مقولة «العراقي لا ينفع معه إلا السوط»… كذبة صُنعت لتبرير الاستبداد

رياض سعد

من أكثر العبارات المنكوسة التي تكررت في تاريخ العراق الحديث بل والقديم ، حتى كادت تتحول إلى “حقيقة” في أذهان البعض، تلك المقولة التي تزعم أن العراقيين لا ينفع معهم إلا العنف، وأنهم لا يستحقون الحرية، ولا تصلح لهم الديمقراطية، ولا يحكمهم إلا الحاكم القوي الذي يبطش قبل أن يتحدث، ويخيف قبل أن يقنع.

هذه المقولة لم تكن يوماً وصفاً موضوعياً لطبيعة المجتمع العراقي، بل كانت أداة سياسية ونفسية لتبرير الاستبداد والاجرام والارهاب … ؛  فقد رددها طغاة، وروج لها منتفعون، وكررها بعض الكتّاب والإعلاميين المنكوسين والمؤدلجين والطائفيين ، وتناقلها أشخاص من خارج العراق لم يعرفوا من تاريخه إلا صور الانقلابات والحروب، حتى أصبحت تتردد على ألسنة بعض العرب والأجانب بوصفها تفسيراً جاهزاً لكل ما جرى ويجري في العراق.

والسؤال الذي يفرض نفسه: هل المشكلة في العراقي، أم في الأنظمة التي حكمته؟

إن مراجعة التاريخ العراقي تكشف أن معظم عقود الدولة الحديثة لم تُبنَ على المشاركة السياسية، ولا على سيادة القانون، ولا على احترام الحقوق والحريات، بل غلب عليها الانقلاب، وحكم الفرد والطائفة والمنطقة والعرق والحزب ، وهيمنة الأجهزة الأمنية، وتضخم سلطة الدولة على حساب المجتمع. وفي ظل هذا الواقع، كان من الطبيعي أن تلجأ السلطات إلى صناعة خطاب يبرر القسوة، ويصورها ضرورة وطنية لا غنى عنها.

لقد استند هذا الخطاب إلى فكرة بسيطة لكنها خطيرة: “العراقي بطبيعته لا يلتزم إلا إذا خاف.” ومن هنا أصبحت القبضة الأمنية فضيلة، وتحولت العدالة إلى ضعف، وغدا احترام القانون مرادفاً للتهاون، بينما رُفع القمع إلى مرتبة الحكمة السياسية.

ويروي كثيرون ممن عاشوا تلك المراحل قصصاً عن مسؤولين أمنيين كانوا يبررون القسوة بالاستناد إلى قراءات انتقائية للتاريخ… ؛  فقد كان بعضهم يقول إن العراق، منذ العصور القديمة، لم يعرف الاستقرار إلا في ظل الحاكم الشديد، ويستشهد بالإسكندر المقدوني، أو بالحجاج بن يوسف، أو بغيرهما من الشخصيات التاريخية، ليخلص إلى نتيجة مفادها أن البطش هو الطريق الوحيد لحكم العراقيين.

غير أن هذه النتيجة لا تصمد أمام أي قراءة علمية للتاريخ… ؛  فالعنف قد يفرض الصمت، لكنه لا يصنع الاستقرار.. ,  والخوف قد يؤخر الانفجار، لكنه لا يزيل أسبابه… ؛  أما الدول التي قامت على القانون والمؤسسات والعدالة، فقد أثبتت أن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى بالسجون، وإنما بثقة المواطن بدولته.

ولو كانت مقولة “العراقي لا ينفع معه إلا السوط” صحيحة، لما استطاع العراقي، عبر آلاف السنين، أن يؤسس واحدة من أقدم الحضارات الإنسانية، وأن ينتج أولى القوانين المكتوبة، وأن يبني مدناً كانت منارات للعلم والفكر والإدارة… ؛  فالشعب الذي أنجب حضارات وادي الرافدين، وأسهم في بناء الحضارة الإسلامية، وقدم علماء وأطباء وفقهاء وأدباء ومفكرين، لا يمكن اختزاله في صورة نمطية صاغها المستبدون لتبرير استبدادهم.

إن هذه المقولة لا تسيء إلى العراقيين وحدهم، بل تسيء إلى فكرة الإنسان نفسها؛ لأنها تفترض أن شعباً كاملاً عاجز بطبيعته عن ممارسة الحرية، وأن الاستبداد قدره الأبدي… ؛  وهذا منطق عنصري يناقض حقائق التاريخ وتجارب الأمم… ؛  فما من شعب يولد مهيأً للديمقراطية، أو مهيأً للاستبداد، وإنما تصنع الأنظمة السياسية، والمؤسسات، والتعليم، والثقافة، طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.

والمؤسف أن هذه النظرة لم تقتصر على بعض الطغاة، بل تبناها أيضاً أفراد ووسائل إعلام وخطابات سياسية خارج العراق، فصاروا يرددونها كلما أرادوا تبرير فشل تجربة سياسية أو تشويه صورة العراقيين.

إنها نظرة تختزل شعباً يزيد عمر حضارته على سبعة آلاف عام في أحكام مسبقة لا تستند إلى علم ولا إلى تجربة موضوعية، بل إلى انطباعات متراكمة وأهواء سياسية وصراعات أيديولوجية.

إن احترام العراق لا يكون بتقديس حكامه، ولا بتبرير أخطائهم، بل باحترام الإنسان العراقي، والإيمان بقدرته على بناء دولة عادلة إذا توافرت له مؤسسات حقيقية، وقضاء مستقل، وتعليم رصين، وإدارة كفوءة، ومواطنة متساوية.

لقد أثبت التاريخ أن الاستبداد لا يصنع أوطاناً قوية، وإنما يصنع مجتمعات خائفة.. ,  وأن البطش قد يطيل عمر السلطة، لكنه يقصر عمر الدولة.. ,  أما العراق، فلم يكن يوماً محتاجاً إلى مزيد من السياط، بل كان وما يزال بحاجة إلى دولة قانون، وعدالة، ومؤسسات، تحترم كرامة الإنسان، وتؤمن بأن المواطن ليس عدواً ينبغي إخضاعه، بل شريكاً في بناء الوطن.

إن مقولة “العراقي لا ينفع معه إلا العنف” ليست وصفاً للعراقيين، بل اعترافاً بفشل من حكمهم… ؛  فهي ليست حقيقة تاريخية، وإنما ذريعة استبدادية تكررت كلما عجزت سلطة عن كسب شرعيتها بالعدل، فلجأت إلى السوط بدل القانون، وإلى الخوف بدل الثقة، وإلى القوة بدل الدولة.