رياض سعد
كان الفجر يولد من رحم الظلام، وسامر يتلو أوراده الخفية في زاوية غرفته الضيقة..
لم يكن نور المصباح الخافت يكفي لإنارة وجهه الشاحب، لكنه كان كافياً ليضيء الخوف الساكن في عينيه… ؛ منذ عشرين عاماً وهو يحمل هذا الخوف، يحمله كجنين ميت في أحشاء ذاكرته، لا هو بالحي فينساه، ولا هو بالميت فيتحلل.
في طفولته، رأى أباه يُقتاد من بيته فجراً، ورأى أمه تركض خلف السيارة العسكرية حتى أسقطها التعب على الأسفلت البارد… ؛ لم يعد الأب.. , تركوا لهم جثته بعد ثلاثة أشهر، وتركوا معها فاتورة: ثمن الرصاصات الخمس التي اخترقت جسده، وثمن نقل الجثمان، وثمن الخوف الذي سيلازم العائلة للأبد.
كبر سامر وفي قلبه ثقب أسود، ثقب يمتص كل نور يمر به… ؛ ثم أصبح مهندساً لامعاً، يتظاهر بالصلابة، و يخفي ارتعاشات يديه خلف مخططات المباني… ؛ لكن الليل كان يفضحه، كان يخلع عنه ثوب التظاهر ويتركه عارياً أمام وحوش ذاكرته.
ذات مساء، وبينما كان عائداً من عمله، رأى طفلاً يبكي في زقاق مظلم.. , اقترب منه، فوجد الطفل يحتضن هراً ميتاً، يبكي بصمت الموجوعين…
سأله: “لماذا تبكي يا صغيري؟”
فأجابه الطفل بعينين واسعتين ككون مظلم: “لأنني الوحيد الذي رآه يموت”.
اهتز سامر.. , شعر أن الطفل نطق بحقيقة وجوده كلّه.. , نحن لا نبكي الموتى، نحن نبكي لأننا الوحيدون الذين شهدنا موتهم.. , نحن نحمل شهادة الميلاد والموت معاً، نحن أحياءٌ يحملون موتاهم في حدقات العيون، نمشي بهم في الأسواق، نأكل معهم الخبز، وننام وإياهم تحت غطاء الذاكرة الواحد.
في تلك الليلة، لم ينم سامر.. , جلس في شرفته يحدق في سماء المدينة الملوثة بالضوء والضجيج…
و تساءل: أين تذهب أرواح الموتى حين ينساهم الأحياء؟
هل تموت مرة ثانية؟
أم أنها تتيه في فراغ أبدي، تبحث عن ذاكرة تحتويها، عن عين تراها، عن قلب يشهد أنها كانت هنا يوماً؟
كانت أمه، قبل أن تفقد بصرها ، تهمس له كل ليلة: “لا تنس أباك يا سامر… ؛ إن نسيته، سيموت مرة أخرى.. , الموتى يموتون مرتين: مرة حين تغادر أرواحهم أجسادهم، ومرة حين يغادرون ذاكرتنا”.
كان سامر يظن أن أمه تهذي، لكنه الآن، في هذه الليلة الثقيلة، فهم… ؛ فهم أن النسيان هو القتل الأخير، هو الإعدام النهائي الذي لا رجعة بعده.
كل الذين سقطوا في غياهب السجون، كل الذين ذابوا في أقبية المخابرات كالملح في الماء، كل الذين صاروا مجرد أسماء على لوائح المفقودين… ؛ هؤلاء يموتون الآن، في هذه اللحظة، يموتون في ذاكرة تتآكل، في شهادة تتلاشى، في وطن يريد أن ينسى.
في صباح اليوم التالي، قرر سامر أن يزور صديقه القديم، مرتضى، الذي قضى خمسة عشر عاماً في سجون الصحراء ثم خرج… ؛ كان مرتضى يسكن في طرف المدينة، في بيت صغير تحيط به أشجار النخيل العجفاء.
كان وجهه كخريطة قديمة، خطوطها أنهار من ألم جاف.
-“كيف تمكنت من النجاة يا مرتضى؟” سأله سامر.
ابتسم مرتضى ابتسامة الشقوق في الأرض العطشى: “لم أنجُ.. , ما زلت هناك.. , الجسد خرج، لكن الروح بقيت في الزنزانة رقم سبعة…!!
كل ليلة، حين يخفت الضوء، أعود إليها.. , أسمع صرير الباب، أشم رائحة العفن والبول والدم، أتحسس الجدران الباردة… ؛ أنا لم أخرج يا سامر.. , أنا فقط تظاهرت بأنني خرجت”.
صمت سامر طويلاً.. , كان يعرف هذا الإحساس.. , هو أيضاً لم يخرج.. , كل الذين عاشوا تلك السنوات، كل الذين شهدوا الموت يمشي في الأسواق ويطرق الأبواب فجراً، كل الذين ذاقوا طعم الخوف حتى صار الخوف لعابهم الدائم…, كلهم ما زالوا هناك… ؛ الوطن كله زنزانة كبيرة، والشعب كله ما زال في الداخل، يتظاهر بأنه خرج.
– قال مرتضى بصوت خافت كأنه يبوح بسر: “أتدري ما أقسى أنواع التعذيب يا سامر؟
ليس السياط، ولا الكهرباء، ولا التعليق بالمقلوب… ؛ أقسى تعذيب هو أن تجعل الإنسان يخاف من إنسانيته.. , أن تخنق فيه الرحمة حتى تصير جريمة، أن تقتل فيه الحب حتى يصير تهمة، أن تسجنه داخل نفسه حتى يصير جلاد ذاته…
نظرت في عيني سجاني يوماً، فرأيت فيها نفس الخوف الذي في عيني.. , كان مسجوناً مثلي، مسجوناً في دور الجلاد الذي لا يريد أن يكونه… ؛ التعذيب الحقيقي أن تحول إنساناً إلى وحش، ثم تتركه يعيش مع وحشيته تلك إلى الأبد”.
عاد سامر إلى بيته محمّلاً بأسئلة أثقل من الجبال… ؛ ثم جلس في غرفته المظلمة، وأغلق عينيه.. , فجأة، شعر بشيء غريب.. , شعر أن جدران الغرفة بدأت تتنفس.. , أن الظلام صار له ثقل وملمس.. , أن الصمت صار له صوت، صوت يشبه الأنين الخافت لآلاف الأرواح العالقة بين الموت والحياة.
في تلك الليلة، حدث ما لم يتوقعه سامر… ؛ بين النوم واليقظة، في تلك المنطقة الشفافة حيث تذوب الحدود بين العوالم، رأى أباه… ؛ لم يكن حلماً، ولم يكن يقظة.. , كان لقاءً من طينة أخرى، لقاءً لا يشبه شيئاً مما عرفه من قبل.
كان الأب يجلس على كرسي خشبي قديم، نفس الكرسي الذي كان يجلس عليه في صباحات الأعياد.. , كان يرتدي ثياباً بيضاء، وكان نور خافت يشع من جسده كالقمر في ليلة غائمة.. نظر إلى سامر نظرة تحمل كل حب الكون، وقال بصوت يبدو قادماً من أقاصي الروح:
“لا تحملني في صدرك بعد اليوم يا بني.. , أنا لست ميتاً حتى تحملني.. , أنا حي، لكني لست هنا.. , أنا في مكان لا تعرفه لغتك، ولا تدركه حواسك.. , أنا بخير.. , كلنا بخير… ؛ الجسد كان قفصاً، والموت كان باباً.. , لا تبكِ عليّ، ابكِ على الأحياء الذين يموتون كل يوم وهم يمشون على الأرض.. , ابكِ على القلوب التي تحجرت، على العيون التي جفت دموعها، على الأيدي التي نسيت كيف ترتعش شفقة… ؛ نحن الموتى أرحم حالاً منكم أنتم الأحياء”.
استيقظ سامر والدموع تغطي وجهه كندى الفجر.. , لم تكن دموع حزن، بل دموع تطهير، كأن شيئاً ثقيلاً وسرياً قد غادر صدره.. , شعر بخفة غريبة، خفة من أُلقي عنه حمل أبدي.
نهض وتوضأ، وصلى الفجر بخشوع لم يعرفه من قبل.. , ثم جلس وكتب في دفتره القديم: “الموتى لا يحتاجون دموعنا، هم يحتاجون شهادتنا… ؛ الشهادة أنهم كانوا هنا، أنهم أحبوا وخافوا وضحكوا وبكوا، أنهم لم يكونوا مجرد أرقام في تقارير القتلى والموتى ، بل كانوا عوالم كاملة، كوناً في كل قلب.. , الشهادة أن الحياة أقوى من الموت، وأن الحب أعمق من الكراهية، وأن الإنسان، رغم كل شيء، ما زال قادراً على أن يكون إنساناً”.
في صباح اليوم التالي، خرج سامر إلى شوارع المدينة… ؛ رأى الوجوه من حوله بعينين جديدتين.. , رأى الخوف الكامن في العيون، والألم المدفون تحت ابتسامات المجاملة، والموتى الذين يسكنون الصدور كالأجنة المتكلسة… ؛ أدرك أن المدينة كلها مقبرة جماعية للأحياء، مقبرة تمشي على قدمين، تأكل وتشرب وتتنفس، لكنها من الداخل ميتة، ميتة منذ زمن طويل.
ثم تذكر سامر مقولة صوفية قديمة قرأها يوماً: “الأولياء لا يموتون، هم فقط ينتقلون”… ؛ ربما كان هذا هو السر.. , ربما كان الموت مجرد انتقال، مجرد نقلة من حال إلى حال، من دار إلى دار.. , ربما كان الخوف من الموت هو الخوف من المجهول فحسب، خوف الطفل من الظلام، خوف لا مبرر له حين يسطع النور.
مشى سامر في شوارع مدينته الجريحة، وراح يهمس في سره: “أشهد أنكم كنتم هنا.. , أشهد أنكم عشتم وأحببتم وقاومتم.. , أشهد أن الموت لم ينتصر، ولن ينتصر.. , أشهد أن الحياة، رغم كل هذا الموت، ما زالت تستحق أن تُعاش”.
وفي المساء، بينما كانت الشمس تغوص في أفق المدينة كجرح قانٍ، جلس سامر على مقعد في الحديقة العامة… ؛ و شاهد طفلاً يطعم الحمام، وشاهد عجوزاً يقرأ القرآن، وشاهد شاباً وفتاة يتهامسان بالحب خلف شجرة زيزفون.. , ابتسم.. , و أدرك أن الحياة مستمرة، رغم كل شيء.. , أن النور، مهما انكسر، يظل نوراً.. , وأن الروح، مهما سُجنت، تظل حرة.
عاد إلى بيته مع دُجى الليل ، وقد ملأته سكينة غريبة، سكينة من عرف أن الموتى أحياء، وأن الأحياء سيموتون، وأن الشيء الوحيد الذي يبقى هو الأثر الذي نتركه في قلوب من نحب، هو الشهادة، هو الذاكرة، هو الحب الذي لا يموت.
توقف عند عتبة البيت، ورفع رأسه إلى السماء، وقال بصوت لا يسمعه أحد: “أبي، لقد فهمت الآن.. , فهمت لماذا أوصيتني أمي بألا أنساك.. , ليس لأنك تحتاج ذاكرتي، بل لأنني أنا الذي أحتاجها.. , أنا الذي أحتاجك حياً في قلبي كي أظل أنا حياً.. , نحن لا نشهد على الموتى، هم الذين يشهدون علينا.. , هم الشهود ونحن المشهود علينا.. , هم الأحياء الحقيقيون ونحن الذين لم نولد بعد”.
دخل بيته، وأوقد مصباحه الصغير، وفتح دفتره، وبدأ يكتب.. , كان يكتب عن أبيه، وعن مرتضى، وعن الطفل الذي كان يحتضن هراً ميتاً، وعن كل الذين سقطوا في الطريق.. , كان يكتب ليشهد، ليشهد أنهم كانوا، وأنهم ما زالوا، وأنهم سيبقون، ما بقيت كلمة تُقرأ، وقلبٌ ينبض، وذاكرةٌ تحفظ.
نام سامر تلك الليلة نوماً عميقاً، لأول مرة منذ عشرين عاماً… ؛ نام وفي قلبه سلام، سلام من عرف أن الموت ليس نهاية الحكاية، بل هو فقط بداية فصل جديد، فصل لا يُكتب بالحبر بل بالنور، ولا يُقرأ بالعين بل بالروح.
وفي الصباح، استيقظ على صوت أم كلثوم تغني من راديو الجيران: “يا ليلة العيد آنستينا…”… ؛ ابتسم.. , كان العيد.. , عيد الحياة.. , عيد الذاكرة.. , عيد الإنسان الذي، رغم كل الظلام، ما زال قادراً على رؤية النور.
فتح النافذة، واستقبل شمس الصباح بوجهه، وهمس: “الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا… وإليه النشور”.
كان يعرف الآن أن النشور ليس فقط يوم القيامة، بل هو كل صباح، كل لحظة، كل نبضة قلب ترفض أن تتوقف، كل ذكرى ترفض أن تموت، كل حب يصر على أن يبقى.
ثم خرج سامر إلى شوارع المدينة من جديد، لكنه لم يعد يرى الموتى.. ؛ صار يرى الأحياء.. , صار يرى النور الذي يسكن كل شيء، النور الذي لا ينطفئ، النور الذي، مهما كُسِر، يظل ينبعث من الشقوق، ينبعث من القلوب الجريحة، ينبعث من الذاكرة التي تأبى النسيان.
ومشى… وظل يمشي… في مدينة الموتى… حاملاً مشعل الحياة.