شرعنة السرقة بذريعة مجهولية المالك

شرعنة السرقة بذريعة مجهولية المالك

بقلم / مهندسري
تأتي هذه الرؤية في لحظة بالغة الحساسية، والعراق يخوض ما يبدو أنها حملة جادة لاسترداد الأموال المنهوبة.
ونقول: ما يبدو، لأن الحكم الحقيقي على أية حملة لا يكون بعدد الملفات المفتوحة، بل بقدرتها على الوصول إلى الرؤوس التي صنعت منظومة الفساد، لا الاكتفاء بملاحقة الحلقات التي جاءت في ذيلها.
فاسترداد المال المنهوب لا يبدأ من ملاحقة الفاسد فحسب، بل من إسقاط المبررات التي منحت الفساد غطاء أخلاقيا أو فقهيا أو قانونيا.
ولعل أخطر تلك المبررات هو التوسع في توظيف مفهوم مجهول المالك خارج إطاره الفقهي، حتى تحول في بعض التطبيقات إلى ذريعة تشرعن الاعتداء على المال العام، مع أن هذا المفهوم لم يُنشأ أصلا لإباحة المال، وإنما لحمايته.
فالفقه لم يقل يوما إن الجهل بصاحب الحق يُسقط حقه، بل قرر العكس، إذ جعل تعذر معرفة المالك سببا لتشديد واجب المحافظة على المال، لا سببا لانتقال ملكيته إلى من تقع يده عليه.
إن الخلط بين قولنا: “لا أعرف المالك” وقولنا: “لا مالك لهذا المال” هو أصل الإشكال.
فالأولى حالة معرفية تخص الإنسان، أما الثانية فهي دعوى وجودية تحتاج إلى دليل. والانتقال من الأولى إلى الثانية ليس اجتهادا فقهيا، بل مغالطة منطقية قلبت وظيفة المفهوم رأسا على عقب، حتى صار النص الذي وضع لحماية الحقوق يستدعى لتبرير التفريط بها.
ومن هنا فإن الاستناد إلى مفهوم مجهول المالك لتسويغ الاستيلاء على المال العام لا يمثل توسعا في الفقه، بل خروجا عليه. فالمال العام ليس مجهول المالك، بل معلوم الحق، إذ تعود منافعه إلى الأمة، وتديرها الدولة بوصفها أمينة عليها، لا مالكة لها بالمعنى المطلق.
ومن ثم فإن الاعتداء عليه ليس مجرد مخالفة قانونية، بل اعتداء على حق جماعي لا يسقط بجهل شخص المالك المباشر.
ولعل الإشكال الأعمق أن النقاش انشغل طويلا بسؤال: من يملك الثروة؟، بينما أغفل سؤالا يسبقه في الأهمية: هل الثروة الطبيعية تقبل الملكية أصلا؟ فالنفط والغاز والمعادن والمياه الكبرى ليست شأنا يخص فردا، ولا حكومة، ولا حتى الجيل الحاضر وحده، وإنما هي أمانة تتعلق بحقوق المجتمع والدولة والأجيال المقبلة معا.
وحين تكون الأمانة هي الأصل، يصبح الحديث عن الملكية المطلقة مدخلا إلى إساءة التصرف، لا إلى حسن الإدارة.
إن أخطر ما في الفساد أنه لا يعيش بالقوة وحدها، بل يعيش أيضا بالأفكار التي تمنحه شرعية زائفة.
لذلك فإن تصحيح المفاهيم ليس ترفا فكريا، بل خطوة أساسية في معركة استعادة المال العام.
فكما أن القانون يلاحق من سرق المال، ينبغي للفكر أن يلاحق التأويلات التي جعلت السرقة تبدو، في نظر السراق، وكأنها حق مشروع.
فالشريعة جاءت لحفظ الأموال، لا لإباحتها، ولصيانة الحقوق، لا لتذويبها تحت عنوان مجهولية المالك.