طائفية الدولة الملكية العراقية بالوثائق والشواهد

رياض سعد

عندما يُصوَّر العهد الملكي العراقي على أنه “العصر الذهبي للمؤسسات والحريات”، فإن العودة إلى الوثائق الرسمية تضعنا أمام صورة أخرى أقل بريقًا وأكثر التصاقًا بحقائق الواقع السياسي والاجتماعي الذي نشأ عليه العراق الحديث منذ تأسيسه عام 1921 تحت الرعاية البريطانية... ؛ فالدول لا تُقاس بالشعارات، بل بطريقة تعاملها مع مكوناتها الاجتماعية، وبمدى المساواة التي توفرها لمواطنيها، وبطبيعة العلاقة التي تربط السلطة بالمجتمع.

لقد نشأت الدولة العراقية الحديثة سنة 1921 في ظل الاحتلال البريطاني، ضمن ترتيبات سياسية صاغتها سلطة الانتداب وأوكلت إدارتها إلى نخب سياسية وعسكرية هجينة واجنبية وعميلة ورث قسم كبير منها مواقعها ونفوذها من العهد العثماني… ؛  ومنذ السنوات الأولى ظهرت فجوة واضحة بين التركيبة السكانية الكبرى للعراق وبين مراكز القوة في الجيش والإدارة والبيروقراطية العليا، الأمر الذي أنتج شعوراً متنامياً لدى شرائح واسعة من العراقيين بأن الدولة لا تمثلهم بالقدر الذي تمثل به النخب الهجينة الحاكمة.

ومن بين الشواهد التي تكشف طبيعة النظرة الرسمية إلى الأوساط الشيعية، وثيقة صادرة عن مديرية شرطة لواء المنتفك بتاريخ 10 أيار 1934، خلال عهد الملك غازي ورئاسة الوزارة برئاسة جميل المدفعي… ؛  فالوثيقة لا تتحدث عن جريمة جنائية ولا عن نشاط تخريبي أو عمل مسلح، وإنما تنصرف إلى متابعة أشخاص بسبب انتمائهم المذهبي وعلاقاتهم الاجتماعية والدينية... ؛ وتتابع مدى احترام الأهالي لهم، وعلاقاتهم برجال الدين، ومكانتهم داخل المجتمع المحلي… ؛  بل إن التقرير يتوقف عند الهوسات والعلاقات العشائرية والشعبية المحيطة بهم، في مشهد يكشف أن الهوية المذهبية والنفوذ الاجتماعي كانا يدخلان ضمن دائرة الرصد الأمني الرسمي.

إن مجرد قيام جهاز أمني رسمي بإعداد تقرير يتناول الخلفية المذهبية للأفراد وصلاتهم بالوسط الديني ومقدار تأثيرهم الاجتماعي يكشف أن الهوية المذهبية لم تكن بالنسبة للدولة مجرد شأن شخصي أو ديني، بل كانت موضوعًا للمتابعة والرصد الأمني.

وهنا لا تبدو المسألة مجرد إجراء إداري عابر، بل جزءًا من عقلية دولة منكوسة كانت تنظر إلى قطاعات اجتماعية ودينية واسعة بعين الريبة والحذر.. ,  وهي عقلية ظهرت في العديد من الوثائق والتقارير الرسمية التي تناولت رجال الدين وزعماء العشائر والشخصيات الاجتماعية المؤثرة، خصوصًا في مناطق الفرات الأوسط والجنوب.

والسؤال الذي تفرضه هذه الوثيقة هو: لماذا تصبح الانتماءات الدينية والعلاقات الاجتماعية موضوعاً لتقارير الشرطة والأجهزة الإدارية إذا لم تكن السلطة تنظر إليها باعتبارها قضية تستحق المراقبة والمتابعة؟

هذه الوثيقة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع شهدته العقود الأولى من عمر الدولة العراقية، حيث تكررت شكاوى شخصيات سياسية ودينية من ضعف المشاركة في مؤسسات الدولة العليا، ولا سيما في الجيش والسلك الإداري والدبلوماسي. كما أن العديد من الدراسات التاريخية أشارت إلى استمرار هيمنة نخب سياسية وعسكرية محددة على مفاصل الدولة، في وقت بقيت فيه مناطق واسعة من الفرات الأوسط والجنوب تعاني ضعف الخدمات والتعليم والبنية التحتية مقارنة بمركز السلطة في بغداد.

إن الوثيقة الصادرة عن شرطة المنتفك سنة 1934 لا تُقرأ بوصفها حادثة منفردة فحسب، بل باعتبارها نافذة تكشف جانبًا من طبيعة النظام السياسي الذي حكم العراق آنذاك.. ,  فهي تظهر أن أجهزة الدولة لم تكن منشغلة فقط بحفظ الأمن، بل كانت تراقب البنية الاجتماعية والدينية للمجتمع، وتتعامل مع النفوذ الديني والشعبي بوصفه ملفًا أمنيًا يستحق التقارير والمتابعة.

وقد بلغ هذا النهج  المنكوس ذروته في ظل الحكومات الطائفية الهجينة المتعاقبة قبل عام 2003، حيث اتخذت السياسات الأمنية، في مراحل معينة، طابعًا يقوم على الاشتباه بالانتماء الديني والممارسة الشعائرية لدى شريحة واسعة من المواطنين… ؛  ففي بعض الفترات، أصبحت بعض المظاهر الدينية سببًا للاستدعاء الأمني أو الاعتقال، بل وأحيانًا للإحالة إلى محاكمات انتهت بأحكام قاسية كالإعدام .

وكان يكفي أن يُضبط بحوزة أحدهم كتاب **«ضياء الصالحين»** للأدعية، أو أن يُعرف بكثرة ارتياده المساجد والحسينيات، أو مشاركته في بعض الشعائر المرتبطة بذكرى عاشوراء، مثل ركضة طويريج أو إعداد الهريسة وتوزيعها، حتى يثير ذلك الشبهات لدى الأجهزة الأمنية في تلك المرحلة.

ولم يكن المستهدف في كثير من هذه الحالات نشاطًا سياسيًا مثبتًا بقدر ما كان التعبير عن الهوية الدينية أو ممارسة طقوس اعتاد عليها المجتمع منذ قرون… ؛  وهكذا تحولت ممارسات دينية واجتماعية وثقافية، في نظر السلطة الهجينة آنذاك، إلى مؤشرات على عدم الولاء أو إلى ذرائع للملاحقة الأمنية، الأمر الذي عمّق شعور قطاعات واسعة من العراقيين بالاغتراب داخل وطنهم، ورسّخ فجوة عميقة بين الدولة والمجتمع، وهي فجوة ما زالت آثارها السياسية والاجتماعية حاضرة في الذاكرة العراقية حتى اليوم.

ولا تهدف قراءة مثل هذه الوثائق إلى إحياء الخصومات أو إثارة الأحقاد، وإنما إلى إعادة قراءة التاريخ بعيدًا عن التقديس والتجميل… ؛  فالدولة العادلة لا تُقاس بعدد الوزارات والبرلمانات والصحف فحسب، بل تُقاس أيضًا بمدى احترامها لمواطنيها وعدم تحويل هوياتهم الدينية والمذهبية إلى موضوع للرصد والتجسس والمتابعة الأمنية.

وعندما نقرأ هذه الوثيقة اليوم، فإننا لا نقرأ مجرد ورقة صفراء من أرشيف قديم، بل نقرأ إحدى الشواهد التي تساعد على فهم الجذور العميقة لأزمة الدولة العراقية الحديثة، والأسباب التي جعلت قطاعات واسعة من العراقيين تشعر لعقود طويلة بأن الدولة لم تكن تمثلهم بالقدر الذي تمثل به النخب الهجينة والعميلة التي جاءت بها ظروف الاحتلال والتأسيس الأول.

فالدولة العادلة لا تُبنى على الشك بالمواطنين بسبب انتماءاتهم، ولا على مراقبة الناس بسبب مذاهبهم أو علاقاتهم الاجتماعية، بل على مبدأ المواطنة المتساوية وسيادة القانون والتمثيل العادل لجميع أبناء الوطن… ؛  أما عندما تتحول الهوية إلى ملف أمني، فإن ذلك يصبح مؤشراً على خلل بنيوي في العلاقة بين السلطة والمجتمع، وهو خلل ترك بصماته العميقة على التاريخ السياسي العراقي لعقود طويلة.