سعد جاسم الكعبي
كاتب عراقي
ليست مصادفة أن تتحول منصات التواصل الاجتماعي في الأشهر الأخيرة إلى ساحة حرب طائفية مفتوحة، قوامها مئات الصفحات الممولة التي تتخصص بهدف واحد: شتم المذاهب، والطعن بالرموز، وإشعال ما انطفأ من فتنة.
ما نراه اليوم ليس حرية رأي ولا خلافاً فقهياً. هو مشروع منظم، مدفوع الثمن، يدار بعقلية غرف عمليات.
1- التشخيص: حرب هجينة بثوب ديني، الظاهرة لها ملامح واضحة تكشف أنها ليست عفوية:
أولاً: الاستهداف الانتقائي المركز. التركيز الأكبر والأكثر بذاءة موجه ضد المذهب الجعفري، وضد مقام الإمام علي بن أبي طالب وولده الإمام الحسين عليهما السلام، بألفاظ لا يقولها مسلم يعرف قدر أهل البيت. وهي إساءة لم تكن معهودة بهذا الحجم حتى في ذروة الصراع الطائفي عام 2006.
ثانياً: المعاملة بالمثل المصطنعة. لإعطاء الانطباع بأنها “معركة متبادلة”، تم إطلاق صفحات مقابلة أقل عدداً تهاجم المذهب الحنفي ورموز أهل السنة. الهدف منها ليس الدفاع عن التشيع، بل توريط الشيعة في الرد، وإظهار أن الطرفين متطرفان، فيتساوى الجلاد والضحية.
ثالثاً: التوقيت المريب. هذا الانفجار الرقمي تزامن بدقة مع سقوط نظام بشار الأسد وصعود جماعات مسلحة ترفع شعارات أموية ثأرية، تريد تصدير نموذجها للعراق. وجدت هذه الجماعات حاضنة رقمية جاهزة في بعض حسابات الخليج التي لم تتوقف يوماً عن اتهام شيعة العراق بالتبعية لإيران، وفي حسابات تدعي أنها “تشرينية” مهمتها التشكيك بأصالة المجتمع العراقي وتمزيق نسيجه من الداخل بحجة حبها للوطن وهذا كذب صريح .
رابعاً: السلاح الفكري الفاسد، كل هذا الخطاب يقوم على روايات موضوعة وأسانيد مهلهلة وضعيفة، نبذها علماء السنة قبل الشيعة، لكنها تُقدَّم للبسطاء على أنها حقائق تاريخية. هي تجارة الجهل، لأن الإنسان الواعي لا يمكن أن يشتم، من أمر القرآن بمودته.
2- من المستفيد؟ ولماذا الآن؟
السؤال المطروح: هل وراءها الصهيونية أم أمريكا أم أوروبا؟ والجواب: كلهم مستفيدون، لكن بدرجات.
نحن أمام تقاطع مصالح لمشروع واحد هو تفكيك جبهة المقاومة والممانعة من الداخل:
الكيان الصهيوني هو المستفيد الأول استراتيجياً. فكل ساعة يقضيها العراقيون في سب بعضهم هي ساعة لا يتحدثون فيها عن غزة، ولا عن التطبيع، ولا عن مشروع الشرق الأوسط الجديد. إسرائيل تريد عراقاً طائفياً ممزقاً لا يمكنه أن يكون عمقاً استراتيجياً لأي محور.
الولايات المتحدة تريد بيئة عراقية مفككة لتبرير بقائها العسكري. لا شيء يبرر وجود القواعد الأمريكية أكثر من حرب أهلية سنية – شيعية تلوح في الأفق. وواشنطن بارعة في إدارة الفتنة دون أن تظهر في الواجهة.
بعض أنظمة الخليج تمول هذا الخطاب خوفاً من نموذج عراقي شيعي قوي ومستقل لا يتبعها، فتجد في “الذباب الأموي” أداة رخيصة لاستنزافه وتشويهه.
ولهذا فشل الحظر الفردي الذي تقوم به. أنت تحظر صفحة، فيظهر أمامك عشرة. لأنك لا تواجه أفراداً، بل تواجه مزرعة إلكترونية تدار بميزانيات دول، بخوارزميات تفهم أن الشتيمة تنتشر أسرع من المعلومة.
3- هل الحرب الأمريكية على إيران تغذيها؟ بشكل مباشر وقوي.
الجواب نعم، كل تصعيد بين واشنطن وطهران، وكل تهديد بقصف إيران، يتم ترجمته على أنه “حرب على الشيعة”.
وهنا يأتي دور هذه الصفحات لتقول للسني العراقي: انظر، هذه فرصتك للثأر، إيران ستنتهي وسينتهي معها الشيعة. ولتقول للشيعي العراقي انظر، السنة كلهم دواعش ويهللون لقصفك.
الحرب على إيران هي الوقود المثالي لماكينة الفتنة. هي تحول الخلاف السياسي إلى صراع وجودي، وتجعل العراقي يرى في أخيه العراقي امتداداً لعدو خارجي.
4- النتائج الكارثية إن تُركت
إذا لم يتم تداركها، فنحن أمام ثلاثة سيناريوهات خطيرة:
تطبيع الكراهية: أن يصبح سب الإمام علي والحسين أمراً عادياً، فيعتاد الجيل الجديد على إهانة مقدساته دون غضب.
العنف المادي: كل حرب أهلية في التاريخ بدأت بكلمة على منبر أو بمنشور على صفحة. التحريض الرقمي اليوم هو نفسه الذي فجر المساجد والأسواق بالأمس.
ضرب الهوية العراقية: الهدف النهائي ليس المذهب، بل العراق نفسه. يريدون عراقياً سنياً يكره الحسين أكثر مما يحب بغداد، وعراقياً شيعياً يرى في السني داعشياً حتى يثبت العكس. فلا يبقى شيء اسمه عراق.
5- كيف السبيل للمواجهة؟
المواجهة لا تكون بالسب المتبادل، فهذا ما يريدونه. المواجهة تكون بمشروع مضاد منظم:
أولاً: المواجهة الفكرية: على الحوزة في النجف ومؤسسات أهل السنة المعتدلة أن تخرج من صمتها. نحتاج رداً علمياً موحداً يفند هذه الروايات الضعيفة، ويبين أن حب أهل البيت هو عقيدة أهل السنة قبل الشيعة.
ثانياً: المواجهة القانونية والتقنية: تشكيل فريق رصد عراقي يوثق هذه الصفحات ويبلغ عنها كخطاب كراهية، والضغط على شركتي ميتا وإكس لإغلاقها، الدولة العراقية لديها قانون لمكافحة خطاب الكراهية لكنه معطل.
ثالثاً: المواجهة المجتمعية: عدم التفاعل. خوارزمية فيسبوك تكافئ الشتيمة بالانتشار. الحظر الصامت، وعدم التعليق، وعدم المشاركة هو قتل لهذه الصفحات. وأن ننشر بالمقابل قصص التعايش الحقيقية في مناطقنا المختلطة في ديالى وبغداد والموصل.
رابعاً: فضح التمويل: تتبع الإعلانات الممولة لهذه الصفحات. ستجد أن أغلبها ممول من خارج العراق، وبأسماء وهمية. فضح هذه الحقيقة أمام البسطاء كفيل بإسقاط مصداقيتها.
ماجدث في سوريا ويحدث ماهي إلا حلقات مسلسل مدفوع الثمن وقوده الدواعش ومن يحمل أفكارهم هذه الأفكار انسحبت حتى على الرياضة فخرجت آلاف الصفحات تحرض ضد ميسي بحجة انه يهودي وتدعم رونالدو وكانه حامل لواء الإسلام المحمدي الأصيل، بحجة الدفاع عن العروبة المزعومة لاشغال الشباب بتفاهات يعلم القاصي والداني انها لعبة ولعبة فقط لادخل لها بدين او مذهب لكنها باب للفتنة والفرقة في المجتمع الإسلامي وقودها وادواتها نفايات اموية قذرة صارت مطية لإسرائيل لتحقيق ماربها الدنيئة في تمزيق التلاحم المجتمعي في العراق وغيره من الدول الاسلامية.
هذه ليست صفحات، هذه نفايات استخبارية أُلقيت في نهرنا، وإذا كان الذباب الأموي لم يكن له صوت لعقود، فلأنه كان ينتظر اللحظة التي يضعف فيها الجسد لينقض عليه. واليوم جسدنا ضعيف بالانقسام، ولن يقوى إلا إذا رفضنا أن نكون وقوداً لحرب غيرنا.