تزكية المتدين
كامل سلمان
في مجتمعاتنا للتدين وقع كبير في نفوس الناس فعندما تصف إنساناً وتقول عنه إنه متدين بمعنى أنك وصفته بأحسن الصفات وأعطيته تزكية مطلقة ، تزكية أخلاقية وتزكية ثقافية وتزكية أجتماعية وأبعدت عنه الشبهات وجعلته ملاكاً في عيون الأخرين وجعلته في مصاف الناس المحترمين جداً ( دون معرفة ما يضمر هذا الإنسان في داخله ) ، يحدث ذلك في مجتمعاتنا فقط لأن هذا ما قرره العرف الاجتماعي الموروث في حياتنا ، ليس على مستوى الفرد داخل المجتمع بل يتعدى ذلك إلى المسؤول في الدولة ، إلى التاجر والطبيب والحرفي وحتى اللص المتدين كلهم ينالون الاحترام بمجرد أن يقال عنهم إنهم متدينون ، فهي تزكية مجانية ، هذه العقلية الاجتماعية الساذجة جعلت التدين وسيلة دعائية مربحة لمن يتربع على عرش المسؤولية لأن التدين أصبح هنا هو المقياس الوحيد المعتمد لدى المجتمع في تقييم الإنسان ، فلا نستغرب عندما يلجأ المسؤول أو التاجر أو الطبيب أو غيرهم إلى إظهار علامات التدين من إطالة اللحى والخشوع والهدوء بالكلام وتحريك الشفتين بصمت للتعبير عن الذكر المستمر لله والتسبيح والبقعة السوداء على الجبين أو الصلاة أثناء العمل فهذه علامات التدين كما هو متداول عند الناس ، لكن السؤال هل للتدين سند قانوني أو هوية تعريفية أو صلاحية مهنية لكي نعتمده في حياتنا كمقياس للتزكية ؟ طبعاً مثل هذا السؤال لا ينبغي طرحه لأنه سؤال لا معنى له لكن في مجتمعاتنا له معنى كبير . إذا قلنا التدين هو مصدر تعريفي فهذه سذاجة لا يصح الأخذ بها كتزكية اجتماعية لأن التدين بلا أدنى شك مجرد سلوك ظاهري يستطيع إي شخص ممارسته لكسب ود الناس وقد تكون دوافعه الشعور بالنقص وقد يكون تقليد ديني لا غير ، ربما سيقولون بأن التدين هي ثقافة اعتاد عليها المجتمع . لكن الثقافة الحقيقية شيء والتدين شيء ، الثقافة رسالة إنسانية يستطيع المثقف إيصالها للناس من خلال الكتابة أو من خلال النشاط الاجتماعي أو من خلال تفسير ما يدور حولنا بشكل علمي موضوعي لكن هل يستطيع المتدين أن يقوم بأي واحدة من هذه النشاطات ؟ أكيد لا ، إذا كان للتدين غاية ، حسناً إذا لم يكن للتدين الحضور الاجتماعي في كل هذه التساؤلات فلماذا نعطيه الأولوية والأهمية كسلوك اجتماعي ؟ الجواب هو دلالة على شرخ كبير في عقول الناس وكأن المجتمع يخبرنا بأن هذا هو حجم تفكير مجتمعاتنا الحقيقية ، لذلك فأن مثل هذه المجتمعات تكون سهلة الخداع وسهلة الانقياد وسهلة الاصطياد لمن يريد أختراقها عكس الصورة التي فهمناها منذ نعومة أظافرنا بأننا مجتمعات ( مفتحة باللبن ) . لا أحد سيعترض على التدين عندما تكون ( ممارسة ) شخصية ليست فيها دوافع نفعية ولكن عندما تصبح ممارسة اجتماعية لأغراض نفعية هنا يصبح التدين في دائرة الشبهات بل وتصبح مشكلة تعرقل حركة الحياة لا يصح أن نمر عليها مرور الكرام لأن المجتمع كله سيتضرر من هذه الممارسة الضارة . لماذا يحاول مسؤول كبير في الدولة أن يظهر تدينه أمام شاشات التلفزة والإعلام ؟ الجواب ببساطة لأنها الطريقة المثلى لتغطية قبح افعاله المهنية وليس عنده شيء حسن ليظهره للناس فيجد التدين الذي له وقع على نفوس السذج والبسطاء فيستعين به لعله ينال قدر من الثقة والمحبة . بما أن طبيعة أنظمة الحكم في مجتمعاتنا هي أنظمة لا تخضع لمقاييس الدولة الحديثة فإيجاد السبل مثل التدين لاقناع أكبر عدد ممكن من الناس بهذه الطريقة تعتبر ناجحة نوعاً ما .. الإنسان الواعي لا يتقبل مثل هذه الاستعراضات وهو الإنسان الوحيد القادر على فضحها ونقدها ، لذلك فالمثقف الحقيقي الواعي في مجتمعاتنا مبتلى بالمشاكل لأنه يرى الحقائق ولا يطيقها فيصرخ بأعلى صوته ، وقد يسقط المثقف في ورطة لأنه شخصّ الأمور بما لا يرضي تلك النفوس العليلة فتصبح عملية تحييد المثقف وأبعاد شبح تأثيره من الأولويات التي يجب على المسؤولين القيام بها حتى لو استدعى ذلك استخدام القوة والعنف . التدين في الدولة أصبحت ظاهرة سلوكية لغالبية المسؤولين ، وهذه الظاهرة أخذت تنتشر كسلوك معتمد خاصة وأن سوق الجهل هو الأكثر رواجاً هذه الأيام . المجتمع الذي يريد النهوض لا ينظر إلى الوجوه ولا يراعي نعومة اللسان بل إلى نتاجات الفرد فالتقييم لا ينبغي أن يكون ظاهرياً ، جميع المجتمعات الراقية تستند على الوثائق والمستندات والتحليل النفسي في تقييم الإنسان . علينا كمجتمع يسعى نحو حياة حرة وبناء مستقبل صحيح ترك الاستعراضات جانباً والتعامل بأمور ذات مصداقية لأن التخلف زاد عن حده ولا يصح أن نبقى أسارى لأفكار لم تعد تقوى على إدامة الحياة .
تزكية المتدين