الصحافة الاستقصائية في السويد
إيهاب مقبل
لا يُعد الفساد مجرد مخالفة قانونية أو تجاوز إداري محدود، بل يمثل أحد أخطر التحديات التي تواجه الدول الحديثة، لأنه يضرب أسس العدالة والمساواة ويقوض ثقة المواطنين بمؤسساتهم العامة. فالفساد يؤدي إلى هدر الموارد المالية، وإضعاف الخدمات الأساسية، وإعاقة الاستثمار والتنمية، ويحول دون وصول الحقوق والخدمات إلى مستحقيها، كما يفتح المجال أمام الجريمة المنظمة والتدخلات السياسية غير المشروعة.
وتؤكد التجارب الدولية أن الدول التي تسمح بتجذر الفساد داخل مؤسساتها تصبح أكثر عرضة لعدم الاستقرار السياسي، ولانهيار الثقة بين المواطن والدولة، ولتراجع الأداء الاقتصادي والتنموي. فالفساد لا يسرق الأموال العامة فحسب، بل يسرق فرص الأجيال القادمة ويقوض فكرة المواطنة وسيادة القانون.
التجربة السويدية: بناء ثقافة النزاهة قبل بناء القوانين
تُصنف السويد باستمرار ضمن أقل دول العالم فساداً، غير أن هذا الواقع لم يتحقق نتيجة تشريعات صارمة فقط، وإنما جاء ثمرة مسار طويل من بناء المؤسسات المستقلة وترسيخ ثقافة مجتمعية تعتبر النزاهة قيمة أساسية لا يمكن التهاون بشأنها.
وتقوم السياسة السويدية على مبدأ عدم التسامح مع أي شكل من أشكال الرشوة أو استغلال المنصب العام، مهما كان حجم المنفعة أو قيمتها المادية. فالهدايا التي قد تُعد أمراً طبيعياً في بعض المجتمعات يمكن أن تخضع للتدقيق القانوني إذا كان من شأنها التأثير على حياد الموظف العام أو استقلالية قراره.
وتتمتع أجهزة القضاء والشرطة والنيابة العامة باستقلالية واسعة عن السلطة التنفيذية والأحزاب السياسية، الأمر الذي يسمح بفتح التحقيقات ومحاسبة المسؤولين دون اعتبارات سياسية أو حزبية. كما تعمل وحدات متخصصة في مكافحة الجرائم الاقتصادية والفساد، وتضم محققين ومدعين عامين يمتلكون خبرات متخصصة في هذا المجال.
الشفافية والحق في الوصول إلى المعلومات
تعد الشفافية أحد أهم الأسلحة التي تستخدمها السويد في مواجهة الفساد. فمبدأ العلنية يتيح للمواطنين والصحفيين الاطلاع على عدد كبير من الوثائق الحكومية، بما في ذلك بعض القرارات الإدارية والمراسلات والإنفاق العام، ما يعزز الرقابة المجتمعية على عمل الدولة.
وتؤدي الصحافة الاستقصائية دوراً مركزياً في كشف المخالفات وقضايا تضارب المصالح، مستفيدة من الحماية القانونية الواسعة التي توفرها الدولة لحرية التعبير وسرية المصادر الصحفية. وكثيراً ما تؤدي التقارير الإعلامية إلى فتح تحقيقات رسمية أو استقالة مسؤولين عند ثبوت وجود تجاوزات.
مكافحة غسل الأموال وتتبع مصادر الثروة
تفرض السويد قيوداً صارمة على عمليات غسل الأموال وإخفاء مصادر الثروة غير المشروعة. فالبنوك والمؤسسات المالية ومدققو الحسابات ووكلاء العقارات ملزمون قانوناً بالتحقق من مصادر الأموال والإبلاغ عن العمليات المشبوهة.
وعند ظهور مؤشرات على وجود تفاوت كبير بين مستوى المعيشة والدخل المعلن، يمكن للسلطات الضريبية والجهات المختصة إجراء تدقيقات ومراجعات للتحقق من مشروعية مصادر الأموال، خصوصاً إذا ارتبط ذلك بشراء عقارات أو سيارات فاخرة، أو إجراء تحويلات مالية كبيرة، أو تنفيذ معاملات غير اعتيادية.
وفي هذا السياق، تُظهر بعض الحالات العملية كيف تعمل أنظمة الرقابة المالية في الدول الأوروبية. فعلى سبيل المثال، قد يتم في بعض الحالات إيقاف أو تأخير تحويلات مالية دولية مؤقتًا، مثل تحويل مبلغ يقارب 50 ألف دولار من السويد إلى ألمانيا ضمن صفقة تجارية لشراء سيارات، وذلك من قبل السلطات أو البنوك المختصة، بهدف التحقق من مصدر الأموال وطبيعة العملية ومدى امتثالها لقوانين مكافحة غسل الأموال. وقد يستمر هذا الإجراء لفترة قد تصل إلى أسابيع قبل السماح بإتمام التحويل بعد التأكد من سلامة المعاملة.
كما أسهم الاعتماد الواسع على المدفوعات الإلكترونية (البطاقات) وتقليص استخدام النقد (الكاش) في تعزيز قدرة الدولة على تتبع حركة الأموال، والحد من بعض صور الرشوة والتهرب الضريبي وغسل الأموال.
حماية المبلغين وترسيخ الأخلاقيات المهنية
تعتمد السويد بصورة كبيرة على المبلغين عن الفساد والصحافة الحرة باعتبارهما جزءاً من منظومة الرقابة المجتمعية. ولذلك توفر قوانينها حماية للمبلغين عن المخالفات داخل المؤسسات العامة والخاصة، وتمنح الصحفيين ومصادرهم ضمانات قانونية واسعة.
وتلتزم المؤسسات الحكومية والشركات الكبرى بوضع مدونات سلوك واضحة تتعلق بالهدايا وتضارب المصالح والعلاقات مع المتعاقدين، إضافة إلى برامج تدريبية دورية لترسيخ مبادئ النزاهة والأخلاق المهنية.
السويد: نجاح كبير لا يعني غياب الفساد
وعلى الرغم من السمعة الدولية التي تتمتع بها السويد بوصفها إحدى أكثر دول العالم نزاهة وشفافية، فإن السلطات السويدية تؤكد باستمرار أن ذلك لا يعني غياب الفساد أو انتهاء المعركة ضده. فالهدف المعلن لا يقتصر على الحفاظ على موقع متقدم عالمياً، بل يتمثل في مواصلة تطوير المؤسسات والآليات الرقابية والسعي إلى تقليص الفساد إلى أدنى مستوى ممكن والوصول إلى المرتبة الأولى في مؤشرات مدركات الفساد.
ووفقاً لمؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، احتلت السويد في العام الماضي 2025 المرتبة السادسة عالمياً من أصل 180 دولة، بحصولها على 82 نقطة من أصل 100. ورغم أن هذه النتيجة تضعها ضمن أقل دول العالم فساداً، فإنها تؤكد أن الفساد بطبيعته من الجرائم شديدة الصعوبة من حيث الاكتشاف والإثبات، وأن هناك عدداً كبيراً من الحالات التي لا يتم الإبلاغ عنها أو لا تصل إلى الجهات المختصة.
ويُعد ارتفاع مستوى الوعي المجتمعي بالمخاطر المرتبطة بالفساد مؤشراً إيجابياً، إذ بات المواطنون والمؤسسات يدركون أن الفساد يشكل تهديداً خطيراً حتى في الدول ذات الأنظمة المتقدمة. وفي هذا السياق، يؤكد المختصون أن نجاح الدول في مكافحة الفساد لا يعتمد فقط على القوانين، بل على الثقافة المؤسسية والقيم الأخلاقية السائدة داخل المجتمع.
وكما جاء في أحد التوصيفات السويدية: «هناك دول نجحت في تغيير مسارها نحو الأفضل، لكن الطريق طويل بالنسبة للكثيرين. ويتطلب الأمر تغييرًا ثقافيًا من الداخل. فمواقف العاملين في القضاء والموظفين العموميين وغيرهم، إلى جانب نزاهتهم وشجاعتهم وبوصلتهم الأخلاقية، لها أهمية كبيرة. وأحيانًا لا تكون القوانين الرسمية كافية، إذ قد يخشى الناس الانتقام إذا أبلغوا عن المخالفات، فيلجؤون إلى الرقابة الذاتية».
الفساد في العراق: جذور تاريخية وتحولات اجتماعية
يواجه العراق تحدياً معقداً في مجال مكافحة الفساد، إذ لا تقتصر المشكلة على الجوانب القانونية أو الإدارية، بل تمتد إلى عوامل تاريخية واجتماعية واقتصادية تراكمت عبر عقود طويلة.
ويرى كثير من الباحثين أن مظاهر الفساد اتسعت خلال تسعينيات القرن الماضي في ظل العقوبات الاقتصادية الدولية وتراجع مؤسسات الدولة وتدهور الظروف المعيشية، الأمر الذي دفع قطاعات واسعة من المجتمع إلى الاعتماد على الوساطة والرشوة لتسيير المعاملات اليومية والحصول على الاحتياجات الأساسية.
وبعد غزو العراق عام 2003، ومع التحولات السياسية والأمنية الكبرى، ازدادت الظاهرة اتساعاً وتعقيداً نتيجة ضعف مؤسسات الدولة وتداخل النفوذ الحزبي والطائفي مع الإدارة العامة، وأصبحت شبكات المحسوبية والولاءات السياسية تؤثر في التعيينات والعقود والمناصب الإدارية، مما ساهم في ترسيخ الفساد داخل العديد من المؤسسات.
ولا يعني ذلك أن المجتمع العراقي بأكمله يقبل الفساد، إلا أن بعض الممارسات مثل الرشوة أو الوساطة تُعتبر في قطاعات محددة أكثر تسامحاً اجتماعياً مما يجعل مكافحتها أكثر تعقيداً، ويحوّلها أحياناً من سلوك فردي مخالف إلى نمط متكرر مرتبط بتعقيدات الإجراءات وضعف الرقابة.
الفساد الإداري والبيروقراطية والرشوة اليومية
يتجلى الفساد الإداري في العديد من صوره، مثل استغلال النفوذ، والمحسوبية، والتعيينات غير المبنية على الكفاءة، والتلاعب بالإجراءات، وطلب الرشاوى مقابل إنجاز المعاملات أو تسريعها.
وفي ظل التعقيد الإداري وكثرة الإجراءات الورقية، يصبح المواطن أحياناً عرضة لبيئة تسمح بظهور ممارسات غير قانونية. في المقابل، أسهمت الرقمنة في السويد في تقليل الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظف، مما قلل فرص الفساد الإداري بشكل كبير.
الفساد في العقود والمشاريع العامة
تمثل العقود الحكومية والمشاريع العامة أحد أكثر المجالات حساسية للفساد في العديد من الدول. وفي العراق، أُثيرت خلال السنوات الماضية شبهات تتعلق بتضخم كلف المشاريع، وتأخر التنفيذ، وضعف جودة بعض الأعمال، إضافة إلى قضايا تتعلق بآليات التعاقد والمنافسة.
أما في السويد، فتخضع المشتريات الحكومية لمعايير شفافة تعتمد على المنافسة المفتوحة والرقابة والإفصاح، مع إمكانية متابعة الإنفاق العام، مما يقلل فرص التلاعب أو المحاباة.
الآثار المدمرة للفساد على الدولة
يؤدي الفساد إلى إضعاف الاقتصاد، وتراجع الاستثمار، وتدهور الخدمات العامة، وتعميق الفوارق الاجتماعية. كما يضعف ثقة المواطنين بالدولة ويعزز الانقسامات الاجتماعية، ويتيح للجريمة المنظمة التوسع.
وعلى المدى الطويل، يمكن أن يؤدي الفساد إلى إضعاف قدرة الدولة على الحكم وإدارة الموارد، ويشكل تهديداً مباشراً للاستقرار السياسي والتنمية المستدامة.
خاتمة
تظهر المقارنة بين السويد والعراق أن مكافحة الفساد لا تتحقق بالقوانين وحدها، بل عبر بناء مؤسسات قوية مستقلة، وتعزيز الشفافية، وتطوير الأنظمة الرقمية، وحماية المبلغين، وترسيخ ثقافة اجتماعية تعتبر النزاهة معياراً أساسياً، إضافة إلى دور محوري لحرية الصحافة والإعلام، إذ تُعد الصحافة الاستقصائية في الدول الديمقراطية مثل السويد أحد أهم أدوات كشف الفساد ومراقبة أداء المؤسسات العامة، مستفيدة من ضمانات قانونية قوية تتيح الوصول إلى المعلومات وحماية المصادر، وهو ما يعزز الرقابة المجتمعية ويحد من فرص الإفلات من المساءلة.
ورغم التباين الكبير بين التجربتين، فإن الدرس الأهم هو أن الفساد ليس قدراً ثابتاً، بل ظاهرة يمكن الحد منها تدريجياً عبر الإصلاح المؤسسي والثقافي المستمر، والإرادة السياسية الجادة في بناء دولة تقوم على القانون والمساءلة والمساواة.
انتهى