رياض سعد
لم تكن بغداد في ذلك الصباح تختلف كثيراً عن وجه رجلٍ تجاوز الخمسين؛ مدينةٌ متعبة، تتنفس بصعوبة، وتخفي تحت ضجيجها الطويل حزناً لا يراه أحد.
كان سالم يسير بمحاذاة نهر دجلة متجهاً إلى دائرة البريد في شارع الرشيد.. لم يكن لديه عملٌ حقيقي، لكنه تعوّد، منذ تقاعده قبل عامين، أن يختلق أسباباً للخروج من البيت.. أدرك متأخراً أن الإنسان لا يخشى الشيخوخة بقدر ما يخشى الفراغ.
توقف عند واجهة مكتبة قديمة، تأمل الكتب المصفوفة خلف الزجاج، ثم ابتسم بمرارة.
“أصبحت الكتب أرخص من البشر.”
لم يكن يقصد أسعارها فحسب.
بل قيمتها.
واصل سيره حتى وصل إلى مقهى الشابندر.
جلس في الزاوية التي تطل على شارع المتنبي، وطلب استكان شاي ثقيل.
كان يحب مراقبة الناس.
وجوهٌ تأتي وأخرى ترحل.
موظفون.
باعة كتب.
طلاب جامعات.
شعراء متقاعدون.
وسياسيون يتحدثون عن الوطن وكأنهم لم يشاركوا في تعبه.
كان يؤمن أن المقاهي تشبه محطات القطارات.
كل إنسان فيها ينتظر شيئاً لن يصل.
—
قبل سنة ونصف فقط، كان يجلس في المكان نفسه، حين دخل فاضل.
صديق عمره.
رفيق المدرسة المتوسطة.
الرجل الذي حضر زفافه، وحمل نعش أبيه، وتقاسم معه سنوات الحصار، وأيام الخوف، وحكايات بغداد التي لم تعد تشبه نفسها.
جلس فاضل يومها بصمت.
لم يطلب الشاي.
ولم يشعل سيجارته المعتادة.
ظل ينظر إلى الطاولة كأن الكلمات عالقة في فمه .
قال سالم ضاحكاً:
ـ خير إن شاء الله… شكلك تريد تتزوج مرة ثانية.
ابتسم فاضل ابتسامة باهتة.
ثم قال بصوت لم يعرفه فيه من قبل:
ـ سالم…
أريد منك خدمة.
رفع سالم رأسه.
ـ آمر... قل ماذا تريد ؟
ظل فاضل صامتاً.
وكان الصمت أطول من السؤال.
ثم قال:
ـ محتاج ألفين وسبعمئة دولار…
أسبوع واحد فقط.
هناك شخص مدين لي، وسيعيدها خلال أيام.
وأول ما أستلمها…
أجيبها إلك.
لم يسأله سالم لماذا.
ولم يطلب ورقة رسمية تؤكد دينه .
ولا شاهداً.
ولا حتى موعداً مكتوباً.
الصداقة، في نظره، كانت أقدم وأهم من الأوراق الرسمية.
عاد إلى بيته.
فتح الخزانة الحديدية.
وأخرج رزمة الدولارات التي ادخرها سنوات طويلة.
كانت حصيلة عمل إضافي، وحرمان، وأحلام مؤجلة.
كان ينوي أن يجري بها عملية جراحية لزوجته.
لكنه قال لنفسه:
“الصديق أولى.”
وفي صباح اليوم التالي، وضع الرزمة في يد فاضل.
صافحه.
وقال مبتسماً:
ـ لا تستعجل.
ردها عندما تستطيع.
كان يظن أنه يمنح المال.
لكنه، دون أن يدري، كان يمنحه شيئاً أكبر.
كان يمنحه ثقته.
—
انقضى الأسبوع.
ثم أسبوع آخر.
ثم شهر.
اتصل سالم.
رد فاضل بسرعة.
ـ سامحني… تأخر الشخص اللي عليه الفلوس.
أسبوعين فقط.
وأرتاح أنا وأنت.
قال سالم:
ـ لا بأس.
أغلق الهاتف.
ولم يشعر بأي ضيق.
فالإنسان، كما كان يعتقد، قد يتعثر، لكنه لا ينسى وعده.
لكن الأسابيع تحولت إلى أشهر.
والأشهر إلى سنة.
والسنة إلى سنة ونصف.
وفي كل اتصال، كانت الكلمات تتبدل…
أما المعنى، فكان واحداً.
“الأسبوع الجاي.”
“بداية الشهر.”
“أول ما أستلم.”
“أول ما أبيع السيارة.”
“دعواتك.”
حتى أصبح سالم يحفظ الأعذار كما يحفظ الناس أسماء أبنائهم.
—
شيئاً فشيئاً…
لم يعد ينتظر المال.
صار ينتظر شيئاً آخر.
كان ينتظر أن يعود فاضل كما كان.
لكن الرجل الذي يعرفه منذ أربعين عاماً، بدأ يختفي تدريجياً.
كل وعد جديد، كان يمحو جزءاً من صورته القديمة.
حتى لم يبق منها شيء.
وفي إحدى الليالي، جلس سالم أمام المرآة.
وسأل نفسه:
“هل أنا الذي تغيّرت…
أم الناس؟”
لم يجبه أحد.
لكن المرآة كانت تعرف.
لقد صار يشك في كل من يطلب المساعدة.
صار يقرأ الخديعة في الوجوه.
ويبحث عن المصلحة خلف كل ابتسامة.
وأدرك، للمرة الأولى، أن بعض الناس لا يسرقون المال.
بل يسرقون قدرة الآخرين على الثقة.
وهذه سرقة لا تعاقب عليها القوانين.
لكنها تهدم مجتمعات كاملة.
…
في مساء شتائي ثقيل، كانت بغداد تغسل أرصفتها بمطر خفيف يشبه الدموع المؤجلة.
وصل سالم إلى مقهى الشابندر قبل الموعد بنصف ساعة.. لم يكن مستعجلاً، لكنه اعتاد في الأشهر الأخيرة أن يصل مبكراً.. كان يريد أن يرى فاضل وهو يدخل، وأن يقرأ وجهه قبل أن يبدأ بالكلام.. كان يؤمن أن الوجوه تفضح أصحابها قبل الألسنة.
جلس في الزاوية المعتادة.
أشعل سيجارة.
ثم أطفأها بعد نفسين فقط.
طلب استكان شاي.
ثم تركه يبرد.
كانت عيناه معلقتين بباب المقهى.
دخل فاضل.
كان يمشي مطمئناً، يحيي هذا، ويصافح ذاك، ويبتسم للنادل، وكأن العالم لا يدين له بشيء، أو كأنه لا يدين لأحد بشيء.
اقترب.
ابتسم.
صافح سالم بحرارة.
وقال:
ـ والله اشتقنالك.
ابتسم سالم ابتسامة باهتة.
وسأله بهدوء:
ـ اشتقت إليّ… أم اشتقت إلى أن أؤجل الحديث مرة أخرى؟
ساد صمت قصير.
أشار فاضل للنادل.
ـ جيب استكانين.
قال سالم:
ـ لا… دع الشاي قليلاً.
أريد أن نتحدث.
نظر فاضل إلى الشارع.
كان يعرف أن ساعة الحساب وصلت.
قال وهو يعبث بمسبحته:
ـ أعرف…
تقصد الفلوس.
قال سالم:
ـ لا…
لو كانت القضية قضية فلوس، لانتهت منذ زمن.
أنا أتحدث عن شيء آخر.
رفع فاضل رأسه باستغراب.
قال سالم بصوت منخفض:
ـ هل تعلم ماذا فعلت بي؟
ابتسم فاضل ابتسامة مرتبكة.
ـ أخي… قلت لك الظروف…
قاطعه سالم:
ـ لا تكررها.
لقد حفظت الظروف عن ظهر قلب.
مرةً كانت سيارتك.
ومرةً بيتك.
ومرةً ابنك.
ومرةً شريكك.
ومرةً البنك.
ومرةً الحوالة.
ومرةً الدولار.
حتى صرت أستطيع أن أكمل عذرك قبل أن تقوله.
ساد الصمت.
ثم قال سالم:
– هل تعلم ما الذي تغير؟
أنا.
أنا الذي تغير.
أصبحت أخاف من كل إنسان يقول لي:”أريد أن أتحدث معك خمس دقائق.”
أصبحت أظن أن كل محتاج يريد أن يخدعني.
كل فقير أشك فيه.
كل صديق أخاف منه.
كل هاتف يرن يجعلني أتوقع طلباً جديداً.
أنت لم تستدن ألفين وسبعمئة دولار فقط…
لقد استدنت سلامي الداخلي.
وأضعته.
—
ظل فاضل صامتاً.
كان ينظر إلى فنجان الشاي.
كأن السكر المذاب في قعره صار أكثر أهمية من الكلمات.
ثم قال بصوت خافت:
ـ والله… ما كنت أقصد.
ابتسم سالم.
كانت ابتسامة رجل تعب من سماع الجملة نفسها.
ـ وهل يسرق الناس دائماً بقصد؟
أحياناً لا يسرق الإنسان المال…
بل يسرق عمر غيره دون أن يشعر.
—
بعد دقائق من الصمت، قال فاضل:
ـ والله أرجعها.
حتى لو بعت بيتي.
رفع سالم يده.
ـ لا… لا تعدني.
لقد تعبت من الوعود.
هل تعلم؟
قبل سنة ونصف كنت إذا طرق بابي فقير، أفتح له الباب قبل أن يسأل.
اليوم…
أنتظر حتى ينصرف.
أنا لم أخسر مالاً.
أنا خسرت نفسي.
—
كانت أصوات لاعبي الدومينو ترتفع في آخر المقهى.
أحدهم صرخ:
“دبل!”
فضحك الجميع.
أما على الطاولة الصغيرة قرب النافذة، فقد كان الصمت أثقل من بغداد كلها.
قال سالم بعد لحظة طويلة:
ـ أتذكر يوم حملنا نعش أبي؟
هز فاضل رأسه.
ـ نعم.
قال سالم:
ـ يومها قلت في نفسي:
هذا الرجل لو احتاج دمي لأعطيته إياه.
واليوم…
أصبحت أتمنى لو أنك كنت غريباً.
لأن الغريب حين يخدعني، أخسر مالاً.
أما حين يخدعني صديق أربعين سنة…
فإني أخسر تاريخاً كاملاً.
—
في تلك اللحظة شعر فاضل أن الكلمات التي كان يؤجلها منذ سنة ونصف لم تعد تنفع.
حتى لو أخرج المال الآن…
فإن شيئاً لن يعود.
هناك أشياء لا تصلحها النقود.
فالزجاج إذا انكسر يمكن تبديله.
أما الثقة…
فهي تشبه العمر.
إذا مضى…
لا يعود.
—
نهض سالم.
أخرج ثمن الشاي.
ووضعه فوق الطاولة.
نظر إلى فاضل للمرة الأخيرة.
وقال:
ـ لا أريد أن أسامحك…
ولا أريد أن أكرهك.
أريد فقط أن أنسى أنني كنت أعدك أعز أصدقائي.
ثم استدار ببطء.
خرج من المقهى.
كان المطر قد توقف.
لكن بغداد بدت أكثر برودة من قبل.
وفي الطريق، مرّ به رجل مسن يبيع المحارم الورقية.
قال له:
ـ أستاذ… ساعدني لله.
توقف سالم.
مدّ يده إلى جيبه.
ثم سحبها.
اعتذر للرجل ومضى.
بعد خطوات، التفت إلى الخلف.
كان الشيخ ما يزال واقفاً ينادي المارة.
همس سالم لنفسه:
“سامحني يا عم…
كان في داخلي رجل يحب مساعدة الناس…
لكن أحدهم استدانه مني…
ولم يعده حتى اليوم.”
ومضى.
كانت تلك أول مرة يشعر فيها أن الدين الحقيقي لم يكن ألفين وسبعمئة دولار.
بل إنساناً كاملاً… ضاع بين وعدٍ كاذب، وأسبوعٍ لم ينتهِ أبداً.
..
لم يعد سالم يتصل كثيراً.
كان يعرف مسبقاً كيف سيبدأ الحوار، وكيف سينتهي.
يرن الهاتف.
يرد فاضل بلهجة ودودة كأن شيئاً لم يحدث.
ـ هلا بالغالي…
أبو علي… وينك مختفي؟
ثم يسأل عن الصحة، والأولاد، وضغط الدم، وازدحام بغداد، وانقطاع الكهرباء، وارتفاع الدولار، قبل أن يصل الحديث إلى النقطة التي يعرفها الاثنان.
وحين يذكر سالم المال، يسود صمت قصير، يعقبه العذر الجديد.
حتى خُيّل لسالم أن الأعذار في العراق لا تنتهي، لأنها تُصنع أسرع من الحقائق.
—
مرت سنة ونصف.
ولم يعد الرقم (2700) يعني مبلغاً من المال.
صار تاريخاً.
صار جرحاً.
صار موعداً مؤجلاً يعيش معه كل صباح.
كان يدخل إلى تطبيق الهاتف، فيقرأ اسم فاضل بين الأسماء.
يتردد كثيراً قبل أن يضغط زر الاتصال.
ثم يغلق الهاتف.
ويقول لنفسه:
“ما الفائدة؟”
ليس لأنه يئس من استرداد المال.
بل لأنه تعب من سماع الكذب بصيغ مختلفة.
—
في إحدى الأمسيات، دعته زوجته إلى العشاء.
قالت وهي تراقب شروده:
ـ منذ أشهر وأنت لست أنت.
رفع رأسه ببطء.
ـ ماذا تقصدين؟
قالت:
ـ أصبحت عصبياً.
تشكو من الناس.
لا تثق بأحد.
كلما طرق الباب أحد، تنزعج.
حتى أولادك صاروا يخافون من عصبيتك.
ظل صامتاً.
ثم قال:
ـ تعرفين ما المشكلة؟
قالت:
ـ ما هي؟
قال وهو يحدق في الفراغ:
ـ كنت أظن أن الإنسان يُولد طيباً، وأن التجارب تترك عليه بعض الخدوش.
لكنني اكتشفت أن بعض التجارب لا تترك خدوشاً…
بل تغيّر وجه الإنسان كله.
—
وفي تلك الليلة، لم يستطع النوم.
فتح درج مكتبه.
أخرج دفتراً قديماً كان يدون فيه خواطره.
وقلب صفحاته.
وجد عبارة كتبها قبل سنوات:
“أجمل ما في الإنسان أنه يثق.”
ابتسم بمرارة.
ثم شطبها بقلمه.
وكتب تحتها:
“وأقسى ما في الإنسان أنه يتعلم كيف لا يثق.”
ظل ينظر إلى الجملة طويلاً.
شعر لأول مرة أنه لم يعد يعرف الكاتب الذي كتب العبارة الأولى.
—
بعد أيام، جاءه ابن أخيه.
شاب في بداية الثلاثينيات.
جلس مرتبكاً.
ثم قال:
ـ عمي…
أحتاج مبلغاً بسيطاً.
أعيده لك آخر الشهر.
نظر سالم إلى وجهه.
كان الشاب صادقاً.
وكان صوته يرتجف.
لكن صورة أخرى ظهرت أمام عينيه.
وجه فاضل.
الوعد الأول.
الأسبوع الأول.
والسنة والنصف.
أغلق سالم محفظته بهدوء.
وقال:
ـ والله يا ولدي… ظروفي لا تسمح.
خرج الشاب منكسر الخاطر.
وظل سالم واقفاً عند الباب.
كان يشعر أن شيئاً انكسر داخله.
ليس ابن أخيه…
بل هو.
همس بصوت بالكاد يسمعه:
“لقد نجح فاضل…
حوّلني إلى شخص لا أعرفه.”
—
في اليوم التالي، كان يتمشى في شارع المتنبي.
رأى طفلاً يبيع قناني الماء.
لم يكن يتجاوز العاشرة.
قال الطفل:
ـ عمو… اشترِ واحدة.
توقف سالم.
فتح محفظته.
ثم أغلقها.
ومضى.
بعد خطوات قليلة شعر بوخزة في صدره.
استدار بسرعة.
عاد إلى الطفل.
لكنه لم يجده.
ابتلعته الجموع.
وقف وسط الزحام كمن أضاع شيئاً لا يمكن تعويضه.
لم يكن يبحث عن الطفل.
كان يبحث عن الرجل الذي كانه قبل سنة ونصف.
الرجل الذي كان يثق بالبشر.
ويصدق القسم.
ويظن أن الكلمة دين.
—
وفي مساء الجمعة، اتصل به فاضل بنفسه.
لأول مرة منذ أشهر.
قال بصوت مفعم بالحماس:
ـ بشرى…
قريباً جداً أنهي كل شيء.
ضحك سالم.
ضحكة هادئة.
لكنها كانت تشبه بكاءً مؤجلاً.
قال:
ـ لا تقل لي “قريباً”.
هذه الكلمة أصبحت أكبر كذبة في حياتي.
ساد صمت طويل.
ثم قال سالم:
ـ هل تعلم ما الذي يؤلمني؟
ليس أن عندك ديناً.
كل الناس قد تستدين.
لكن المؤلم…
أنك تركتني طوال سنة ونصف أعيش مع سؤال واحد:
هل كنت مخطئاً حين وثقت بك؟
ولو أجبتني عنه…
فلن أحتاج إلى المال.
أغلق الهاتف.
وأدرك أن بعض الأسئلة لا يجيب عنها المديون.
بل يجيب عنها الزمن.
—
ومنذ تلك الليلة، صار سالم يوقن أن الديون نوعان:
دينٌ يُكتب في دفاتر الحساب.
ودينٌ يُكتب في الذاكرة.
الأول قد يُسدَّد يوماً.
أما الثاني…
فنادراً ما يُمحى.
وكان فاضل، دون أن يدري، قد ترك في ذاكرة صديقه ديناً لن يستطيع سداده مهما أعاد من المال، لأن ما ضاع لم يكن ألفين وسبعمئة دولار…
بل أربعين عاماً من الثقة، اختُزلت في وعد واحد لم يفِ به.
..
لم يعد سالم يسأل عن المال.
كان هذا أكثر ما أربك فاضل.
اعتاد طوال سنة ونصف أن يسمع السؤال نفسه، وأن يجهز الجواب نفسه.. أما الآن، فقد صار سالم يتحدث معه في كل شيء إلا الدين.
يسأله عن صحته.
عن أولاده.
عن ضغط الدم.
عن الحر.
عن ازدحام بغداد.
ثم ينهي المكالمة بهدوء.
من دون أن يذكر الرقم الذي كان يطاردهما معاً: (2700).
في البداية، شعر فاضل بالارتياح.
ثم بدأ الارتياح يتحول إلى قلق.
قال لزوجته ذات مساء:
ـ سالم تغيّر.
قالت:
ـ يمكن اقتنع أنك ما راح ترجعها.
هز رأسه.
ـ لا…
لو كان يريد المال فقط، لظل يطالبني.
أنا أخاف من صمته أكثر من كلامه.
—
وفي مساء أحد الأيام، التقى الصديقان مصادفة في شارع المتنبي.
كان الزحام شديداً.
والباعة يملؤون الأرصفة.
والكتب القديمة تمتد كأنها ذاكرة العراق المفروشة على الأرض.
اقترب فاضل.
ابتسم.
مد يده.
صافحه سالم بحرارة لم يتوقعها.
قال فاضل:
ـ تعال نشرب استكان شاي.
أجاب سالم:
ـ بكل سرور.
جلسا في المقهى نفسه.
المقاعد نفسها.
النادل نفسه.
حتى المروحة القديمة كانت تدور بالكسل نفسه.
لكن الرجلين لم يعودا الرجلين نفسيهما.
بعد دقائق من الصمت، قال فاضل:
ـ سالم…
أنت زعلان؟
نظر إليه سالم طويلاً.
ثم ابتسم.
ابتسامة هادئة، لكنها كانت أشبه بتنهيدة طويلة.
ـ لا.
ـ إذن لماذا أشعر أن بيننا جداراً؟
قال سالم:
ـ لأن الجدار موجود.
—
لم يفهم فاضل.
قال:
ـ أي جدار؟
أخذ سالم استكان الشاي بين يديه.
راح يتأمل البخار المتصاعد.
ثم قال بهدوء:
ـ أتدري ما الفرق بين الزجاج والثقة؟
الزجاج إذا انكسر، تستطيع أن تبدله.
أما الثقة…
فلا يوجد محل يبيعها.
ولا ورشة تصلحها.
ظل فاضل ساكتاً.
وأكمل سالم:
ـ أنت تظن أن المشكلة ألفان وسبعمئة دولار.
وأنا أيضاً كنت أظن ذلك.
لكنني اكتشفت أن المبلغ كان صغيراً جداً…
أما الخسارة…
فكانت أكبر من أن تُحسب بالأرقام.
—
أطرق فاضل رأسه.
قال بصوت خافت:
ـ والله ما كنت أقصد أجرحك.
ابتسم سالم.
ـ أنا أصدقك.
هناك أشياء لا يفعلها الناس بقصد.
لكن نتائجها تبقى.
هل تعلم ماذا فعلت بي؟
لقد جعلتني أشك في كل إنسان.
حين يطرق أحد بابي…
أفكر أنه جاء ليستدين.
حين يتصل بي قريب…
أتوقع أنه سيطلب مالاً.
حين يقول لي أحدهم:
“أريد خمس دقائق من وقتك…”
أشعر أن جيبي هو المقصود، لا أنا.
—
ساد الصمت.
كان صوت فناجين الشاي في المقهى أعلى من حديثهما.
قال سالم بعد لحظة:
ـ قبل أشهر جاءني طالب جامعي.
احتاج إلى مبلغ بسيط ليسدد رسومه.
كنت قادراً على مساعدته.
لكنني رفضت.
ليس لأنني بخيل.
بل لأنني كنت أراك واقفاً خلفه.
وجاءتني امرأة تطلب ثمن دواء.
وأغلقت الباب.
ليس لأنها كاذبة…
بل لأنني كنت أسمع صوتك.
هل تعرف ماذا يعني هذا؟
أنت لم تأخذ مالي.
أنت أخذت الرجل الذي كنت أكونه.
—
بدأت عينا فاضل تمتلئان بالدموع.
قال:
ـ سامحني.
أجاب سالم بهدوء:
ـ ليست المسألة مسألة مسامحة.
هناك أشياء لا يعالجها الاعتذار.
لو كسرت ساعتي…
واشتريت لي مثلها…
سأنساها.
ولو خدشت سيارتي…
وأصلحتها…
سينتهي الأمر.
أما الإنسان…
فليس قطعة غيار.
—
ثم سكت قليلاً.
وأضاف:
ـ أكثر ما يؤلمني ليس أنك أخلفت وعدك.
بل أنني، كلما تذكرت السنوات الأربعين التي عرفتك فيها، لم أعد أعرف أيها كان الحقيقي.
هل الرجل الذي حمل نعش أبي معي؟
أم الرجل الذي جعلني ألاحقه سنة ونصف من أجل كلمة أعطاها بلسانه؟
أيهما أنت؟
صمت فاضل.
ولم يجد جواباً.
لأن بعض الأسئلة لا يجيب عنها الكلام.
بل العمر كله.
—
نهض سالم.
أخرج ثمن الشاي.
ووضعه على الطاولة.
وقبل أن يغادر، التفت إلى فاضل وقال:
ـ سأقول لك شيئاً واحداً.
إذا أعدت لي المال غداً…
فسأشكرك.
أما إذا سألتني:
هل ستعود كما كنت؟
فالجواب…
لا.
لأن الإنسان حين يتعلم الخوف من أقرب الناس إليه…
يقضي بقية عمره يحرس قلبه أكثر مما يعيش به.
خرج سالم من المقهى.
وكانت بغداد تغرق في غروب نحاسي.
أما فاضل، فبقي جالساً وحده.
أمامه استكان شاي بارد.
وفي داخله شعور ثقيل لم يعرف اسمه من قبل.
لأول مرة أدرك أن بعض الديون لا تثقل جيب الإنسان…
بل تثقل روحه.
وأن المال يمكن تعويضه مهما كثر…
أما الثقة، فإذا ماتت، فإنها لا تُدفن مع أصحابها، بل تبقى شبحاً يسكن ذاكرة من خُذل بها، ويطارده كلما همّ أن يثق بإنسان جديد.
..
مرّت أسابيع أخرى.
لم يتصل أحدهما بالآخر.
لم تكن بينهما خصومة معلنة، ولا قطيعة رسمية.
كان كل شيء يبدو طبيعياً من الخارج.
لكن الحقيقة أن الصداقة كانت قد دخلت مرحلة الاحتضار الهادئ؛ ذلك النوع من الموت الذي لا يلاحظه أحد، لأنه يحدث بلا صراخ.
—
في مساء أحد الأيام، جلس فاضل وحده في شرفة بيته.
كانت زوجته ترتب أواني المطبخ، بينما كان هو يقلب بين أصابعه مسبحة قديمة ورثها عن أبيه.
لم يكن يفكر في المال.
كان يفكر في سالم.
قالت له زوجته وهي تراقب شروده:
ـ إلى متى ستبقى تؤجل هذا الموضوع؟
أجاب بصوت خافت:
ـ أي موضوع؟
قالت:
ـ تعرف أي موضوع أقصد.
دين سالم.
تنهد طويلاً.
ثم قال:
ـ لو كانت المشكلة بالمال، لحُلّت منذ زمن.
قالت باستغراب:
ـ إذن ما المشكلة؟
أطرق برأسه.
وأجاب:
ـ أخجل.
أخجل أن أقف أمامه.
كل يوم أؤجل فيه السداد، أشعر أن المسافة بيننا تكبر.
حتى أصبحت لا أعرف من أين أبدأ الاعتذار.
—
في تلك الليلة لم ينم.
فتح خزانته الحديدية.
بدأ يجمع ما يملكه.
مدخرات قديمة.
مبلغ احتفظ به لزواج ابنته.
سلفة كان قد أخذها من أخيه.
باع ساعة ثمينة كان قد اشتراها يوم ترقيته.
وفي اليوم التالي، باع قطعة ذهب صغيرة ورثها عن أمه، بأقل من قيمتها، فقط لينتهي هذا الكابوس.
ظل يعد الدولارات مرات عديدة.
ألفان وسبعمئة دولار.
كانت الرزمة أمامه.
لكنه لم يشعر بالراحة.
قال في نفسه:
“غريب…
حين استلفتها، كانت تبدو خفيفة.
واليوم أشعر أنها أثقل من جبل.”
—
في صباح الجمعة، اتجه إلى بيت سالم.
كان يعرف العنوان عن ظهر قلب.
كم مرة جاء إليه في الأعياد؟
كم مرة ضحكا في هذا البيت؟
كم مرة جلسا حتى منتصف الليل يتحدثان عن بغداد، وعن الطفولة، وعن الأحلام؟
وقف أمام الباب.
رفع يده ليطرق.
ثم تراجع.
أعادها مرة ثانية.
ثم تراجع مرة أخرى.
قال لنفسه:”هل يكفي أن أعيد المال؟”
أجاب صوت داخله :”لا.”
ظل واقفاً دقائق طويلة.
حتى خرج جار سالم مصادفة.
ابتسم له وقال:
ـ تفضل… سالم موجود.
دخل بخطوات ثقيلة.
فتح سالم الباب.
نظر إليه بهدوء.
لم تظهر على وجهه الدهشة.
كأنه كان يعرف أن هذه اللحظة ستأتي يوماً.
قال فاضل بصوت مكسور:
ـ أريد أن أتحدث معك.
ابتسم سالم ابتسامة صغيرة.
ـ تفضل.
جلسا في غرفة الضيوف.
الغرفة نفسها التي جلسا فيها قبل سنة ونصف.
لكن كل شيء بدا مختلفاً.
حتى صمت الجدران.
أخرج فاضل الرزمة من حقيبته.
ووضعها فوق الطاولة.
وقال:
ـ هذه فلوسك.
ألفان وسبعمئة دولار.
كاملة.
لم يمد سالم يده.
ظل ينظر إلى الرزمة بصمت.
قال فاضل:
ـ عدّها.
هز سالم رأسه.
ـ لا حاجة.
قال فاضل:
ـ لماذا؟
أجاب سالم:
ـ لأنني كنت أثق بك عندما أعطيتك المال.
واليوم لا أريد أن أتعلم كيف أعدّه وأنا أسترده.
ساد الصمت.
كان صمتاً أثقل من كل الكلمات التي تأخرت سنة ونصف.
قال فاضل وهو يكاد يبكي:
ـ سامحني.
رفع سالم نظره إليه.
وفي عينيه شيء يشبه التعب أكثر من الغضب.
قال:
ـ أتدري…
طوال هذه المدة كنت أظن أنني أنتظر هذه اللحظة.
لكنني اكتشفت الآن أنني لا أشعر بأي فرح.
لا انتصار.
ولا راحة.
ولا حتى رغبة في عدّ المال.
ثم أشار إلى الرزمة.
وأضاف:
ـ هذه لم تعد ألفين وسبعمئة دولار.
هذه سنة ونصف من الانتظار.
مئات المكالمات.
وعشرات الأعذار.
وليالٍ طويلة كنت أستيقظ فيها وأنا أفكر: كيف يمكن لإنسان أحببته أربعين سنة أن يجعلني أطارده من أجل حقي؟
لو جئت بها بعد أسبوع كما وعدت…
لكانت مالاً.
أما الآن…
فقد أصبحت ذاكرة.
والذاكرة لا تُصرف في الأسواق.
ولا تُودع في المصارف.
ولا تعود كما كانت.
ظل فاضل مطأطئ الرأس.
وقال بصوت خافت:
ـ هل انتهى كل شيء بيننا؟
ابتسم سالم ابتسامة حزينة.
وقال:
ـ لا…
الذي انتهى ليس بيننا.
الذي انتهى… داخلي.
كنت أؤمن أن الصداقة تستطيع أن تنتصر على المال.
أما اليوم…
فقد اكتشفت أن المال لا يهزم الصداقة وحدها.
بل يكشف مقدار ما كانت الصداقة تحتمله من صدق.
حمل سالم الرزمة بهدوء.
فتح درج المكتب.
ووضعها داخله.
ثم أغلق الدرج.
دون أن يعد ورقة واحدة.
نظر إليه فاضل مستغرباً.
قال سالم:
ـ تعرف لماذا لم أعدها؟
لأنني لم أكن أبحث عن المال.
كنت أبحث عن الرجل الذي جاءني قبل سنة ونصف وقال:
“أسبوع واحد.”
وكنت أتمنى أن يعود هو…
قبل أن تعود هذه الأوراق.
لكن يبدو أن بعض الناس يرجعون المال…
بعد أن يكونوا قد خسروا أنفسهم.
..
لم يخرج فاضل من بيت سالم مسرعاً.
خرج ببطء، كمن يحمل على كتفيه أربعين عاماً من الذكريات.
كان الشارع هادئاً.
الأطفال يلعبون كرة القدم في الزقاق الضيق، وبائع الشاي يدفع عربته مردداً بصوته الرتيب: ” جاي حار مهيل … جاي حار مهيل …”
كل شيء كان كما هو.
إلا هو.
وللمرة الأولى أدرك أن الإنسان قد يربح المال ويخسر نفسه، وقد يسدد ديناً ويبقى مديناً إلى آخر عمره.
—
أما سالم، فقد بقي جالساً وحده.
نظر إلى الدرج الذي وضع فيه رزمة الدولارات.
لم يفتحه.
ولم يعدها.
ولم يشعر بحاجة إلى ذلك.
نهض ببطء.
توجه إلى النافذة.
نظر إلى دجلة البعيد الذي كان ينساب بصمت، كأنه لا يكترث لحكايات البشر.
تمتم:
“غريب أمر هذا النهر…
كل يوم يحمل ماءً جديداً…
أما نحن، فنحمل الأحزان نفسها.”
جلس إلى مكتبه.
فتح دفتراً قديماً كان قد دوّن فيه خواطره منذ شبابه.
قلّب صفحاته حتى وجد عبارة كتبها قبل عشرين عاماً:
**”الصديق هو الإنسان الذي تستطيع أن تضع مالك عنده كما تضع قلبك.”**
ظل يحدق فيها طويلاً.
ثم تناول قلمه.
ولم يشطبها.
بل أضاف تحتها:
**”لكن بعض القلوب لا تضيع حين تُسرق… بل حين تُختبر.”**
أغلق الدفتر.
وأغمض عينيه.
—
مرّت أشهر.
لم يعد فاضل إلى المقهى.
ولم يذهب سالم أيضاً.
كأن المكان فقد معناه بعد أن انكسرت الحكاية التي جمعتهما.
وذات صباح، بينما كان سالم يتجول في شارع المتنبي، رأى شاباً في أواخر العشرينيات يقف مرتبكاً أمام مكتبة قديمة.
اقترب منه.
قال الشاب بخجل:
ـ عمي… أعتذر عن الإزعاج.
أنا طالب ماجستير.
ضاع مني حاسوب العمل، وأحتاج مبلغاً بسيطاً حتى أشتري حاسوباً مستعملاً.
أعيده لك أول ما تصلني المنحة.
نظر سالم إلى عينيه.
كانت العينان صادقتين.
أو هكذا بدا له.
شعر أن قلبه انقبض.
عاد إليه ذلك الصوت القديم:
“أسبوع واحد فقط…”
أغلق محفظته.
ثم أعاد فتحها.
ظل واقفاً دقيقة كاملة.
كانت أطول دقيقة في حياته.
وأخيراً، أخرج ورقة نقدية ووضعها في يد الشاب.
لكنها لم تكن قرضاً.
قال له بابتسامة هادئة:
ـ هذه ليست ديناً.
ولا أريدها أن تعود.
إذا استطعت يوماً أن تساعد إنساناً محتاجاً مثلك…
فساعده.
واعتبر أنني استرددت مالي.
نظر الشاب إليه بدهشة.
ثم قبّل يده ومضى.
بقي سالم واقفاً يراقبه حتى اختفى بين زحام الكتب.
ابتسم لأول مرة منذ زمن.
وأدرك أن فاضلاً لم ينجح في سرقة كل شيء.
لقد سرق ثقته بالناس…
لكن ليس إلى الأبد.
—
وفي مساء اليوم نفسه، عاد إلى بيته.
فتح الدرج.
أخرج رزمة الدولارات.
نظر إليها طويلاً.
ثم أغلقها من جديد.
قال لنفسه:
“كم هو غريب… طوال سنة ونصف كنت أظن أن هذه الأوراق هي التي ستعيد لي راحتي.
لكنها بقيت أوراقاً... أما الذي كنت أبحث عنه…فلم يكن بينها.”
ثم حمل الرزمة.
ووضعها في خزانة قديمة إلى جانب ألبوم صور أبيض وأسود.
صور المدرسة.
وصور الجيش.
وصور زفافه.
وصورة تجمعه بفاضل وهما شابان يضحكان على ضفة دجلة.
نظر إلى الصورة طويلاً.
ولم يشعر بالغضب.
ولا بالكراهية.
بل بشيء يشبه الحنين إلى رجل لم يعد موجوداً.
—
بعد سنوات، سأله حفيده الصغير وهو يعبث بألبوم الصور:
– جدي…
من هذا الرجل الذي يقف بجانبك؟
تأمل سالم الصورة.
ابتسم ابتسامة شاحبة.
وقال:
ـ كان صديقي.
سكت قليلاً.
ثم صحح عبارته بصوت خافت:
ـ لا…
كان زمناً من حياتي.
أغلق الألبوم برفق.
وأعادَه إلى مكانه.
وفي تلك اللحظة أدرك أن بعض البشر لا يخرجون من حياتنا لأنهم غادروها، بل لأنهم غيّروا المعنى الذي كنا نعطيه لكلمات مثل: الصداقة، والثقة، والوفاء.
—
وفي آخر صفحة من دفتر خواطره، كتب سالم قبل أن يطفئ مصباح غرفته:
**”تعلمت متأخراً أن المال لا يختبر جيوب الناس، بل ضمائرهم… وأن الديون ليست كلها مالية؛ فهناك من يقترض مبلغاً صغيراً، لكنه يعيده بعد سنوات، وهناك من يقترض ثقة إنسان، ثم يعجز عن ردها ما بقي من عمره… فالمال يمكن أن يعود، أما الأيام التي قضيتها تنتظر، والقلق الذي سكن قلبك، والإنسان الذي فقد براءته وهو يتعلم الشك… فهذه ديون لا يعرف المحاسبون كيف يقيدونها، ولا تستطيع المصارف أن تسددها.”**
وأطفأ المصباح...وبقيت بغداد، في الخارج، تمضي كعادتها؛ مدينةً مليئةً بالناس، وفقيرةً بالثقة.
مرَّ شريطُ الذكريات أمام عينيه في لمح البصر، كأنه ومضة خاطفة مزّقت سكون اللحظة. ضاق ذرعًا بالمقهى، وبالوجوه الجالسة فيه، وبالضجيج الذي صار يثقل روحه… نهض مسرعًا، وغادر المكان متجهًا إلى صومعته؛ إلى ذلك الركن الوحيد الذي ما زال يتيح له أن يختلي بنفسه وبأوجاعه.