الناجون الذين لم ينجوا

رياض سعد

أعيا السَّهَدُ وخوفُ المجهول “خير الله محمد”، فقد سئم الأرق والوجل؛ إذ يقضي ليله ساهراً ونهاره متوجساً، كأنَّه ذئبٌ برِّيٌّ لا ينام إلا وإحدى عينيه مفتوحة .

كان خيرُ الله محمد يؤمن أن الإنسان قد يهرب من السجن، لكنه قد يعجز عن الهرب من السجّان الذي يسكن داخله.

لم يكن الأرق يزوره ليلًا فحسب ، بل كان يقيم عنده إقامةً دائمة؛ فإذا أغمض عينيه، وقف على أبواب ذاكرته طابورٌ طويل من الوجوه الغائبة، بعضها مات، وبعضها اختفى، وبعضها بقي حيًّا، لكنه لم يعد كما كان.

** عهد الرعب وتشوّه الطفولة والمراهقة

انخرط خير الله منذ مراهقته في ثمانينيات القرن المنصرم مع المجاميع الدينية، فشهد قسوة الأجهزة القمعية ووحشية عُتاة البعث ورجال الأمن والمخابرات… ؛  لقد تحالف الجميع ضد المواطنين الملتزمين دينياً من أبناء الأغلبية العراقية.

رأى بأمّ عينه كيف يُعدم الشاب الذي لم يتجاوز العشرين من عمره، ثم تُسلّم جثته إلى أهله مجبرين على عدم إقامة مجلس عزاء، بل ومطالبين بدفع ثمن الرصاص الذي اختزق جسده أو الحبل الذي شُنق به… !

كما شاهد صبياناً بين الخامسة عشرة والثامنة عشرة يُساقون إلى المعتقلات لمجرد ترددهم على المساجد والحسينيات… ؛  لم تكن تلك الحملات حماية للأمن الوطني، بل كانت تصفيةً وجودية وطائفية لا صلة لها بأمن البلاد من قريب أو بعيد.

عاش زمنًا كانت فيه الكلمة تُراقَب، والخطوة تُحصى، والهمسة قد تتحول إلى تهمة، والشك يكفي ليصنع مأساة كاملة… ؛  رأى بأم عينيه كيف يمكن للخوف أن يصبح نظامًا للحياة، وكيف يتحول الناس إلى ظلال تمشي على الأرض، تخشى أن ترفع رؤوسها نحو السماء.

وطالما تناهت إلى سمعه، من الشباب الملتزمين دينيًا، ممن يكبرونه بعدة سنوات أو بعقدٍ ونيف، رواياتٌ عن تعذيب المتدينين في المعتقلات البعثية؛ من قبيل كيِّ الأجساد بالمكاوي الكهربائية، وقلع الأظافر بآلة «البلايس»، وغير ذلك من صنوف التعذيب القاسية… ؛  كما كان يسمع رواياتٍ عن اغتصاب النساء، بمن فيهن المؤمنات والعلويات، وغيرها من القصص المرعبة التي كانت تُتداول آنذاك، والتي تركت في نفسه أثرًا بالغًا ورسخت لديه صورةً مرعبة عن بطش أجهزة النظام الصدامي .

كل هذه المشاهد المأساوية عاشها خيرُ الله محمد… ؛  وبينما كان عائداً من مدرسته -وكان وقتها في الصف الثالث المتوسط- إلى البيت … ؛ استوقفه مشهدٌ لم يغادره حتى آخر العمر.

اذ أبصر سيارة شرطة تقبض على شاب في مقتبل العمر, فارع الطول، حسن الهندام…

يقاد بعنف إلى صندوق سيارة الشرطة .. ,  حاول أن يقاوم، لكن القوة كانت أسبق من إرادته …

 أقحم رجال الشرطة رأسه بقسوة في صندوق السيارة، وضغطوا على صندوق السيارة المفتوح  بكل ثقلهم حتى انثنت ساقاه وتكسرت قدماه؛ كان هذا عقاباً ساديّاً لمجرد أنه يرتدي زي “البرمودا” وقتذاك … !

وقف خير الله مذهولاً، وتساءل في قرارة  نفسه:

“أتُطبّق هذه الفظائع في كل مدن العراق، أم أن لمدينة ‘الثورة’ حصة الأسد من هذا الجحيم؟!”

عاش حيرةً وجودية خانقة: ماذا تريد السلطة من أبناء هذه المدينة بل من الشيعة قاطبة ؟!

 إن التزموا بالدين اعتُقلوا، وإن واكبوا الموضة كُسرت أقدامهم، وإن التحقوا بالجيش سِيموا سوء العذاب، وإن هربوا أُعدموا!

** المواجهة: بين مثالية العقيدة وواقعية البقاء

أورثت هذه التساؤلات خير الله قلقاً نفسياً حاداً… ؛  وما إن ولج بيته يوماً حتى وجد أباه برفقة “أبي عدنان”، شقيق الملا سلمان الذي أعدمه النظام بتهمة التدين.

– خير الله: “السلام عليكم.. كيف حالك يا عمي أبا عدنان؟”

 – أبو عدنان (بنبرة منكسرة): “الحمد لله يا بني.. أنصحك نصيحة لوجه الله: اترك هذا الطريق، دع الصلاة والتدين علناً.. ,  أنت ما زلت في مقتبل العمر، لا تُلقِ بنفسك إلى التهلكة كما فعل أخي ملا سلمان.”

 – خير الله (بحماس الشباب): “يا عمي، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق!

وأخوك بطلٌ شهيد قتل في سبيل الله، ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.”

 – أبو عدنان (بمرارة تفطر القلب): “عن أي جنة تتحدث يا بني في هذا المسلخ البشري؟!

ما الذي جناه ملا سلمان من دينه سوى التعذيب والموت؟!

يا جنة يا نار؟!

 انظر إلى بناته الخمس، يتامى بلا ناصر، وزوجته التي يمزق نواحها الصمت كل ليلة!”

 – خير الله: “وأين دورك أنت يا أبا عدنان؟ أليست هذه عائلة أخيك؟ أين الغيرة والمروءة؟”

 – أبو عدنان (مستشيطاً غضباً): “أأنت في هذا العمر تُعلمني الأصول وتوصيني بلحمي ودمي؟!

 أنت مجنون؟!

والدك يعلم أنني أكدح ليل نهار لأعيل عائلتين ؛ في سباق مع الزمن من أجل توفير لقمةِ العيش.. , وكل هذا البلاء بسبب اندفاعكم الأعمى باسم الدين!”

 – خير الله: “بل بسبب صدام المجرم!”

انتفض الأب وأبو عدنان ذعراً، وصرخا في وجهه: “اسكت!

تباً لك أتريد أن تقتلنا جميعاً بطيشك؟!”

انسحب خير الله إلى غرفته، يلوذ بالصلاة والذكر، وقرأ الفاتحة على روح الملا سلمان، باحثاً عن سكينة روحية وسط عالم متآكل.

حين تشتد المصائب، يكتشف الإنسان أن البطولة ليست قرارًا واحدًا، بل سلسلة طويلة من الأثمان…

** ميتافيزيقيا المكان: اجواء “كسرة وعطش”

في العطلة الصيفية، ، بحث خير الله عن عمل يعينه على عزة نفسه … ؛ ذهب خير الله إلى أحد أقاربه واسمه جمعة، وتوسل إليه من أجل إيجاد عمل له… ؛  جاء جمعة بوجهه البشوش وغيرته الجنوبية المعهودة، يبشر خير الله بالعمل الجديد في الحي الصناعي، في منطقة “كسرة وعطش”، في إحدى ورش السمكرة.

سارت الأمور على ما يرام، وفرح خير الله بكسبه الحلال، لكن المكان كان يفيض بطاقة سلبية ثقيلة.

كان المكان يعج بالضجيج، ورائحة الحديد المحترق، وأحاديث الرجال الذين أنهكتهم الحياة…

تعلم هناك حقيقة غريبة: أن الأمكنة ليست جدرانًا فقط، بل أرواحٌ خفية.

فرائحة المسجد ليست كرائحة السوق، وصمت البيت ليس كصمت الورشة، وبعض الأماكن تُنبت الرحمة في القلب، وبعضها يزرع القسوة دون أن يشعر المرء.

قال له جمعة يوماً:

– خير الله مولاي، كيف حالك؟

أرجو أن تكون بخير… ,  هل تستطيع التكيف مع أجواء كسرة وعطش؟!

 أنا وإياك في هذه البيئة مثل صالح في ثمود، هؤلاء أغلبهم سريرية، لا يحللون ولا يحرمون، ويشربون الخمر بالقندرة ... ؛ أغلب من حولنا يعيشون في انحلال أخلاقي، ولا يرقبون في الله إلاً ولا ذمة…

-خير الله: معاذ الله، الله يبعدنا عن شرهم.

-جمعة: خير الله، هل تناولت الغداء؟

-خير الله: لا، أنتظر أستاذي يأتي لنا بالغداء من بيته.

-جمعة: تعال معي إلى المطعم، إني اليوم عازمك يا مولاي على قوزي…

ذهبا إلى المطعم الكبير في الحي الصناعي، وقد جاء النادل بأطباق كثيرة وشهية… ؛  لأول مرة يدخل خير الله مطعماً، ولأول مرة يذوق طعم القوزي وبهذه الوفرة من اللحم…

 ولكن هذا لا يعني أن بيت خير الله كان يخلو من الطعام الشهي واللحم ، فقد كانوا ميسوري الحال، ولكنه كان لا يشتهي الطعام ودائم الصيام، كان يفكر أكثر مما يأكل، مما أثر على نموه الجسدي فيما بعد.

في تلك اللحظة، شعر باختراق باراسيكولوجي غريب؛ شعر بجسده يثقل، وبطاقة المكان المادية تدنس شفافيته الروحية… ؛  أدرك أن للمطاعم والمصانع ظلالاً طاقية تختلف عن ظلال المساجد والبيوت الهادئة ؛ فالمكان يمتص أرواح ساكنيه ويفيض بها على الزائرين.

وكان جمعة , يقول له دائمًا: خير الله لا تسمح للرزق أن يغير قلبك، فالفقر أخف من فساد الروح.

** اختفاء الأجساد وتحوّل النفوس

بعد عدة أيام، اختفى جمعة… ؛ اختفى  جمعة كما تختفي النجوم عند الفجر؛ نعرف أنها كانت هنا، لكننا نعجز عن تحديد اللحظة التي غابت فيها…

وظلَّ خيرُ الله يجهل الحقيقة طوال تلك المدة، إلى أن جاء يومٌ استدعاه فيه والده وأبلغه بالفاجعة، قائلًا:

– لقد حاصر عناصر الأمن بيته عند السابعة صباحاً، واقتادوه بركلات وصفعات إلى سيارة لاندكروزر بيضاء، وهو يقاومهم كالجبل الشامخ  , و يردها بيده ، كما نقل الجيران.. , قبل أن يغيب الأثر.

بكى خير الله بكاءً مراً… ؛ ثم  ذهب إلى حامد (شقيق جمعة) يتلمس أملاً: ألا توجد واسطة؟

أجابه حامد بيأس:

– طرقنا أبواب الرفاق والتكارتة.. , بعضهم خاف، وبعضهم ابتزنا بالمال دون جدوى.. , وبعضهم لم يكتفِ بزجرنا ونهرنا، بل عاملنا كأننا مجرمون…!!

لقد سلمنا أمرنا للواحد القهار، هؤلاء يلتهمون البشر ويقتاتون على  اموال واهات و دموع ذويهم بالمواعيد الكاذبة.

ثم ذهبت الأشهر والسنين، وسقط النظام، وجمعة ذو الوجه البشوش، والغيرة العراقية، والنخوة الجنوبية، لم يعد ولم يُعثر له على أثر، كأنه فصُّ ملح ذاب في الماء.

جاءه يوماً “صباح الدليمي” (صاحب ورشة تصليح كهربائيات السيارات ) وقال بابتسامة صفراء و تتطاير من عينيه الشرر:

 – “انظر يا خير الله.. أين جمعة الآن؟

بالتأكيد أبناء جلدتكم الشيعة هم من وشوا به.. ,  ذهب مع الراحلين ولن يعود.. ؛  احذر على نفسك!”

ومنذ تلك اللحظة، صار خير الله يحتقر صباحاً احتقاراً بالغًا ، ولا يثق به مطلقاً، لا سيما وأنه سمعه في أحد الأيام ينادي على أبي علي بائع الشاي: “لك اسمع يا أبا علي، ألا نذبحكم أنتم شيعة، وين تروحون منا؟” وهو يطلق قهقهاته، وكان الشيعي لا يجرؤ على مثل هذا المزاح، وإن تجرأ يُعتقل فوراً في غياهب السجون.

استمر خير الله بالعمل داخل الحي الصناعي، إلا أن أخلاقه بدأت تتغير شيئاً فشيئاً، وقناعاته بدأت تتزعزع، لا سيما بعد اعتقال جمعة… ؛  وكل العاملين في الحي الصناعي أصبحوا لا يذكرون اسم جمعة إلا همساً، والبعض الآخر لا يذكره أصلاً، كأنه مات منذ عقود، وكأنه لم يكن زميلهم في العمل في أحد الأيام... ؛ وهنا أدرك خير الله أن الاستبداد لا يكتفي بأخذ الأجساد، بل يأخذ الأسماء أيضًا.

** السقوط الروحي والتيه الوجودي

كان ملاذ خير الله الروحي صديقٌ يدعى “سعد” في منطقة الأورفلي …

اذ يذهب خير الله يومياً بعد الرجوع إلى البيت وبعد أداء صلاة العشاء إلى صديقه سعد …؛  وكان سعد متديناً شجاعاً، صائماً قائماً، لا يذكر الناس إلا بالخير، دائم الابتسامة، يساعد الناس لا سيما عوائل الشهداء والسجناء من الملتزمين دينياً… ؛  كان سعد يعمل في محل لبيع الأدوات الاحتياطية في الحي الصناعي في باب الشيخ… ؛  ولأنه واضح، كانت عيون الذئاب الصدامية والضباع البعثية لا تخطئه.

وفي احد الايام قال سعد : خير الله، سوف أعلمك سراً لنفي الفقر.

-خير الله: وما هو؟

-سعد: تقرأ سورة الماعون إحدى وأربعين مرة في مجلس واحد، وأنت طاهر البدن والثياب.

-فعلها خير الله، ولم يفتقر أبداً.

-سعد : وتذكر يا خير الله , إن أغنى الناس ليس من يملك المال، بل من يملك الطمأنينة.

ابتسم خير الله، ولم يكن يعلم أنها آخر مرة يرى فيها تلك الابتسامة.

 ففي أحد الأيام، وبينما كان يعبر من منطقة الحبيبة إلى منطقة الأورفلي لزيارة سعد ، وإذا بالحلاق حسين ينادي عليه.

– خير الله… اسمعني، إياك أن تذهب إلى بيت سعد الآن، ارجع إلى بيتكم فوراً.

-خير الله: حسين، ما الخبر؟ خير؟ ماذا حدث؟ أخبرني.

-حسين: اعتقلوا سعد من مكان عمله، وعناصر الأمن الآن في بيت سعد، كل شخص يطرق باب بيت سعد يُعتقل.

ضاقت الدنيا بعيني خير الله بما رحبت.

وأسرعت الأيام، وبدأ خير الله يسأل الحلاق حسين عن أخبار سعد، فلم يكن من خبر كالعادة.

-حسين: خير الله، من من الذين اعتقلهم الأمن خرجوا؟

أو عرفنا عنهم شيئاً؟

إنهم عندما يدخلون الأمن كأنما يدخلون في أجداث الثرى، لا أحد يعرف عنهم شيئاً أبداً.

-خير الله: فعلاً يا حسين، كأن المعتقلين كالأموات، إن ذهبوا لا يعودوا إلى عالم الدنيا أبداً.

ومنذ ذلك اليوم، صار خير الله يخاف الطرقات الليلية، ويخاف رنين الهاتف، ويخاف الوجوه الجديدة، بل ويخاف أن يعتاد الطمأنينة والثقة بالناس والظروف ...

**الانتفاضة العراقية عام 1991… لحظة الانفجار الشعبي

وبعد انكسار نظام المجرم صدام في أعقاب حرب الخليج الثانية، وتراجع قوات الجيش من جبهات القتال، اندلعت الانتفاضة الشعبية في اغلب المدن  والقرىالعراقية… ؛  وسرعان ما خرجت الجماهير، ومعظمها من المدنيين العزّل، إلى الشوارع والساحات، واتجهت إلى مراكز الشرطة والسجون والمعتقلات ودوائر الأمن والمخابرات ومقار الأجهزة الحكومية، وهي تهتف بشعاراتٍ عبّرت عن غضبها وتطلعها إلى الخلاص من سنوات القمع والاستبداد، ومنها:

«يا بغداد دوري دوري، خل صدام يلحك نوري.»

و:«ماكو ولي إلا علي، ونريد حاكم جعفري.»

كما رددت الجماهير:

«أيامكم كلها ظلم… كواويد بعثية »

وسقطت محافظة تلو الأخرى بيد المنتفضين، بينما بقيت مناطق أخرى خارج سيطرة الانتفاضة لأسباب سياسية واجتماعية وعسكرية وطائفية وعنصرية معقدة.

وشعر كثير من العراقيين، ولو للحظات، بأنهم استعادوا شيئًا من كرامتهم بعد سنوات طويلة من الخوف والبطش.

ولأول مرة، أحسَّ خيرُ الله بخفة الحرية وحلاوة النضال، فانطلق يركض مع الجماهير في شارع الداخل، مرددًا معهم: «لا إله إلا الله… صدام عدو الله.»

لكن نشوة الانتصار لم تعش طويلًا.. , فما إن أشرقت شمس الأيام التالية حتى تبدلت ملامح المشهد، وبدأت تتردد بين الناس أحاديثٌ عن تبدل موازين القوى، وعن توافقاتٍ إقليمية ودولية تركت النظام يلتقط أنفاسه ويعيد ترتيب صفوفه…

 كان كثيرون يعتقدون أن الضوء الأخضر قد مُنح له كي يستعيد المدن بكل ما يملك من قوة، وأن أحدًا لن يقف في وجه حملته الاجرامية القادمة.

وسرعان ما تحولت تلك المخاوف إلى واقعٍ مرير… ؛  فقد اندفعت الدبابات والمدرعات نحو المدن المنتفضة، وتعالت أصوات المدافع فوق أصوات الهتافات التي ملأت الساحات قبل أيام قليلة.. ,  واختفى الفرح الذي ارتسم على الوجوه، ليحل محله الذعر، فيما راحت العائلات تبحث عن ملاذٍ يقيها نار المعارك والمجازر الدموية .

وفي الأسابيع التي تلت الانتفاضة ، شهدت مناطق واسعة من العراق حملات قمع دامية، سقط فيها آلاف القتلى والمفقودين والجرحى ، وامتلأت السجون من جديد، واضطر كثير من السكان إلى النزوح أو الفرار… ؛  ولم يبقَ في ذاكرة الناجين سوى صور الدخان، وبيوتٍ خلت من أهلها، وأمهاتٍ ينتظرن أبناءً لم يعودوا، وأطفالٍ كبروا قبل أوانهم وهم يحملون في ذاكرتهم رائحة الموت أكثر مما يحملون من ذكريات الطفولة...

بعد أربعة أشهر، وبالتحديد بعد قمع انتفاضة ١٩٩١ ، خلد خير الله إلى نوم عميق، إلا أنه استيقظ مذعوراً إثر سماع صوت إطلاق نار.

خير الله: أبي، أبي، هل سمعت تلك الإطلاقات النارية؟

الأب: نعم سمعتها، نم يا بني، لا عليك، الصباح رباح.

إلا أن خير الله لم ينم.. ؛  وعندما أشرقت الشمس، طرق ميثم الباب ليروي له كرامة ممزوجة بمأساة ، فخرج خير الله.

ميثم: خير الله، هل علمت ماذا حصل بالأمس؟

خير الله: لا.

-ميثم: جاءت عناصر الأمن ودخلت إلى بيت صديقك محمد عباس، وقرأ الآية القرآنية الكريمة: {وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون}، وخرج أمام عناصر الأمن فلم يروه، وقد شهد بذلك أخوه علي… ؛  إلا أنه عندما خرج سمعوا وقع أقدامه، فساروا باتجاه الصوت، فما كان من محمد إلا أن عبر سور بيت أبي نجم ودخل فيه… وعندما شاهده أبو نجم قال: ماذا تفعل يا محمد هنا؟

-محمد: يا عمي، عناصر الأمن يركضون خلفي، ما إن يذهبوا حتى أخرج.

-أبو نجم: محمد، استر علينا، نحن أصحاب عوائل، اخرج من البيت فوراً، الأمن ذهبوا، لا يبقوا إلى هذه اللحظة.

خرج محمد وتم رصده من ذئاب الأمن الكاسرة، ثم هرب يركض باتجاه أزقة الحبيبة، فأطلقوا النار عليه وسقط جريحاً… ؛  حملوه في سيارة الأمن وهو مصاب، ووجوههم استبشرت كأنهم حرروا القدس كما يدعون.

-خير الله: ميثم، أنا وأنت كنا مع محمد قبل ثلاثة أيام، وقد أعطيته كتاب الاحتجاج.

-ميثم: طبعاً أتذكر، وماذا في ذلك؟

-خير الله: أخاف أن يعترف علينا بسبب التعذيب.

-ميثم: لا تخف يا خير الله، محمد رجل شجاع، ولا أعتقد أنه يعترف بشيء.

ومضت السنين، وسقط النظام، ولم يُعرف شيء عن سعد أو محمد أو غيرهما ، كأنهم ذابوا في أحواض التيزاب كما يشاع.

** النهاية: صك النجاة الزائف

استسلم خير الله لغريزة البقاء؛ وانكب على كتابة طلاسم الحفظ وقراءة الآيات لحماية جسده الفاني من الهلاك… ؛  ومع مرور الأيام، وبفعل مخالطة السفلة والأوباش في “كسرة وعطش”، بدأت قناعاته تتزلزل، وأخلاقه تتآكل، وعقيدته تذبل...

وفي عام 2003، سقط النظام البعثي الصدامي…

نظر خير الله إلى نفسه في المرآة؛ نعم، لقد نجح في حماية جسده من الاعتقال والموت بفضل حذره وطلاسمه… ؛  لكنه وقف أمام حقيقة وجودية مريرة: لقد نجا الجسد، ولكنه خسر الروح والدين والأخلاق في مسيرة البقاء الطاحنة.

كان يظن أن الإيمان حصنٌ لا يُهدم، حتى أدرك أن الخوف إذا طال مقامه في القلب، بدأ يقتطع من اليقين قطعةً بعد أخرى، دون أن يشعر الإنسان...

جلس ذات مساء أمام المرآة.

لم يرَ وجهه فقط.

رأى كل الغائبين الذين مروا في حياته.

ورأى نفسه بينهم.

ثم خطر في باله سؤالٌ لم يستطع أي كتابٍ في الفلسفة أو علم النفس أو التصوف أو الباراسايكولوجي أن يجيب عنه جوابًا قاطعًا:

هل الأرواح تغادر أصحابها دفعةً واحدة؟

أم أنها تهاجر بصمت، مع كل خوفٍ نسكت عنه، وكل حقيقةٍ نخفيها، وكل ظلمٍ نعتاد رؤيته؟

وأدرك، بعد رحلة عمرٍ كاملة، أن أصعب أنواع النجاة ليست أن ينجو الإنسان بجسده…

بل أن ينجو بقلبه.

فكم من أناس خرجوا من السجون أحياء…

بينما بقيت أرواحهم خلف القضبان إلى الأبد.