نسخة من أبيه

رياض سعد

في تلك اللحظة التي عبرت فيها القابلة عتبة الغرفة، تحمل بين ذراعيها كتلةً ورديةً صغيرة تصرخ معلنةً ميلادها، اجتاح خالد شعورٌ غامض بالغربة… ؛  اقترب ببطء، وحدق في عيني المولود الواسعتين؛ كانتا تلمعان ببريقٍ لم يألفه… ؛  ثم أعاد النظر في ملامحه مرةً بعد أخرى، باحثًا عن شيءٍ من نفسه، فلم يجد سوى وجهٍ غريب، كأن كائنًا هبط من مجرةٍ أخرى ليعيث في يقينه وحيرته.

وقال في قرارة نفسه:

«هذا الوليد لا يشبهني… إنه صياغةٌ خاطئةٌ لقصةٍ لم أكتبها»

اطمأن قلبه لهذه الغربة العابرة، ومضت الأعوام وهي تُراكم بينهما تفاصيل الحياة أكثر مما تُراكم ملامح الوجوه…

لكن حين بلغ حسّون عتبة المراهقة، انقلب المشهد دفعةً واحدة… لم يتبدّل وجهه فحسب، بل تبدّلت نبرته، وانفعالاته، وصمته، وغضبه، وحتى طريقته في النظر إلى المرايا… ؛  كان كأنما الأب قد خرج من جسده القديم، واستأنف حياته في جسد آخر.

كانت حركاته العفوية، طريقة قضم أظافره عند القلق، ونظرته الشاردة نحو اللاشيء؛ كلها تفاصيل تسللت من مسامات خالد لتسكن جسده… ؛  لم يعد “هو”… لقد تبرعم خارجه وأصبح “خالد “، نسخة سريالية متجذرة في حاضرٍ يطارد ماضيّ.

عندها فقط، أدرك خالد : أن الشبه الحقيقي لا يُقاس بتضاريس الوجوه في البدايات ، بل بتضاريس الأرواح في النهايات .

فتذكّر مقولةً تُنسب إلى بعض الفلاسفة الأمريكيين: “الابن هو الكتاب المفتوح لحياة أبيه.”

وأيقن، في لحظةٍ أقرب إلى الهذيان الوجودي، أن الإنسان لا يورِّث أبناءه ملامحه فحسب… بل يورِّثهم فصولًا كاملةً من ذاته، حتى تلك التي ظنّ أنه دفنها إلى الأبد.

في تلك اللحظة أدرك أنه لم يُنجب طفلًا، بل أنجب امتدادًا لقلقه الوجودي… ؛  وأن «حسون» لم يكن إلا المرآة التي كسرها بيديه، غير أن شظاياها لم تمت، بل عادت لتلتئم في وجه مراهق يحمل ملامحه، وتواجهه بالحقيقة التي أفنى عمره وهو يفر منها.