بعد”الفجر الأحمر”: هل يجرؤ الزيدي على فتح ملفات الحيتان الكبيرة؟

سعد جاسم الكعبي
كاتب عراقي

منذ أن منح البرلمان الثقة لحكومة علي فالح الزيدي في أيار/مايو 2026، تصدرت مكافحة الفساد واجهة البرنامج الحكومي تحت شعار “الإصلاح من الداخل”.
الحملة التي أُطلق عليها إعلاميًا اسم “صولة الفجر الأحمر” جاءت في وقت وصف فيه الزيدي الوضع بأنه “لم يعد من الممكن السكوت عنه”، وربط الفساد بملف السلاح المنفلت، واعتبرهما معًا تهديدًا لسيادة الدولة.
الحكومة أكدت أن الحملة تنطلق من “دوافع وطنية بحتة”، ولا تستهدف تحقيق مكاسب سياسية، وأن جميع الإجراءات تتم وفق القانون والدستور.
أبرز مقومات نجاح الحكومة حتى الآن تتمثل في الشرعية النسبية التي حصل عليها الزيدي كشخصية توافقية “أقل ارتباطًا بالصراعات الحزبية التقليدية”، وتبنيه استراتيجية “الصدمة والترويع” التي يصفها مقربون بأنها تهدف إلى “إرعاب الفاسدين قبل الانقضاض عليهم”.
على المستوى المؤسسي، وجه الزيدي بتشكيل “المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام”، وفتح حساب خاص في وزارة المالية لإيداع الأموال المستردة من قضايا الكسب غير المشروع. كما أعلنت هيئة النزاهة أن مسودة قانون استرداد الأموال ستُعرض قريبًا على البرلمان.
في الجانب الرقابي، انتقد الزيدي تلف الوثائق بعد 5 سنوات، وعدم تدقيق الشركات العامة، ووجه بالتدقيق السنوي وإحالة الملاحظات الجوهرية إلى القضاء، مع تحديد سقف أعلى للعقود وتحويل ما زاد عنه إلى لجنة مركزية.
كما ربط الإصلاح الاقتصادي بثلاثة مسارات: تنويع الاقتصاد، البناء الاجتماعي وترسيخ العدالة، وإصلاح المنظومة الأمنية بحصر السلاح بيد الدولة.
المنعطف الأكبر في الحملة جاء مع قضية عدنان حمد حمود الجميلي، وكيل وزير النفط لشؤون التصفية والمدير العام السابق لشركة مصافي الشمال.
اعتُقل في 30 مايو 2026 بناحية الإسحاقي في صلاح الدين بعد أيام من إعفائه بأمر رئيس الوزراء.
وُصف الجميلي بـ”حوت النفط” و”ممول الأحزاب”، وقال وزير الاتصالات مصطفى سند إنه “كان يمثل منفذًا لفساد الأحزاب وبيع المناصب في وزارة النفط”.
أسفرت التحقيقات الأولية عن ضبط نحو 40 عقارًا في بغداد وصلاح الدين وأربيل، ومبالغ نقدية تقدر بـ10 ملايين دولار و3 مليارات دينار، إضافة إلى 1.5 كغم ذهب وكميات كبيرة من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة.
تحديثات لاحقة رفعت الأرقام إلى ضبط 70 عقارًا و21 عجلة و3 كغم ذهب، وبلغت حصيلة الأموال المضبوطة 98 مليار دينار و11 مليون دولار.
عُثر على جزء من الأموال مخبأً في 11 قارورة مياه شرب داخل منزل الجميلي بتكريت، وجزء آخر “تحت الأرض بعمق أربعة أمتار”.
اعترافات الجميلي فتحت الباب لحملة اعتقالات واسعة فجر الأحد 28 يونيو 2026.
كشف عن “أسماء عشرات المسؤولين وأعضاء مجلس النواب المتورطين في سرقة المال العام”، من بينهم النائب مثنى السامرائي والنائبة عالية نصيف.
كانت النتيجة القبض على 47 نائبًا ومسؤولًا بتهم تتعلق بالفساد، وكانت المنطقة الخضراء أكثر المناطق التي شهدت عمليات الاعتقال.
من الأسماء التي وردت: النائب حسنين الخفاجي الذي طلب القضاء رفع الحصانة عنه، والنائبان حسين مؤنس وعلاء سكر اللذان تمكنا من الفرار أثناء المداهمة.
كما شملت الحملة رئيس تحالف عزم وأعضاء من ائتلاف الإعمار والتنمية المنضوي ضمن الإطار التنسيقي، إضافة إلى موظف في سكرتارية رئيس وزراء سابق والمدير المالي للمصافي.
رغم هذه الأرقام، يبقى السؤال المتداول: أين “الحيتان الكبيرة” من قادة الأحزاب؟
اجتماع الإطار التنسيقي بحضور الزيدي “لم يحسم حتى الآن منح الحكومة صلاحيات مطلقة” للمضي ضد جميع الأطراف، خاصة شخصيات يُعتقد بانتمائها لجهات مسلحة، مع تخوف البعض من توترات أمنية.
إن “الحكم على العملية لا يجب أن يستند إلى حجم المداهمات، بل إلى تحديد من هم الأشخاص الذين لم تمسهم الحملة”، واجتثاث الفساد نهائيًا “يظل طموحًا بعيد المنال يتطلب مراجعة جذرية لطبيعة الحكم المكرّسة لنهب مقدرات الدولة”.
العقبات التي تضعها الأحزاب ومنظومة النفوذ متعددة:
أولًا: شبكات الحماية السياسية والحزبية التي كان يتمتع بها متورطون طوال السنوات الماضية.
ثانيًا: الترهل المؤسسي؛ فالزيدي أقر بأن بعض الشركات العامة “لم يتم التدقيق في عملها لأكثر من خمس سنوات”.
ثالثًا: محاولات التسويات بدل المحاسبة، رغم رفض قضائي وسياسي لها بسبب “تجارب سابقة لم تحقق نتائج ملموسة”.
رابعًا: اتهامات التسييس والتوقيت، إذ جاءت تصريحات الزيدي ردًا على اتهامات بأن الحملة تستهدف أطرافًا بعينها، بينما شددت الحكومة على أن الاعتماد على “الأدلة والاعترافات وليس على الانتماءات السياسية”.
على صعيد الأموال، بينت هيئة النزاهة الاتحادية استرداد “أكثر من 17 مليون دولار من عائدات الفساد” خلال عام 2026.
وفي 2022 وحده، بلغت الأموال التي منعت الهيئة هدرها أو استردتها 2.25 ترليون دينار، وأُعيد فعليًا للخزينة 32.8 مليار دينار.
تعهد الزيدي بأن “سردية مكافحة الفساد لا تشبه سابقاتها، وحماية المال العام مسؤولية لا تتأثر بالأشخاص أو الظروف”.
النجاح النهائي لحملة “صولة الفجر” يتوقف على ثلاثة اختبارات:
الأول: الوصول إلى الحيتان وعدم الاكتفاء بالصف الثاني.
الثاني: استقلالية القضاء وضمان أن التحقيقات مستمرة “للكشف عن جميع الأشخاص والجهات المرتبطة بالجريمة”.
الثالث: الاستمرارية وعدم توقف الحملة عند 47 معتقلًا لتُقرأ كحملة علاقات عامة قبل زيارة الزيدي المرتقبة لواشنطن.
حتى الآن وصلت الرسالة بأن “هناك حرّاسًا أقوياء على الأموال العامة”، لكن السؤال: هل الحراس أقوى من الأحزاب التي صنعت بيئة الفساد أصلًا؟ الأشهر القادمة وحدها ستجيب عن هذا التساؤل وعن صدق نوايا الأحزاب السياسية في تأييدها لما يجري، أم أنها لعبة لكسب الوقت ولا يهم التضحية ببعض الفاسدين إلى حين.

j2000saad@gmail.com