إقليم كردستان إلى أين؟ أنقذوا الفلاح… قبل أن نستورد خبزنا!

إقليم كردستان إلى أين؟
أنقذوا الفلاح… قبل أن نستورد خبزنا!

بقلم : يحيى هركي ـ كاتب وصحفي – ألمانيا

المقدمة :
حين يعجز الفلاح عن بيع محصوله… يبدأ الوطن بخسارة أمنه الغذائي.
نحن اليوم في الشهر السابع من عام 2026 وهو موسم الحصاد الذي انتظره آلاف الفلاحين في إقليم كردستان بعد عام كامل من التعب والحراثة والري وشراء البذور والأسمدة وتحمل جميع تكاليف الزراعة. لكن عندما جاء موعد جني الثمار كانت الصدمة أكبر من كل التوقعات.

المشكلة اليوم ليست في الزراعة ولا في الإنتاج بل في تسويق المحصول.
آلاف الأطنان من القمح والشعير ما زالت مكدسة عند الفلاحين بينما لا تستلم حكومة إقليم كردستان إلا نسبة قليلة جدًا منها. فقد يملك الفلاح مئة طن ولا تستلم منه الحكومة سوى خمسة أطنان بحجة عدم وجود صوامع أو مخازن كافية.

وهنا يحق لنا أن نسأل…
هل كان موسم الحصاد مفاجأة حتى لا تستعد له الحكومة؟
وهل يُعقل أن تضيع جهود عام كامل بسبب مشكلة كان يمكن التخطيط لها قبل أشهر؟
ولا تقتصر الأزمة على القمح والشعير فقط بل تمتد إلى البطاطا والبصل والخضروات والفواكه التي شهدت هذا العام إنتاجًا وفيرًا لكن الأسعار انهارت حتى أصبحت لا تغطي تكاليف الإنتاج. والأسوأ من ذلك أن بعض التجار والوسطاء استغلوا حاجة الفلاح فاشتروا محاصيله بأبخس الأثمان بينما بقي الفلاح هو الخاسر الوحيد.

ومن حق فلاحي إقليم كردستان أن يتساءلوا أيضًا…

لماذا تستلم الحكومة الاتحادية ما يقارب 90% من محصول الفلاحين في المحافظات العراقية بينما لا تستلم حكومة الإقليم في بعض الحالات سوى 5% فقط من محصول فلاحي كردستان؟
إن هذا السؤال ليس للمقارنة السياسية ولا لإثارة الخلافات بل هو مطالبة بالعدالة. فإذا كان الفلاح العراقي يجد من يحمي محصوله فمن حق الفلاح الكردستاني أن يحظى بالحماية نفسها.

وأتذكر جيدًا ما حدث بعد عام 1991 عندما كان العراق يعيش سنوات الحصار القاسية. ورغم قلة الإمكانات آنذاك لم تكن مشكلة نقص الصوامع عذرًا لترك الفلاح وحده. فقد أُنشئت ساحات خزن مؤقتة على أراضٍ مهيأة واستُخدمت وسائل بسيطة لحماية القمح من الأمطار والرطوبة والقوارض ثم اشترت الدولة المحصول وشجعت الفلاح على مواصلة الزراعة.

أنا لا أقارن بين الأنظمة السياسية بل أقارن بين طريقة إدارة أزمة. فإذا كان من الممكن إيجاد حلول في زمن الحصار فمن الأولى أن نجد حلولًا أفضل اليوم ونحن نملك إمكانات وخبرات أكبر.

ولو كنت مستشارًا للمسؤولين في إقليم كردستان لنصحتهم بأربع خطوات عاجلة.

إنشاء ساحات خزن مؤقتة واستئجار مخازن خلال موسم الحصاد.
تشكيل غرفة طوارئ زراعية لحماية الفلاح وتنظيم تسويق المحاصيل.
دعم المطاحن والصناعات الغذائية للاستفادة من الإنتاج المحلي بدل الاعتماد على المستورد.
وإذا تعذر استلام كامل المحصول فليكن هناك تنسيق عاجل مع الحكومة الاتحادية لاستلام محصول فلاحي الإقليم كما تستلم محاصيل الفلاحين في بقية العراق.

إن الفلاح لا يطلب صدقة ولا امتيازًا خاصًا.
إنه يطالب بحقه.
يطالب بأن يُحترم تعبه.
ويطالب بأن تقف حكومته إلى جانبه لا أن تتركه يواجه الخسارة وحده.
فإذا خسر الفلاح اليوم فلن يزرع غدًا وإذا ترك أرضه فلن نخسر محصولًا واحدًا فقط بل سنخسر الأمن الغذائي وسنصبح أكثر اعتمادًا على الاستيراد.

الخلاصة:
أوجه هذا النداءً صادقًا إلى رئاسة إقليم كردستان ورئاسة الحكومة ووزارة الزراعة وجميع الجهات المعنية…
تحركوا اليوم قبل الغد.
ابحثوا عن الحلول لا عن الأعذار.
أنقذوا الفلاح قبل أن نفقد الزراعة.
فالفلاح لا يحمي أرضه فقط… بل يحمي مستقبل أبنائنا جميعًا.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يجيب عنه كل مسؤول..
هل نريد أن نكون بلدًا يزرع القمح… أم بلدًا ينتظر السفن لتجلب له الخبز من الخارج؟

للعلم : لا أكتب لأنتقد فقط… بل أكتب لأغيّر. لأن الكلمة الصادقة قد توقظ شعبًا والفكرة الصالحة قد تبني وطنًا.