سعد جاسم الكعبي
كاتب عراقي
زيارة علي الزيدي رئيس الوزراء إلى الولايات المتحدة الأمريكية للقاء الرئيس ترامب كان لها من الوزن ما لا تماثله زيارة أي مسؤول عراقي، على الأقل منذ عام 2003، من ناحية الحساسية والأهمية والتوقيت وعليه، وكان من المفترض من رئيس الوزراء استثمار تلك الزيارة لتحقيق ما فيه المصلحة الوطنية، ولإحداث تغييرات إيجابية قد تمحو أخطاء المرحلة السابقة
لكنه نتائجها لم تات بالمامول منها.
رئيس الوزراء علي فالح الزيدي بعدما عاد إلى بغداد بعد زيارة رسمية إلى واشنطن استمرت خمسة أيام، بدعوة من الرئيس دونالد ترمب، وما نُشر عنها رسمياً بدا لنا انها إنجازاً غير مسبوق، فقد أعلن مكتبه أنه تم برعايته توقيع 48 اتفاقاً ومذكرة تفاهم وإعلان شراكة بين مؤسسات حكومية وقطاع خاص من العراق والولايات المتحدة، في خطوة تهدف إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين، وشملت هذه الاتفاقات تعاوناً وشراكة بين وزارتي النفط والكهرباء وشركاتهما وباقي القطاعات الحكومية، وكل من شركة إكسون موبيل، وشركة كي بي آر، وشركة جي إي فيرنوفا، وشل، وهاليبرتون، كما تضمن البيان لقاءات نوعية، حيث التقى الزيدي وزير الطاقة الأمريكي كريستوفر رايت، واستقبل المدير التنفيذي لشركة ستارلنك، والمدير التنفيذي لشركة إكسيليريت إنرجي، وممثلي ائتلاف شركتي بريتش بتروليوم وكونوكو فيلبس، إضافة إلى ممثلي مصرف جي بي مورغان، بل وجرى الاتفاق على فتح فرع لمصرف جي بي مورغان في العراق لتمويل المشاريع التي تنفذها الشركات الأمريكية، وتوقيع اتفاقية مع جنرال إلكتريك لتنفيذ الخطة الشاملة لتأمين طاقة العراق، والاتفاق على تنفيذ مشروع المنصة العائمة للغاز في خور الزبير، وإطلاق مفاوضات مع شيفرون لتطوير حقلي غرب القرنة-2 والناصرية، واستكمال منح الترخيص التشغيلي لشركة ستارلينك.
وقدّر وزير النفط العراقي باسم محمد قيمة اتفاقات الطاقة الأمريكية وحدها بنحو 200 مليار دولار، فيما أشاد الرئيس ترمب بالزيدي ووصفه بـ “البطل” خلال لقائهما في البيت الأبيض، وهو ما روج له الإعلام الحكومي كتحول استراتيجي من الدولة الأمنية إلى الدولة الاقتصادية.
إلا أن ما نُشر على الورق اصطدم بما نُشر على الأرض، فالعراق الغني بالثروات النفطية، كما وصفه البيان الرسمي، لا يزال يواجه تحديات كبيرة تتمثل في تردي البنية التحتية وضعف الخدمات العامة وسوء الإدارة واستشراء الفساد، والدليل الأوضح هو الأزمة المالية الخانقة التي انفجرت فور عودة الوفد. فمنذ شباط، اضطرت وزارة المالية لتكليف كوادرها بالعمل في عطلة نهاية الأسبوع لإنهاء أزمة تأخر رواتب موظفي الدولة التي استمرت 48 ساعة، وفي آذار تأخر صرف الرواتب بسبب تحديات مالية متصاعدة، ووصف خبراء موازنة 2026 بأنها أزمة مؤجلة أكثر من كونها عجزاً عابراً، مع دين داخلي تجاوز 92 تريليون دينار، وأي هبوط لسعر النفط دون 70 دولاراً سيفتح فجوة تهدد رواتب 6 إلى 8 ملايين مواطن.
وهنا يبرز سؤال الفشل، فالزيارة التي جاءت بعد فيتو أمريكي أسقط 9 حقائب من حكومة الزيدي بدعوى ارتباطها بقوى السلاح، وبعد أن رفضت واشنطن منح تأشيرات لبعض أعضاء الوفد المرافق، لم تنجح في انتزاع الضمانة الأهم، وهي تحرير السيولة الدولارية من الفيدرالي الأمريكي، وظل الشارع يرى أن الـ 48 اتفاقية هي مذكرات نوايا طويلة الأجل، بينما الراتب هو اختبار اللحظة.
على المدى البعيد، لا يمكن إنكار إيجابيات الزيارة، فهي أول اختراق حقيقي لعزلة المصارف العراقية بإعادة 7 مصارف للمراسلة، وفتح الباب لشركات تكنولوجيا وطاقة عملاقة، وتحويل النقاش مع واشنطن من ملف حصر السلاح إلى ملف الاستثمار، وهو ما يمنح الزيدي، رجل الأعمال الذي تعهد بإعادة بناء الاقتصاد وجذب الاستثمارات ومكافحة الفساد وكبح جماح الفصائل، ورقة توازن بين واشنطن وطهران، بدليل توجهه إلى إيران بعد واشنطن مباشرة في خضم استئناف الأعمال الحربية بينهما.
لكن سلبياتها لا تقل خطورة، فهي تربط مستقبل العراق بمزاج الخزانة الأمريكية، وتجعل أي انتكاسة في ملف حصر السلاح سبباً مباشراً لتعطيل الرواتب، وتستفز المحور الإيراني الذي يرى في دخول إكسون موبيل وشيفرون وستارلنك تقليصاً لنفوذه، وقد يدفع فصائله للرد باستهداف هذه المشاريع، كما أنها تكرس وهم الحل الخارجي دون إصلاح داخلي، فلا جي بي مورغان ولا جنرال إلكتريك سيضخان دولاراً واحداً في بيئة بلا كهرباء مستقرة وقضاء نزيه.
إن زيارة الزيدي لم تفشل كحدث دبلوماسي، لكنها فشلت كحل معاشي عاجل، وستبقى معلقة بين نشوة ما نُشر عن 48 اتفاقية، وصدمة ما نُشر عن تأخر الرواتب، إلى أن يقرر المواطن العراقي نفسه هل قبض ثمن الاتفاقيات في حسابه المصرفي، أم أنها ستلتحق بأرشيف المذكرات السابقة.