وحشة المحراب ونفاق المئذنة

رياض سعد

في المدن التي أنهكتها الحروب، لا يموت الناس من الرصاص وحده، بل يموتون أيضًا من فرط الثقة والسذاجة .. ,  وحين يتآكل الوعي ، يصبح الإنسان أشبه بطفلٍ يسير في غابةٍ مليئة بالذئاب، يظن أن كل من يبتسم له راعٍ، بينما بعضهم لا يرى فيه سوى فريسة.

كان محمود واحدًا من أولئك الذين ولدوا بقلوبٍ طيبة ونفوس ساذجة لا تستطيع الشك فضلا عن المكر والدهاء …

لم يكن ملاكًا، لكنه إذا أخطأ أحسَّ أن الخطأ شوكةٌ مغروسة في ضميره، فلا يهدأ حتى يقتلعها بالاعتذار أو التوبة… ؛   كأن قلبه نهرٌ يخجل أن يحمل ورقةً ذابلة، فكيف يحمل طين الخطيئة؟

كان محمود رجلًا نقيَّ السريرة في زمنٍ أصبح فيه الصدقُ تهمة، والضميرُ عبئًا، والوفاءُ سلعةً كاسدة.

كان يظن أن البيوت التي يُذكر فيها اسم الله لا تشبه الأسواق؛ وأن الدعاء لا يسكن إلا القلوب التي عشقت تلك البيوت .. ,  لذلك اعتاد ارتياد المساجد، والحسينيات ، والمراقد الدينية ، باحثًا عن سكينةٍ  تشبه سكينة الانبياء … ؛ لذلك وجد في المساجد والمجالس الدينية ملاذًا روحيًا، لا طلبًا لمنصب أو منفعة، بل بحثًا عن الطمأنينة التي كانت المدينة تسرقها منه كل يوم.

نعم , كان محمودٌ رَجُلاً يَسِيرُ في الأزقةِ كأنهُ بَقيةٌ باقيةٌ من زَمَنِ الأنبياء؛ جَوْهَراً نَقياً في جُغرافيا ملوثةٍ بالزيف… ؛  كان نَفساً لوّامةً تَصْقُلُها التوبةُ كُلما خَدَشَ عَفْوِيتَها بَشَرِيتُه، فَيُسَارِعُ إلَى غَسْلِ وِزْرِهِ بالدموعِ، كَنَهْرٍ سَامٍّ يأنَفُ الركودَ كَي لا تَتوطَنَهُ القاذورات.

كانت خُطَاهُ مَرْسُومةً بين عَتَبَاتِ المَسَاجِدِ، وحَرَارَةِ الحُسَيْنِيَاتِ، وهَيْبَةِ المَرَاقِدِ التي يَسْتَمِدُّ منها مَاءَهُ الرُّوحِيَّ.

وكان دأبه الصلاة والدعاء في المساجد والحسينيات، وزيارة المراقد المقدسة، ومجالسة الملتزمين دينياً، يلتمس في صحبتهم سكينة لروحه القلقة، وتصديقاً لإيمانه المتردد

كان يؤمن أن للمساجد أرواحًا كما للناس أرواحًا، وأن الجدران تحفظ أنفاس الساجدين، وأن الأرض التي تبتل بدموع التائبين تصبح أكثر دفئًا من حضن الأم...؛ وأنها ستشهد له يوم القيامة، بين يدي الله، وأمام الملأ الأعلى، بأنه سجد لله عليها...

وفي أحد أيام الشتاء، قادته قدماه إلى مسجد صغير في آخر الحي… ؛  كان المسجد قديمًا، جدرانه متشققة، وساحته خالية إلا من شجرة سدر يابسة.

  كان هادئًا حدَّ الوحشة، حتى خُيّل إليه أن الجدران تُصلّي وحدها.

وما إن فرغ من الصلاة حتى شعر بانقباضٍ غريب؛ لم يكن المكان موحشًا، بل كان خاليًا من ذلك الدفء الخفي الذي يشعر به المؤمن حين يذكر الله .

أدّى صلاته، لكنه خرج منها بقلبٍ أثقل مما دخل به؛ شعر أن المكان مزدحم بالقلة القليلة من المصلين، لكنه خالٍ من الأرواح، وأن السقف يردد الكلمات، بينما السماء لا تسمع شيئًا...

نعم , صلىٰ محمودٌ ركعاتِه بخشوعِ من يعرفُ أنَّ اللهَ يرىٰ ما لا تراهُ العيون… ؛  لكنّ المكانَ لم يكنْ فارغاً من المصلينِ فحسب؛ بل فارغاً من الروحانيةِ ذاتها، كأنَّ جدرانَهُ تئنُّ من فراغٍ وجوديٍّ، وكأنَّ المحرابَ يبكي غيابَ النورِ الإلهي.

وقبل أن يغادر، اقترب منه إمام المسجد، رجل خمسيني يُدعى السيد رحمن الموسوي … ,  كان حسن المظهر، هادئ الصوت، واسع الابتسامة، يعرف كيف يجعل محدثه يشعر بأنه شخصٌ مهم.. , له عينان غائرتان تختبئ خلفهما دهاليز لا تُفضي إلى نور...

كان السيد يجيد الكلام أكثر مما يجيد الصمت، ويجيد الابتسام أكثر مما يجيد النظر في العيون… ؛  أما محمود، فكان يرى في الناس ما يحب أن يكون فيهم، لا ما هم عليه حقًا؛ ولذلك كان فريسةً سهلة لكل من يتقن صناعة الأقنعة.

صافحه بحرارة وقال:

“أراك غريبًا عن مسجدنا يا مولاي ؟.”

ابتسم محمود بتواضع.

“أحب أن أصلي في كل بيتٍ يُذكر فيه اسم الله.”

السيد رحمن الموسوي ؛ رَجُلٌ يَرْتَدِي مَسْحَةَ الدِّينِ لِيُخْفِيَ تَحْتَهَا ذِئْباً نَفْعِيّاً، مَشْبُوهَ السِّيرَةِ، لا يَثِقُ بِهِ دَانٍ ولا قَاصٍ… ؛  لَكِنَّ سيد رَحْمَن، بِحِسِّهِ الانْتِهَازِيِّ المَاكِرِ، أدْرَكَ أنَّ مَحْمُوداً هُوَ “العُمْلَةُ الذَّهَبِيَّةُ” التي يَفْتَقِدُهَا؛ فقد عرف ان َمَحْمُودٌ ثِقَةُ رِجَالِ الدِّينِ وعُنْوَانُ النَّزَاهَةِ… ؛ و بَدَأ رَحْمَن يَسْتَدْرِجُهُ، يَدْعُوهُ يَوْمِيّاً بَعْدَ الصَّلَاةِ لِشُرْبِ القَهْوَةِ في غُرْفَتِهِ الخَاصَّةِ المُلَاصِقَةِ لِلْمَسْجِدِ، حَيْثُ تُطْبَخُ المَكَايِدُ في صَمْتٍ.

كان صوته ناعماً كالحرير، لكن محموداً شعر للحظة أن شيئاً ما في نبرته لا يتطابق مع ابتسامته، كأن الصوت والوجه ينتميان إلى شخصين مختلفين...

كان الإمام – امام المسجد  السيد رحمن  –  يتحدث كثيرًا عن التقوى، وأكثر حديثه عن الثقة، وأكثر من ذلك عن الناس الذين لا يُؤتمنون... ؛ أما محمود، فكان يظنه رجلًا صالحًا.

الفَصْلُ الأوَّل: اسْتِثْمَارُ الظِّلِّ

ومنذ ذلك اليوم، صار السيد  يدعوه بعد كل صلاة إلى غرفةٍ صغيرة ملاصقة للمحراب، يقدم له القهوة والشاي ، ويسأله عن أحواله، ويستمع إليه أكثر مما يتحدث.. ,  شعر محمود لأول مرة منذ سنوات أن أحدًا يهتم لأمره.

لكن ما لم يكن يعلمه أن بعض الصيادين لا يلقون الشِّباك في البحر، بل في قلوب البشر.

تَحَوَّلَ مَحْمُودٌ، دُونَ أنْ يَدْرِي، إلَى ظِلٍّ يَسِيرُ مَعَ السَّيِّد رَحْمَن فِي المناسبات الدينية والاجتماعية .

شيئًا فشيئًا، صار السيد  يطلب منه خدماتٍ صغيرة: إيصال رسالة، أو مرافقة شخص، أو التوسط عند رجلٍ كريم.. ,  ولم يكن سالم يرى في ذلك إلا بابًا من أبواب الخير…

لكن الحقيقة كانت تُحاك في الظل..

كان السيد يعرف أن محمود يحظى بسمعة طيبة بين الناس، وأن كثيرًا من التجار والمتدينين يثقون بكلمته أكثر مما يثقون بالخطب الطويلة.. ,  لذلك لم يحاول استغلاله مباشرة، بل بدأ بخطوات صغيرة.

مرةً طلب منه أن يرافقه لزيارة رجلٍ كريم.

ومرةً أخرى أن يعرّفه إلى أحد وجهاء الحي.

ثم صار يردد أمام الناس:

“هذا الشاب من أنقى وأطهر من عرفت.”

وكان محمود يخجل من المديح، ولا يدرك أنه صار يُستعمل بوصفه شهادةً حيّة على نزاهة رجلٍ آخر.

في إحدى الأمسيات، رافقه إلى مجلسٍ خيري يجتمع فيه أهل اليسار لجمع التبرعات للأسر المحتاجة.

دخل السيد وحده إلى غرفةٍ جانبية، بينما بقي محمود ينتظر في الخارج.

وبعد دقائق خرج السيد مبتسمًا وهو يخفي ظرفًا ورقيًا داخل عباءته.

سأل محمود:

“هل انتهى الاجتماع؟”

قال السيد وهو يربت على كتفه:

“الحمد لله… الناس ما زال فيهم خير.”

لم يسأله محمود عن شيء.

كان يعتبر الفضول نقصًا في حسن الظن.

ومرت الايام.

صار محمود يلاحظ أمورًا صغيرة لا ينتبه إليها غيره.

المسجد يجمع تبرعات لترميمه منذ سنوات وشهور، لكن الجدران لا تتغير.

الأسر الفقيرة التي يُعلن عن مساعدتها لا يعرف أحد أسماءها.

والسيد يتحدث كثيرًا عن الزهد، بينما تتبدل سيارته كل عام.

كان يطرد هذه الأفكار من رأسه كلما حضرت.

ويقول لنفسه:

“ربما أنا الذي أسأت الفهم.”

فالنفوس الطيبة تتعب كثيرًا قبل أن تصدّق وجود الخداع.

كان السيد يقتات على ثقة الناس كما يقتات السوس على الخشب.. ,  يجمع التبرعات باسم الفقراء، ويبيع الوعود باسم الدين، ويُلبس الكذب ثوب الفتوى، حتى أصبح يصدق نفسه وهو يكذب.

وفي إحْدَى المَرَّاتِ، جَلَسَ مَحْمُودٌ فِي نِهَايَةِ المَجْلِسِ، بَيْنَمَا تَحَرَّكَ سيد رَحْمَن بِخِفَّةِ الأفْعَى نَحْوَ “السَّيِّد كَاظِم المُوسَوِيِّ”، وَكِيلِ المَرْجِعِيَّةِ الدِّينِيَّةِ فِي الحَيِّ، والَّذِي يُمَثِّلُ سُلْطَةً رُوحِيَّةً وَاجتماعية مُؤَثِّرَةً.

انْحَنَى سيد رَحْمَن وَهَمَسَ بِنَبْرَةٍ تَقْطُرُ تَبَاكِياً:

– “سَيِّدَنَا الفَاضِلُ.. صديقي الجَالِسُ هُنَاكَ فِي زَاوِيَةِ المَسْجِدِ، هُوَ مَحْمُودٌ.. رَجُلٌ مُؤْمِنٌ لَكِنَّهُ مَرِيضٌ جِدّاً، فَقِيرٌ وَمُحْتَاجٌ، وَلَدَيْهِ أخَوَاتٌ صِغَارٌ يَتِيمَاتٌ يَعِشْنَ فِي بَؤْسٍ شَدِيدٍ، وَهُمْ فِي أمَسِّ الحَاجَةِ لِلْمَعُونَةِ”.

تَفَرَّسَ السَّيِّد كَاظِم فِي وَجْهِ مَحْمُودٍ الشَّاحِبِ البَادِي عَلَيْهِ الزُّهْدُ، ثُمَّ سَألَ سيد رَحْمَن:

  • “هَلْ تَعْرِفُهُمْ حَقَّ المَعْرِفَةِ؟ وَهَلْ هُمْ مُلْتَزِمُونَ دِينِيّاً؟”

أجَابَ رَحْمَن بِحَمَاسٍ مُصْطَنَعٍ: “بِالتَّأْكِيدِ مَوْلَايَ.. بِذِمَّتِي وَرَقَبَتِي”.

مَدَّ السَّيِّد كَاظِم يَدَهُ إِلَى دُولَابِهِ الخَشَبِيِّ العَتِيقِ، وأخْرَجَ رِزْمَةً نَقْدِيَّةً بِمَبْلَغِ (مِلْيُونِ دِينَارٍ) وَسَلَّمَهَا إِلَى سيد رَحْمَن… ؛  عَادَ الأخِيرُ إِلَى مَحْمُودٍ مُسْرِعاً، وَطَلَبَ مِنْهُ بِلَهْجَةٍ آمِرَةٍ خَفِيَّةٍ أنْ يُسَلِّمَ عَلَى السَّيِّد كَاظِم وَيَخْرُجَ مَعَهُ فَوْراً… ؛  تَقَدَّمَا، سَلَّمَ مَحْمُودٌ بِأدَبٍ عَلَى السَّيِّدِ الذِي كَانَ مَشْغُولاً بِغَيْرِهِ، وَخَرَجَا دُونَ أنْ يَعْلَمَ مَحْمُودُ أنَّ عِفَّتَهُ وَسِيمَاهُ الزَّاهِدَةَ قَدْ بِيعَتَا فِي صَفْقَةٍ خَاطِفَةٍ.

فِي الطَّرِيقِ، انْفَتَحَتْ فِي عَقْلِ مَحْمُودٍ نَافِذَةٌ سِرْيَالِيَّةٌ مِنَ الـمَاضِي، وَقَالَ بِعَفْوِيَّةٍ:

-“هَذَا السَّيِّد.. أَلَيْسَ اسْمُهُ كَاظِمَ المُوسَوِيَّ؟”

تَوَجَّسَ رَحْمَن وَقَالَ: “بَلَى.. وَلِمَاذَا تَسْأَلُ؟”

قَالَ مَحْمُودٌ بِنَبْرَةٍ صَافِيَةٍ: “تَذَكَّرْتُهُ الآنَ.. كُنْتُ قَدْ خَمَّسْتُ عِنْدَهُ أَمْوَالِي قَبْلَ سَبْعِ سِنِينَ أَنَا وَصَدِيقِي جَاسِم، حِينَمَا كَانَ يُؤُمُّ المَصَلِّينَ فِي مَسْجِدِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِر”.

سقطت كلمات محمود على قلب سيد رحمن كجمرة، لكنه سرعان ما أخفى ارتباكه بابتسامة صفراء...

الفَصْلُ الثَّانِي: البَلَاطُ المَكْسُورُ

لم يكن محمود ممن يراقبون الناس أو يفتشون في نياتهم.. , كان يؤمن أن سوء الظن يفسد القلب قبل أن يفسد العلاقات.. ,  لكنه كان يؤمن أيضًا أن الله يمنح الإنسان إشارات صغيرة حين يريد أن ينقذه من وهمٍ كبير.

في صباح يوم جمعة، وبينما كان يكنس ساحة المسجد قبل الأذان، لاحظ رجلًا مسنًا يقف عند الباب مترددًا.. ,  كان يحمل ظرفًا أبيض في يده، وعيناه تمتلئان برجاء الفقراء.

دخل الرجل إلى غرفة السيد ,  ولم يمضِ سوى دقائق حتى خرج وهو يبتسم براحةٍ غريبة، كأن حملًا ثقيلاً أزيح عن صدره.

سأل محمود السيد بعد أن انصرف الرجل:

“من كان هذا؟”

ابتسم السيد وهو يرتب أوراقه.

“أحد المحسنين.”

“وهل كان يريد التبرع؟”

“بل جاء يطلب المساعدة.”

استغرب محمود، فقد رأى الظرف يدخل مع الرجل، ولم يره يخرج معه.. ,  لكنه صمت.

لَمْ تَقِفْ شَهِيَّةُ سيد رَحْمَن عِنْدَ هَذَا الحَدِّ؛ بَعْدَ أَيَّامٍ، اصْطَحَبَ مَحْمُوداً إِلَى مَكْتَبِ أَحَدِ كِبَارِ التُجَّارِ المعروفين بالكرم فِي المَدِينَةِ… ؛ استقبلهما التاجر بحفاوة، وبعد حديث قصير قال السيد:

“المسجد بحاجة إلى ترميم عاجل.. ,  السقف يتسرب منه المطر، والبلاط أصبح متهالكا …”

تَأَثَّرَ التَّاجِرُ بِوُجُودِ مَحْمُودٍ الذِي يَبْدُو عَلَيْهِ الصَّلَاحُ، فَدَخَلَ مَكْتَبَهُ وَخَرَجَ وَبِيَدِهِ (عَشَرَةُ مَلَايِينَ دِينَارٍ)… ؛ ثم قال بابتسامة:

“أسأل الله أن يجعلها في ميزان حسناتنا.”

خرجا من بيت التاجر، والحقيبة في يد السيد .

وفي الطريق، سأل محمود:

“متى سنبدأ بالترميم؟”

أجابه السيد دون أن ينظر إليه:

“حين تكتمل المبالغ.”

مر شهر…

ثم شهران…

ولم يتغير في المسجد حجر واحد.

الحَقِيقَةُ السُّودَاوِيَّةُ كَانَتْ أَنَّ سيد رَحْمَن يَتَعَمَّدُ إِبْقَاءَ بَلَاطِ المَسْجِدِ مَكْسُوراً، يَسْتَدِرُّ بِهِ شَفَقَةَ المُحْسِنِينَ، فَقَدْ تَحَوَّلَ الطِّينُ والكاشي وَالخَرَسَانَةُ المُنْهَارَةُ إِلَى دَجَاجَةٍ تَفِيضُ ذَهَباً.

نعم , كان المسجد بالنسبة له بقرة حلوباً، وكلما تهالك أكثر، كلما درّت المال أكثر.. ,  كان الفراغ الروحي الذي أحسّه محمود في أول زيارة له هو فراغ الضمير، فراغ المعنى، فراغ الإله الذي طُرد من بيته ليحل محله صنم المال.

الفَصْلُ الثَّالِثُ: دَنَسُ المَلَاهِي وَصَفَقَة رجل الدين

وفي احد الايام ؛ التَفَتَ سيد رَحْمَن إِلَى مَحْمُودٍ وَقَالَ: “مَحْمُود.. أَنْتَ عَلَاقَتُكَ طَيِّبَةٌ بِالـمَرْجِعِ الدِّينِيِّ الكَبِيرِ الشَّيْخِ عَلِي الطِّهْرَانِيِّ، وَأَرْجُو مِنْكَ أَنْ تَذْهَبَ إِلَيْهِ فِي أَمْرٍ هَامٍّ”.

سَأَلَهُ مَحْمُودٌ بِبَرَاءَةٍ: “مَا هُوَ هَذَا الأَمْرُ؟”

أَجَابَهُ سيد رَحْمَن بِغُمُوضٍ: “سَأُخْبِرُكَ بِهِ فِيمَا بَعْدُ”.

هَنَا تَتَشَابَكُ خُيُوطُ الحِكَايَةِ مَعَ العَالَمِ السُّفْلِيِّ لِلْمَدِينَةِ… ,  قَبْلَ سَنَةٍ، عَقَدَ سيد رَحْمَن قِرَاناً شَرْعِيّاً بَيْنَ “لَمْيَاءَ”، وَهِيَ امْرَأَةٌ تَعْمَلُ فِي المَلَاهِي اللَّيْلِيَّةِ بِالخَفَاءِ، وَبَيْنَ شَخْصٍ يُدْعَى “زَيْدٌ”، وَهُوَ مُجْرِمٌ وَابْنُ شَوَارِعَ يَكْبُرُهَا بِسَنَوَاتٍ… ؛ كَانَ زَوَاجاً نَفْعِيّاً بَحْتاً؛ هِيَ تَمْنَحُهُ الجنس وَالمَالَ، وَهُوَ يُوَفِّرُ لَهَا الغِطَاءَ الاجْتِمَاعِيَّ وَالشَّرْعِيَّ.. ,  وَلِأَنَّ العَقْدَ تَمَّ دُونَ عِلْمِ أَهْلِهَا، احْتَفَظَ سيد رَحْمَن بِالوَثِيقَةِ لِنَفْسِهِ لِيَضْمَنَ سُلْطَتَهُ عَلَيْهِمَا , ولتجنّب أي مساءلة قانونية أو عشائرية قد يتعرّض لها مستقبلًا.

دَارَتِ الأَيَّامُ وَأُلْقِيَ القَبْضُ عَلَى زَيْدٍ بِتُهَمِ النَّصْبِ وَالاحْتِيَالِ، فَوَجَدَتْ لَمْيَاءُ نَفْسَهَا بِلَا حِمَايَةٍ ذُكُورِيَّةٍ فِي مُجْتَمَعٍ لا يَرْحَمُ… ؛ و جَاءَتْ إِلَى سيد رَحْمَن تَطْلُبُ الطَّلَاقَ… ؛  اتَّصَلَ  سيد رَحْمَن بِزَيْدٍ فِي سِجْنِهِ، فَجَاءَ رَدُّ المَسْجُونِ قَاسِياً وَمُهَدِّداً:

– “اسْمَعْ يَا سَيِّد رَحْمَن.. لَمْيَاءُ زَوْجَتِي إِلَى الأَبَدِ، وَلَنْ أُطَلِّقَهَا لَوْ سُجِنْتُ مِائَةَ عَامٍ.. , وَإِذَا تَجَرَّأَ أَيُّ رَجُلِ دِينٍ عَلَى تَطْلِيقِهَا غِيَابِيّاً، سَأَقْتُلُهُ بِيَدَيَّ هَاتَيْنِ فَوْرَ خُرُوجِي!”.

خَافَ سيد رَحْمَن الجَبَانُ، لَكِنَّ لَمْيَاءَ عَرَضَتْ عَلَيْهِ مَبْلَغاً يَسِيلُ لَهُ اللُّعَابُ: (ثَلَاثَةَ مَلَايِينَ دِينَارٍ)… ؛  هُنَا، تَحَرَّكَتْ شَيَاطِينُ المَكْرِ فِي عَقْلِهِ… ؛ و قَالَ لَهَا: “الطَّلَاقُ الغِيَابِيُّ لا يَمْلِكُهُ إِلَّا المَرْجِعُ الدِّينِيُّ، وَهَذَا يَتَطَلَّبُ شُهُوداً وَقَسَماً بِأَغْلَظِ الأَيْمَانِ؛ بِأَنْ نَقُولَ أَمَامَ المَرْجِعِ إِنَّ زَيْداً لُوطِيٌّ، سَيِّءُ الأَخْلَاقِ، هَاجَرَ إِلَى أُورُوبَّا وَتَرَكَكِ مُعَلَّقَةً”.

وَافَقَتْ لَمْيَاءُ عَلَى هَذَا السِّينَارْيُو المُزَيَّفِ.

الفَصْلُ الرَّابِعُ: المسرحية

فِي اليَوْمِ التَّالِي، اسْتَدْعَى سيد رَحْمَن مَحْمُوداً الطَّاهِرَ، وَطَلَبَ مِنْهُ التَّوَسُّطَ لَدَى المَرْجِعِ عَلِي الطِّهْرَانِيِّ لِتَطْلِيقِ “امْرَأَةٍ شَرِيفَةٍ، عَفِيفَةٍ، مَظْلُومَةٍ تَعَرَّضَتْ لِقَهْرِ زَوْجٍ شَاذٍّ وَمُنْحَرِفٍ”.

انْتَفَضَتْ نَخْوَةُ مَحْمُودٍ الدِّينِيَّةُ وَالإنْسَانِيَّةُ وَقَالَ:

-“سَيِّدَنَا.. غَالِي وَالطَّلَبُ رَخِيصٌ .. ,  هَذَا مَوْقِفٌ مُشَرِّفٌ يَخْدِمُ الدِّينَ وَالإنْسَانِيَّةَ.. , بَارَكَ اللهُ فِيكَ لِسَعْيِكَ فِي خَلَاصِ هَذِهِ المُؤْمِنَةِ، وَأَنَا رَهْنُ إِشَارَتِكَ”.

قَامَ سيد رَحْمَن بِالاتِّصَالِ بِلَمْيَاءَ فَوْراً أَمَامَ مَحْمُودٍ: “أَهْلاً لَمْيَاء.. الآنَ يَجْلِسُ بِقُرْبِي إِنْسَانٌ مُؤْمِنٌ صَالِحٌ، لَدَيْهِ عِلَاقَةٌ وَطِيدَةٌ بِمَرَاجِعِ قُمَّ المُقَدَّسَةِ، وَسَيَسْعَى فِي طَلَاقِكِ.. ؛ تَحَدَّثِي مَعَهُ الان “.

تَنَاوَلَ مَحْمُودٌ الهَاتِفَ بِوَقَارٍ: “السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ يَا أُخْتِي الفَاضِلَةَ.. , سَأَبْذُلُ قُصَارَى جُهْدِي لِتَخْلِيصِكِ مِنْ هَذِهِ المِحْنَةِ “.

أَجَابَتْهُ نَبْرَةٌ صَادِرَةٌ مِنْ عُمْقِ المَلَاهِي: “شُكْراً لَكَ، وَبَارَكَ اللهُ فِيكَ”.

بَعْدَ يَوْمَيْنِ، نَفَّذَ رَحْمَن مَسْرَحِيَّتَهُ الكُبْرَى لِعَزْلِ مَحْمُودٍ وَإِتْمَامِ النَّصْبِ… ؛  اتَّصَلَ بِلَمْيَاءَ قَائِلاً:

“اسْمَعِي يَا لَمْيَاء.. هَذِهِ المَسَائِلُ الدِّينِيَّةُ مُعَقَّدَةٌ وَيَخَافُ النَّاسُ فِيهَا مِنَ المَسْؤُولِيَّةِ العَشَائِرِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ… ؛ و مَحْمُودٌ سَيَتَكَفَّلُ بِكُلِّ شَيْءٍ، لَكِنَّهُ رَجُلٌ مُتَشَدِّدٌ فِي عِفَّتِهِ، لا يَقْبَلُ أَنْ تَحْصُلِي عَلَى رَقْمِهِ، وَلا أَنْ تَجْلِسِي مَعَهُ.. ,  بِمُجَرَّدِ أَنْ يُنْهِيَ الـمُهِمَّةَ يَنْقَطِعُ كُلُّ شَيْءٍ.. ,  وَأَنَا أَيْضاً خَارِجُ الـمَسْؤُولِيَّةِ، مُجَرَّدُ وَاسِطَةِ خَيْرٍ”.

تَوَجَّسَتْ لَمْيَاءُ ضِمْنِيّاً: “سَيِّد رَحْمَن.. كَيْفَ لِي أَنْ أَثِقَ بِأَنَّهُ طَلَّقَنِي دُونَ وَرَقَةٍ رَسْمِيَّةٍ وَدُونَ أَنْ أَرَاهُ؟!”

ضَحِكَ سيد رَحْمَن بِخُبْثٍ: “يَا لَمْيَاء، القَضِيَّةُ لَيْسَتْ قَانُونِيَّةً مَدَنِيَّةً، بَلْ شَرْعِيَّةٌ غَيْبِيَّةٌ.. , و الطَّلَاقُ يَقَعُ بِالكَلَامِ فَقَدْ، وَمَحْمُودٌ ثِقَةُ المَرَاجِعِ وَهَذَا يَكْفِي”.

سَأَلَتْهُ مُسْتَسْلِمَةً: “يَعْنِي هَذَا الأَمْرُ صَحِيحٌ وَبِذِمَّتِكَ؟”

أَجَابَهَا وَهُوَ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى لِحْيَتِهِ: “طَبْعاً… ؛ صَحِيحٌ شَرْعاً وَأَنَا المَسْؤُولُ أَمَامَ اللهِ فَقَطْ، وَلَسْتُ مَسْؤُولاً أَمَامَ أَهْلِكِ أَوْ زَوْجِكِ”.

فِي الغَدِ، جَاءَتْ لَمْيَاءُ وَسَلَّمَتْهُ المَلَايِينَ الثَّلَاثَةَ… ؛  قَبَضَ المَالَ وَنَقَدَهَا بِعَيْنَيْهِ الجَشِعَتَيْنِ قَائِلاً: “الآنَ سَأَمُرُ مَحْمُوداً بِالسَّفَرِ فَوْراً إِلَى قُمَّ المُقَدَّسَةِ لإِجْرَاءِ الطَّلَاقِ، سَيَبْقَى هُنَاكَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ نَعْرِفُ النَّتِيجَةَ”.

الفصل الخامس : الخيط الأول

في الليلة التي سبقت مجيءَ لمياء إلى سيد رحمن… ؛ و بينما كان يغلق أبواب المسجد، سمع خادم المسجد ابو فلاح  يقول لرجل آخر:

“كل سنة يجمعون أموالًا للبلاط…؛ وأنا أبدل البلاطات المكسورة من مالي الخاص .”

توقف محمود مكانه.

كانت الجملة قصيرة، لكنها سقطت على قلبه كحجر في بئر ساكنة.

في تلك الليلة لم ينم..

ظل يتذكر كل موقف مر به مع السيد ..

كل كلمة..

كل زيارة..

كل تبرع..

كل ابتسامة..

بدأ يشعر بأنه لم يكن يرى الحقيقة، بل الصورة التي أراد هو أن يراها…

لكن الحقيقة لا تطرق الباب دفعةً واحدة.

إنها تبدأ عادةً بهمسة…

ثم تتحول إلى سؤال…

ثم إلى يقين لا يستطيع الإنسان الفرار منه.

وفي تلك الليلة، لم يكن محمود يعلم أن الخطوة التالية ستقلب حياته كلها، وأن الرجل الذي ظنه مرشدًا روحيًا لم يكن يراه إلا قطعةً ثمينة على رقعة شطرنج، يحركها متى شاء، ويخفي وراءها لعبةً أكبر بكثير مما كان يتخيل…

الفصل السادس الخيط الثاني

وفي اليوم التالي، جاء محمود إلى المسجد، لكن خطاه هذه المرة لم تقُدها رغبةٌ في العبادة أو الخدمة كما اعتاد، بل ساقه إليها دافعٌ آخر؛ دافعُ البحث والتقصي، والرغبةُ في كشف ما خفي من الحقائق.

لقد دخل المكان بعين المحقق لا بعين العابد، وبأسئلةٍ أثقل من صمته، وكأن شيئًا غامضًا كان ينتظره بين جدران المسجد، يطالب بأن يُكشف أخيرًا.

وقد جاء إلى المسجد شاب في الثلاثين من عمره، تبدو على وجهه علامات الانكسار…

قال للسيد :

“سيدنا… زوجتي مريضة، وقد أخبرتموني قبل أشهر أن الجمعية الخيرية ستتكفل بعلاجها.”

قطب السيد حاجبيه.

“راجعني الأسبوع القادم.”

خرج الشاب منكسرًا.

اقترب منه محمود خارج المسجد.

-“أتعرف السيد منذ زمن؟”

-قال الرجل بحزن:

“منذ سنة.. ,  وكل مرة يقول: الأسبوع القادم.”

-“وهل استلمت شيئًا؟”

-“ولا دينارًا واحدًا.”

شعر محمود ببرودة تسري في أطرافه..

كانت هذه أول مرة يسمع فيها شكوى مباشرة..

في المساء، عاد إلى بيته.

وقف أمام المرآة طويلًا.

وقال بصوت خافت:

“يا رب… إن كنت مخطئًا فاغفر لي سوء ظني… وإن كنت محقًا، فلا تجعلني شريكًا في ظلم أحد.”

وفي تلك اللحظة، شعر أن رحلته الحقيقية لم تبدأ يوم دخل المسجد…

بل بدأت الآن، يوم قرر أن يبحث عن الحقيقة، لا عن الطمأنينة.

ولم يكن يعلم أن الحقيقة، حين تُكشف، لا تهدم صورة شخص واحد فحسب، بل قد تهدم العالم الذي بناه الإنسان داخل نفسه.

الفصل السابع  : الخيط الثالث

وفي اليوم التالي ، وبينما كان محمود يؤدي عمله المعتاد في غرفة السيد رحمن؛ يكنسها، وينظفها، ثم يعيد ترتيب كتب الفتاوى والاستفتاءات على رفوفها، استوقفه مشهد لم يكن يتوقعه… ؛  فقد كان الدرج الخشبي الخاص بالسيد رحمن مفتوحًا على غير عادته، فرأى داخله رزمًا متراصة من الدنانير والدولارات، حتى بدا وكأن الدرج يختزن ثروة لا يُستهان بها.

لم يطل تأمله، فأغلق الدرج بهدوء، غير أن الصورة بقيت عالقة في ذهنه.

وقبيل أذان صلاة الظهر، دخل المسجد شيخٌ أحدب الظهر، يكسو وجهه نور الوقار، بينما كانت ملامحه تنطق بالفقر والعوز الطارئ … ؛  تقدم بخطوات متثاقلة نحو السيد رحمن، صافحه بحرارة، ثم قال بصوت اختلط فيه الحياء بالألم:

ـ هل عرفتني؟

أنا الحاج محمد الساعدي، صديق والدك المرحوم إسماعيل الموسوي… ؛  كنتُ أخمّس أموالي عنده حين كانت الدنيا قد وسعت عليّ، لكن الأيام دارت، وأراد الله أن أصبح فقيرًا لا أملك إلا رحمته…

 لم أطرق باب أحدٍ من قبل، لكن معرفتي بوالدك دفعتني إلى المجيء إليك… ؛  زوجتي، أم جاسم، بحاجة إلى عملية جراحية عاجلة، وقد استطعت تدبير نصف تكلفتها فقط، فجئت أرجو أن تعينني بما تستطيع…

ولم يكد يتم حديثه حتى قاطعه السيد رحمن قائلاً:

ـ أهلًا وسهلًا بك يا حاج محمد، ويشهد الله أن حضورك أسعدني، وأنني كلما رأيتك تذكرت والدي رحمه الله… ؛  لكن، والله العظيم، لا أملك مالًا أستطيع أن أساعدك به… ؛  لقد تغيّر الناس، ولم يعودوا يلتزمون بما عليهم من حقوق شرعية؛ فلا خمس، ولا زكاة، ولا صدقات كما كان في السابق… ؛  فاعذرني، فما بيدي شيء.

ساد صمتٌ ثقيل… ؛  انكسرت ملامح الشيخ، وأطرق رأسه دون أن ينبس بكلمة، ثم استدار ببطء وغادر المسجد، يجر خلفه خيبةً أثقل من خطاه.

وكان محمود يراقب المشهد بصمت، بينما لم تغادر ذاكرته صورة الدرج المفتوح، الممتلئ برزم الدنانير والدولارات… ؛  عندها بدأ سؤالٌ ثقيل يطرق عقله بإلحاح: أكان الرجل صادقًا في اعتذاره، أم أن الحقيقة كانت شيئًا آخر؟

ولعل من أقسى ما يذوقه الإنسان أن يضطر، بعد عمرٍ من العطاء والغنى، إلى مدّ يده لأول مرة، ثم يُقابل طلبه الأول بالرفض… ؛  فذلك لا يردّ صاحبه خائبًا فحسب، بل يترك في نفسه جرحًا عميقًا، ويهز كرامته هزًا قد لا تبرئه الأيام.

في كل مرة كان محمود يكتشف تناقضًا في سلوك سيد رحمن ، وكان يقنع نفسه  – وكالعادة – بأن سوء الظن خطيئة، وأن حسن النية عبادة.

وبدأت الأسئلة تكبر داخل محمود كما تكبر الشقوق في الجدران القديمة.

الفصل الثامن : انْفِصَالُ العَوَالِمِ

بعد أن دفعت لمياء المبلغ كاملًا وغادرت، مرّت ثلاثة أيام على تلك الحادثة دون أن يحدث ما يستدعي الانتباه.. ,  غير أنه، وفي ساعة متأخرة من الليل، وعلى غير عادته، تلقّى محمود اتصالًا من السيد رحمن.. ,  كان الأمر غريبًا بما يكفي ليثير في نفسه القلق والتساؤل، إذ لم يكن الرجل ممن يجرون الاتصالات الليلية، ولا ممن يطلبون أحدًا في مثل ذلك الوقت إلا لأمرٍ استثنائي.

-“أَهْلاً مَحْمُود.. أَرْجُو أَنْ لا تُكَلِّفَ نَفْسَكَ بِقَضِيَّةِ طَلَاقِ البِنْتِ الَّتِي حَدَّثْتُكَ عَنْهَا”.

تَعَجَّبَ مَحْمُودٌ الصَّادِقُ: “لِمَاذَا يَا سَيِّد؟ إِنَّهَا مِسْكِينَةٌ وَيَجِبُ تَقْدِيمُ العَوْنِ لَهَا لِتَخْلِيصِهَا مِنْ ذَاكَ الفَاسِدِ!”.

اخْتَلَقَ رَحْمَن كِذْبَةً تُنَاسِبُ الثَّقَافَةَ السَّائِدَةَ: “لَقَدْ تَدَخَّلَ وَالِدُهَا وَرَفَضَ الطَّلَاقَ تَمَاماً، وَهَدَّدَنِي بِالعَشَائِرِ إِنْ تَدَخَّلْنَا فِي أُمُورِهِمْ”.

تَنَفَّسَ مَحْمُودٌ الصُّعَدَاءَ وَقَالَ: “إِذَنْ لا دَخْلَ لَنَا.. القَضِيَّةُ عِائِلِيَّةٌ وَعَشَائِرِيَّةٌ وَهُمْ أَدْرَى بِشَأْنِهِمْ”.

اتَّصَلَ سيد رَحْمَن بِلَمْيَاءَ، وَبِنَبْرَةٍ خَاشِعَةٍ مُهَنِّئَةٍ قَالَ:

“مَبْرُوكٌ يَا لَمْيَاء.. لَقَدْ عَادَ مَحْمُودٌ اليَوْمَ مِنْ قُمَّ المُقَدَّسَةِ، وَتَمَّ طَلَاقُكِ الشَّرْعِيُّ بِحَمْدِ اللهِ.. لَكِنْ إِيَّاكِ أَنْ تَتَحَدَّثِي بِالأَمْرِ، أَبْقِيهِ سِرّاً مُطْلَقاً لِكَيْ لا نَقَعَ فِي مَشَاكِلَ”.

أَجَابَتْ لَمْيَاءُ بِفَرْحَةٍ غَامِرَةٍ، وَهِيَ تَظُنُّ أَنَّ السَّمَاءَ قَدْ فَتَحَتْ لَهَا بَاباً:

“بَارَكَ اللهُ فِيكَ سَيِّدَنَا.. وَكَثَّرَ اللهُ مِنْ أَمْثَالِكُمْ!”.

ساور الشكُّ محمودًا، ولم يجد في جواب السيد رحمن ما يبدّد حيرته أو يقنع عقله، لكنه آثر الصمت… ؛  لم يكن من طبعه التسرع في إطلاق الأحكام، وكان يؤمن أن الحقيقة لا تُبنى على الظنون، وأن الله كفيلٌ بأن يكشف المستور في أوانه… ,  لذلك ترك الأمر للزمن، منتظرًا أن تأتيه الإجابة من حيث لا يحتسب.

وفي تلك الليلة، تمدد على فراشه، لكن النوم جافاه.. ,  ظلّ ذهنه مشغولًا بصورة السيد رحمن، يستعيد كلماته، ويوازن بينها وبين تصرفاته، ويتذكر ما كان يتداوله بعض الناس عنه همسًا، ثم يقارن ذلك كله بما يراه كل يوم من خلوّ المسجد إلا من قلةٍ من المصلين، وغياب الوجوه المعروفة بالورع والاستقامة عنه.

كانت الأسئلة تتكاثر في رأسه أكثر مما تتكاثر الأجوبة، حتى أحس أن وراء هذا الهدوء الظاهر سرًّا لم يكشف عن نفسه بعد.

الفصل التاسع  : وجه المرآة

بعد تلك الليلة، لم يعد محمود يدخل المسجد بالطريقة نفسها.

كان في السابق يعبر عتبته بقلبٍ مطمئن، أما الآن فقد صار يشعر أن كل حجر فيه يسأله سؤالًا واحدًا:

“هل ترى الحقيقة… أم ترى ما تريد أن تراه؟”

جلس بعد صلاة المغرب في آخر الصفوف.

دخل رجل يحمل ظرفًا سميكًا يضم رزمةً من النقود… ؛ ووضعه بهدوء قرب صندوق التبرعات، ثم خرج دون أن يلتفت.

بعد دقائق، جاء سيد رحمن ، فتح الصندوق، وأخذ الظرف إلى غرفته الخاصة.

لم يكن المشهد وحده كافيًا للحكم، لكنه ترك في نفس محمود أثرًا لم يستطع محوه.

في اليوم التالي، زاره صديق قديم اسمه جابر.

كان يعرف محمود منذ الطفولة.

نظر إليه طويلًا ثم قال:

“تغيّرت.”

ابتسم محمود ابتسامة باهتة.

“ربما كبرت.”

قال جابر:

“لا… الإنسان لا يكبر في سنة .. , هناك شيء يثقل قلبك.”

ظل محمود صامتًا.

ثم قال:

“هل يمكن للإنسان أن يخدع نفسه سنوات أو شهور وهو يظن أنه يرى الحقيقة؟”

أجابه جابر:

“أحيانًا لا يخدعنا الآخرون… بل تخدعنا حاجتنا إلى الإيمان بهم.”

كانت تلك الجملة أشبه بمفتاح فتح بابًا ظل مغلقًا في ذهن محمود.

بدأ يراقب نفسه بدلًا من مراقبة السيد .

اكتشف أن المشكلة لم تكن في السيد وحده.

لقد كان هو أيضًا يصنع صورة مثالية لكل من يرتدي ثوب الوقار والدين .

وكان كلما ظهرت علامة تناقض، أسرع إلى تبريرها حتى لا تنهار الصورة.

أدرك أن الإنسان قد يصبح شريكًا في الوهم، لا لأنه يحب الكذب، بل لأنه يخاف الحقيقة.

الفصل العاشر : رؤيا الحق والحقيقة

بعد عودة محمود إلى البيت، ألقى بجسده على الفراش كما يلقي الغريق نفسه على جذع خشبةٍ بعد صراعٍ طويل مع الأمواج.. ,  كان التعب قد استنزف جسده، وأرهقت الحيرة روحه، فما إن استقر رأسه على الوسادة حتى استسلم لنومٍ عميق، كأنما أراد العقل أن يفرّ مؤقتًا من أسئلته، وأن يمنح القلب هدنةً قصيرة من ثقل الشكوك.

في تلك الليلة، رأى حلمًا غريبًا.

رأى مسجدًا عظيمًا بلا أبواب.

كلما اقترب الناس منه، وجدوا أنفسهم ينظرون إلى مرايا معلقة على الجدران بدل المحراب.

وكان كل واحد منهم يسجد لصورته دون أن يشعر.

أما في وسط المسجد، فكان طفل صغير يحمل مصباحًا، لكنه كلما اقترب من الناس أطفأوا المصباح بأيديهم، لأن النور كان يكشف وجوههم الحقيقية.

ثم رأىٰ نهراً يجري تحتَ الرمادِ الذي غطّىٰ وجوهَ المصلين، ورأىٰ العمائمَ تتحوّلُ إلىٰ حماماتٍ بيضاءَ تحلقُ فوقَ القباب، وتسمعُ همساً يقولُ له: “يا محمود، ليسَ الشريفُ من ينظفُ ثوبَهُ عن الأوساخ، بل من يغسلُ قلبهُ من أوهامِ الناسِ الذينَ يلبسونَ ثيابَ السماءِ وهم يحملونَ ترابَ الأرض”.

ثم رأى سيد رحمن  يصعد المنبر، فإذا بصوته يخرج من فم شيطان، بينما كان وجهه يشبه وجه ملاك.

ورأى ميزانًا عجيبًا؛ تُوزن فيه النوايا لا الأعمال، فإذا بكلمة حق قالها متدين فقير أثقل من آلاف الخطب التي ألقاها معمم منافق.

استيقظ مذعورًا.

وفي تلك اللحظة، وسط ظلام الليل وصمت الكون، سمع صوتاً داخلياً، صوتاً لا يأتي من الخارج، بل من أعمق نقطة في روحه.. ,  صوت يشبه صوت النهر، همس له: “الطهارة ليست في المكان الذي تتواجد فيه، بل في قدرتك على التمييز بين الماء والسراب، بين الصادق والمنافق، بين بيت الله وسوق النخاسة… ,  انهض، واغسل روحك، وعد إلى ينبوعك الأول”.

ونهض محمود… ,  لم يعد إلى ذلك المسجد أبداً.. ,  ترك خلفه سيد رحمن يمارس ألاعيبه، وترك الجدران المتشققة تحفظ أسرارها، وترك المال الحرام يحرق أيدي من يلمسه.

ومضى في طريقه، نحو المجهول، نحو ينبوع جديد، علّه يجد فيه الماء الذي لم تلوثه الأيدي القذرة، والسماء التي لم تحجبها قباب المساجد المزيفة.

وبقي سيد رحمن وحده في غرفته الخلفية، يعد النقود، يرتجف من كل صوت خطوات، يراقب الظلال، يخاف من زيد المسجون، ومن لمياء المخدوعة، ومن السيد كاظم الذي قد يكتشف الحقيقة يوماً، ومن محمود الذي رحل بصمت كالنهر الجاري.

شعر محمود لأول مرة أن الشر لا يرتدي دائمًا وجهًا قبيحًا، بل قد يلبس عباءة الوقار، ويحمل مسبحة، ويتحدث بلغة القداسة..

ثم رفع رأسه وقال:

“يا رب… كنت أبحث عنك في المباني والمساجد ، فاكتشفت أنك كنت تنتظرني في ضميري وقلبي .”

كم كنتُ غافلًا حين هدمتُ مسجدَ القلب الذي أودعته فيَّ، وسعيتُ إلى عمارة مساجدٍ لا يسكنها إلا الرياء… ؛  لقد تركتُ المعبدَ الحقيقي موحشًا، وأضأتُ قناديلَ النفاق في بيوتٍ خاوية من الصدق…

ومنذ ذلك اليوم، أدرك أن أخطر الأصنام ليست تلك المنحوتة من الحجر، بل تلك المصنوعة من الهيبة الزائفة، والخوف، والتقديس الأعمى…

ولم يعد يسأل عن عدد المصلين.

بل صار يسأل عن صدق الإمام.

ولم يعد يبهره طول اللحية.

ولا عذوبة الموعظة.

ولا كثرة التسابيح.

فقد تعلم أن القداسة لا تسكن العمائم، بل تسكن الضمائر.

وأن الدين لا يفسده الملحدون كما يفسده المنافقون.

وأن أخطر اللصوص ليس من يسرق أموال الناس، بل من يسرق ثقتهم بالله.

وأدرك أخيرًا أن الشيطان لا يحتاج دائمًا إلى أن يهدم المسجد…

يكفيه أحيانًا أن يجلس في الصف الأول، ويبتسم، ويقول للناس:

“اتركوا الأمر لي… فأنا أعرف الطريق إلى الله.”

وعندما استعاد محمود ذكرياته في مسجد سيد رحمن، أخذت المشاهد تتدفق إلى ذاكرته تباعًا؛ كأنها صفحاتٌ قديمة أعاد الزمن فتحها، أو شريطٌ صامت أخذ يعرض أمام عينيه كل ما رآه وسمعه وعاشه في تلك الأيام… ؛ وشعر بأنَّ كلَّ جدرانِ المسجدِ تضحكُ عليهِ ضحكةً صامتة، وأنَّ القبلةَ التي يتجهُ إليها ليستْ في اتجاهِ مكةَ بل في اتجاهِ شهواتِ البشرِ المختبئةِ تحتَ العمائم…

وصار يقول لكل من يسأله عن الإيمان:

“الإيمان لا يُقاس بطول اللحية، ولا بكثرة الشعارات، ولا بضجيج الخطب..,  الإيمان الحقيقي هو أن يبقى قلب الإنسان نقيًا عندما تتاح له كل فرص الفساد.”

ولما تقدمت به السنون، كتب في آخر صفحة من مذكراته:

“لقد اكتشفت أن الشيطان لا يكره المعابد؛ بل قد يسكنها إذا غاب عنها الصدق.. ,  وأن الإنسان لا يسقط عندما يخطئ، وإنما يسقط حين يجعل من الخطأ دينًا، ومن الكذب رسالة، ومن استغلال الناس عبادة.. ,  أما الحقيقة، فهي كالشمس؛ قد تحجبها الغيوم طويلًا، لكنها لا تموت أبدًا.”