أمية في الجاهلية، وقائد المشركين، ورأس الأحزاب.
جاء في موقع حوزة الهدى للدراسات الاسلامية عن لماذا لم يعمل الحسين عليه السلام بالتقية لسماحة الشيخ محمّد صنقور: أعتقد أنَّ القارئ الكريم يُدرك مستوى الخطورة المترتِّبة على تأصيل المفهوم الذي روَّج له بنو أميَّة، وهو وجوب الطاعة للسلطان وإنْ جار وظلم وأشاع الفساد والضلال، ذلك لأنَّ هذا المفهوم يُهدِّد بتقويض كلِّ بُنَى الإسلام وقيمه، حيثُ إنَّ للسلطان ممارسة دور التضليل والتجهيل وترويج المفاهيم المنافية للدين وتأصيلها بواسطة الوسائل الكثيرة المتاحة له ولا يجد مَنْ يقف في وجهه، ذلك لأنَّ المفترض أنَّ الوقوف في وجهه ينافي وجوب الطاعة المفروضة على الأمَّة. وبذلك يسير النظام الفاسد بالأمَّة نحو الانحدار تدريجيّاً حتًّى يصل الأمرُ إلى حدٍّ تكون معه الأمَّة قد فقدت هويَّتها ولم يبقَ عندها مِن الإسلام إلاَّ اسمه. وهكذا الحال فيما يتَّصل بالجانب القيمي والأخلاقي فإنَّه لمَّا كان قادراً على تسخير كلّ وسائل الإغراء والانحلال والتفسيق وإشاعة الفاحشة مع تعطيل الحدود والتعزيرات في الوقت الذي لا يخشى مِن المواجهة بعد افتراض وجوب الطاعة فإنَّ مصير الأمَّة عندئذٍ هو التحلُّل تدريجيّاً مِن كلِّ القيم والمبادئ الأخلاقيَّة التي حرص الإسلام على تمثُّلها والعمل وفق ضوابطها. وإذا قيل إنَّ وجوب الطاعة لا يعني إلغاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنَّ للعلماء أنْ يمارسوا هذا الدور ويُعرِّفوا الناس معالم الإسلام. قلنا: إنَّ العلماء مهما بذلوا مِن جهد فإنَّهم لن يمتلكوا الوسائل التي يمتلكها السلطان بعد أنْ كان زمام الأمور بيده وخزائن الأمَّة في قبضته، وبعد أنْ كان على الناس أنْ توفِّيَه حقَّه دون أنْ تكون لهم المطالبة بحقوقهم، فالزكوات والخراج وموارد البلاد إنَّما تجبى للسلطان، فله أنْ يعطي مَنْ يشاء ويمنع مَنْ يشاء، على أنَّ له أنْ يمنع العلماء عن الجأر بالحقِّ أو يُضيِّق عليهم، وليس لهم حينئذٍ أنْ يشقُّوا عصا الطاعة. فلو أنَّ السلطان أغفلهم بل لو أذِن لهم أنْ يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر ومارس في المقابل دور التضليل والتجهيل وإشاعة الفساد فإنَّ أثر دوره سيكون أبلغ، وذلك لامتلاكه كلَّ منابع القوَّة القادرة على تمرير كلِّ مخطَّطاته ومآربه، كيف والحال أنَّ له أنْ يمنع العلماء عن ممارسة دورهم أو يُضيِّق عليهم في ذلك. إذن فالنتيجة أنَّ بني أميَّة لو لم يُمارسوا سوى دور التأصيل لمفهوم وجوب الطاعة للسلطان واعتبار ذلك مِن الدين لكان ذلك كافيًا في تعريض كلِّ مبادئ الإسلام وقيمه للخطر الحتمي