د. فاضل حسن شريف
وعن لعب بنو أمية بالامة يقول مؤلف الكتاب محمد البغدادي: أصبحت الدنيا كلها كرة يتلاعب بها صبيان بني أمية كما نطق بهذا أبو سفيان قبل ثلاثين عاماً من الطف حين ركل قبر حمزة رضي الله عنه. فإذا انتهى كل شيء، فلم التضحية؟ ولم الموت في سبيل قضيّة خاسرة وصلت إلى حد فنائها وإلى ساحة دفنها؟ ونحن أيضاً معذورون لأننا لا ننفع هذه القضية بشيء بفدائيتنا هذه، فالثبات هنا، في ساحة الطف، إلقاء للنفس في التهلكة. وهكذا تتداعى الخواطر والأفكار وكلها صحيحة بحسب الظاهر. لكن الإيمان العميق وحده هو الذي يوقف زحف هذه الأفكار على الذهن والروح، ومعه التأييد الربوبي في تلك الساعة المصيرية. المولى سبحانه يسدّد ويلفت النظر إلى سبب الهداية والنجاة في أرضه. والرئيس منها اثنان: القرآن، والإمام. أما القرآن: فيهدي ويقول: “وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ” (الصافات 171-173). فالقرآن يصرّح أن المنازلة لم تنته وأن حاصل المنازلة ونتيجتها لله سبحانه، متمثلاً بانتصار عباده المرسلين ومن يؤازرهم من الجند الربانيين. الخاتمة لنا. الأرض كلها ستكون لنا. “وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا” (النور 55). والانتصار لقضيتنا ومسيرتنا. وأما الإمام: فهو حاضر بشخصه في ساحة المعركة، وحضوره وثباته واستماتته وكلامه وكل موقفه عَلمٌ للهداية يسترشد به ويقتدى ويعلم أن هذا طريق الصواب والانتصار. قضية الإمام قضية الله، وقضية الله غير خاسرة أبداً. لكن هداية القرآن والإمام تحتاجان إلى إيمان صلب عظيم عند المرء وارتباط بالمولى سبحانه ليفقه وجه الهداية وليعزم على مفادها. من خلال أحداث كربلاء يتبيّن لنا أن أصحاب الحسين ممن لا نظير لهم في الدنيا. لقد تحدّث القرآن عن صحابة رسول الله، وتحدثت السنن عن صحابة النبي والأئمة، وكان الأقلّ منهم هو النبراس، وهو رمز التضحية والثبات. وأيضاً: تحدّث القرآن عن الذين بلغت قلوبهم الحناجر: “وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا” (الأحزاب 10). تحدث عن الذين قالوا: “مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا” (الأحزاب 12). تحدث عن الذين قالوا: “إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا” (الأحزاب 13). مع أنهم: “عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ… وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا” (الأحزاب 15). تحدث عن الذين قالوا لنبيّهم: “فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ” (المائدة 24). تحدث عن الذين منعهم نبيهم من شرب ماء نهر: “فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ” (البقرة 249). وتحدث الوصي عن جيشه فذمّهم وعيّرهم وتمنى أن يصرّفهم صرف الدينار بالدرهم. ولطالما اشتكى منهم. وأبو محمد الحسن المجتبى سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سلّم الدولة الإسلامية إلى معاوية بعد ما خُذِلَ من جيشه الذي استكان إلى الراحة والدعة. وأبو عبد الله الحسين عليه السلام قال لصحبه الكرام: (إني لا أعلم أصحاباً خيراً منكم). وأبو الفضل العباس موقعه من أصحاب الحسين موقع القطب من الرحى فهو المتقدم في كل كريهة يردّها عن ابن رسول الله. عُرِضَ الأمان عليه، فردّه. ولما فتح الحسين عليه السلام لأصحابه باب الرجوع كان أبو الفضل أوّل من أجابه بالتزام البقاء بل حثّ أخوته على التقدم قبله للقتال كي يعيش مصيبة استشهادهم ويحتسبهم عند الله ولعلّه ليطمئن إلى إقدامهم وعدم تزلزلهم في الموقف الهائل الذي يزلزل الجبال والصناديد ويطمئن إلى أن أولاد علي بطل الأبطال، والذي شرى نفسه وكل ما يملك لله، قد ساروا مسيرة أبيهم والتحقوا به بنفس طريقه وفدوا أخاهم الحق، وهكذا كان.
والصبر يقول الشيخ محمد مهدي الآصفي: كانت معاناة شيعة أهل البيت عليهم السلام في عهد بني أميّة عظيمة، فكانوا يلاحقونهم ويطاردونهم في كلّ مكان بسط بنو أميّة فيه سلطانهم. وقد بلغ ذلك منهم مبلغاً عظيماً، فكانوا يشكون إلى الإمام زين العابدين عليه السلام ما يلقونه من أذى واضطهاد ومطاردة لهم، ومن التضييق عليهم في أرزاقهم، والتقييد الشديد لحريّاتهم، فكان عليه السلام يقول لهم: (فما تمدّون أعينكم؟ لقد كان من كان قبلكم، ممن هو على ما أنتم عليه يؤخذ، فتقطع يده ورجله ويصلب، ثمّ يتلو عليه السلام: “أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَ الضَّرَّاءُ” (البقرة 214).
جاء في کتاب مجمع البيان في تفسير القرآن للشيخ الطبرسي: روى سهل بن سعيد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى ذلك، وقال إنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يستجمع بعد ذلك ضاحكا حتى مات، وروى سعيد بن يسار أيضا، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام وأبي عبد الله عليه السلام وقالوا على هذا التأويل: إن الشجرة الملعونة في القرآن هي بنو أمية، أخبره الله سبحانه بتغلبهم على أنامه، وقتلهم ذريته.
الله سبحانه يغير الحال في الوقت الذي يراه مناسبا. الامام الحسين عليه السلام جاء بمشروع لاصلاح الأمة (وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهي عن المنكر) ولكنه وأهله وأصحابه استشهدوا في كربلاء. وبعد سنوات سقطت دولة بنو أمية الظالمة وأساس سقوطها ثورة الحسين عليه السلام. الله سبحانه يبين ان عليك أن تعمل ولا تنظر الى المستقبل فان قراره يرجع الى الله تعالى. قالت زينب عليها السلام لطاغية العصر حول المستقبل (فكد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا)، و (لاستصغر قدرك واستعظم تقريعك). ويقول الإمام علي زين العابدين عليه السلام في محضر ابن زياد حيث قال له: أبالقتل تهددني يا ابن زياد أما علمت أن القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة. وهكذا تجد ملايين الناس الآن من نسل الامام علي زين العابدين عليه السلام ولا ذكر لبني أمية. عن أبي برزة الأسلمي قال: (كان أبغض الأحياء إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله بنو اُميّة وبنو حيفة وثقيف). روى عن أبي سعيد الخدري: (قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: انّ أهل بيتي سيلقون من اُمّتي قتلاً وتشريداً وان أشدّ قومنا لنا بغضاً بنو اُميّة وبنو مغيرة وبنو مخزوم).