موعدُ الأسبوع

رياض سعد

منذ أن أُحيل إلى التقاعد، اكتشف عبد الرزاق أن الإنسان قد يموت مرتين؛ مرة حين يتوقف قلبه، ومرة حين يتوقف الآخرون عن مناداته باسمه.

خمسة وثلاثون عاماً قضاها في إحدى دوائر الدولة. لم يكن مديراً عاماً، ولا وزيراً، ولا صاحب نفوذ، لكنه كان يدخل الدائرة كل صباح فيسمع عشرات الأصوات.

“صباح الخير أستاذ عبد الرزاق.”

“أستاذ… لو سمحت.”

“أستاذ، نحتاج توقيعك.”

كان يظن أن كل تلك الأصوات تعرفه.

لكن بعد قرار التقاعد، اكتشف أنها كانت تعرف كرسيه فقط.

في الأسبوع الأول، بقي يستيقظ عند السادسة صباحاً. يرتدي ملابسه الرسمية، يحلق ذقنه بعناية، ثم يتذكر فجأة أنه لم يعد موظفاً.

فيخلع ربطة العنق.

ويجلس.

ظل الهاتف صامتاً.

في اليوم الثاني اتصل بزميله القديم.

قال له الرجل بسرعة:

ـ والله مشتاقين… سامحني، عندي اجتماع، أحچي وياك بعدين.

ولم يتصل بعد ذلك أبداً.

بعد شهر، صار عبد الرزاق يعرف صوت عقارب الساعة أكثر مما يعرف أصوات البشر.

كانت زوجته منشغلة بأعمال البيت.

ابنه يعمل حتى المساء.

ابنته تزوجت منذ سنوات.

أما هو، فقد أصبح قطعة أثاث إضافية في المنزل.

يجلس في الغرفة نفسها.

النافذة نفسها.

الجدران الأربعة نفسها.

حتى الضوء الذي يدخل عصراً بدا كأنه يدخل من باب الشفقة.

قال في نفسه ذات يوم:

“الغرفة ليست صغيرة… أنا الذي كبرت داخلها.”

وفي أحد الأيام، خرج بلا هدف.

كان يريد فقط أن يمشي حتى يتعب.

قادته قدماه إلى مقهى شعبي قديم في الكرادة.

جلس في زاوية بعيدة.

طلب استكان شاي.

ثم بدأ يراقب الناس.

هناك تعرّف على ثلاثة رجال، دون أن يسأل أحدهم الآخر عن لقبه أو عشيرته أو مذهبه.

كأن المقهى يمنح الداخلين إليه هوية جديدة: رجال هاربون من الوقت.

الأول كان متقاعداً مثله.

اسمه سلمان.

ضابط سابق في الجيش.

كلما ضحك وضع يده على صدره، وكأنه يخفي وساماً لم يعد يراه أحد.

الثاني، كاسب.

يدفع عربته في سوق جميلة.

اسمه كريم.

كان يقول دائماً:

“أنا أشتغل من الفجر إلى الليل… ومع هذا لا أعرف أين يذهب رزقي.”

أما الثالث، فكان موظفاً ما يزال في الخدمة.

اسمه حيدر.

كان أصغرهم سناً.

لكنه أكثرهم تعباً.

كل يوم يشكو من المدير.

ومن المعاملات.

ومن الكهرباء.

ومن زحام بغداد.

ومن راتب ينتهي قبل منتصف الشهر.

ومن مستقبل لا يجرؤ على التفكير فيه.

وهكذا، دون اتفاق، أصبح لكل واحد منهم موعد ثابت.

كل يوم خميس.

في الرابعة عصراً.

المقهى نفسه.

الطاولة نفسها.

واستكانات الشاي نفسها.

لم يكونوا يتحدثون عن السياسة كثيراً.

كانوا يتحدثون عن الحياة.

عن الأبناء الذين كبروا بسرعة.

عن الأسعار التي لا تكبر وحدها، بل تلتهم أعمار الناس.

عن بغداد التي أصبحت تحتاج إلى ساعتين لتقطع شارعاً واحداً.

عن المستشفيات.

عن الدواء.

عن الضجيج.

وعن الوحدة.

قال سلمان ذات مرة وهو ينظر إلى الشارع:

“تعرفون…

الوحدة ليست أن تعيش وحدك…

الوحدة أن يصبح وجودك وعدمك متساويين عند الآخرين.”

ساد الصمت.

قال كريم وهو يشعل سيجارة:

“أنا عندي أولاد وأحفاد…

لكن والله مرات أحچي حتى أسمع صوتي.”

ضحكوا جميعاً.

كانت ضحكة قصيرة.

تشبه اعترافاً جماعياً بالهزيمة.

أما عبد الرزاق، فلم يكن يتكلم كثيراً.

كان يصغي أكثر مما يتكلم.

ربما لأنه اكتشف أن الإنسان حين يتقدم في العمر، لا يحتاج إلى من ينصحه، بل إلى من يسمعه.

في أحد اللقاءات قال لهم:

“أتعرفون ما أكثر شيء يؤلمني بعد التقاعد؟”

قالوا:

“شنو؟”

قال:

“لم يعد أحد يقول لي: أستاذ.”

ثم ابتسم.

وأضاف:

“الاسم أيضاً يتقاعد.”

مرت الشهور.

صار الخميس عيدهم الصغير.

حتى إن النادل صار يجهز الشاي قبل وصولهم.

وكان إذا تأخر أحدهم دقائق، سأل عنه.

لأول مرة منذ سنوات، شعر عبد الرزاق أنه لم يعد وحيداً.

كان يظن أنه وجد أصدقاء.

وفي مساء خميس ممطر…

جاء سلمان.

ثم كريم.

ثم حيدر.

لكن الكرسي الرابع بقي فارغاً.

قال سلمان:

“يمكن الزحام.”

قال كريم:

“أكيد بالمستشفى يسوي فحوصات.”

قال حيدر وهو يخرج هاتفه:

“اتصل بيه.”

رن الهاتف.

مرة.

مرتين.

ثلاثاً.

ثم انقطع.

قالوا:

“يمكن البطارية.”

انتظروا ساعة كاملة.

شربوا الشاي.

برد الشاي.

ثم انصرفوا.

وفي الخميس التالي…

عادوا.

والكرسي الرابع ما زال فارغاً.

اتصلوا مرة أخرى.

لكن الهاتف هذه المرة كان مغلقاً.

قال كريم:

“وين بيته؟”

نظر الثلاثة إلى بعضهم.

لم يعرف أحد.

قال سلمان:

“بالكرادة لو بالعامرية؟”

قال حيدر:

“يمكن الدورة.”

هز كريم رأسه.

“والله ما أدري.”

تبادلوا النظرات.

أربع سنوات من اللقاءات.

مئات أكواب الشاي.

آلاف الكلمات.

لكن أحداً منهم لم يكن يعرف عنوان بيت الآخر.

ولا حتى اسم شارعه.

بعد أسبوعين، عرفوا بالصدفة.

قال لهم النادل وهو يمسح الطاولة:

“الله يرحمه.”

سألوه معاً:

“منو؟”

قال:

“أبو علي…

اللي يقعد يمكم.

سمعت أمس واحد من جماعته يكول توفى قبل أسبوعين.

جلطة.”

ساد صمت طويل.

نظروا إلى الكرسي الفارغ.

كان كما هو.

لم يتغير شيء.

إلا صاحبه.

خرجوا من المقهى دون أن يتفقوا على موعد جديد.

وفي الطريق، أدرك سلمان حقيقة كانت أقسى من الموت نفسه.

لسنوات، كانوا يظنون أنهم أصدقاء.

لكنهم لم يكونوا يعرفون سوى أسماء بعضهم الأولى، وأوقات حضورهم، ونوع الشاي الذي يشربونه.

أما بيوتهم…

وأحزانهم…

وأعياد ميلادهم…

وأمراضهم…

فظلت مجهولة.

هكذا هي كثير من علاقات العمل، والجيش، والمقاهي، والشوارع.

نلتقي لنهزم الوقت…

لا لنهزم وحدتنا.

وحين يرحل أحدنا، لا يبقى منه إلا كرسي فارغ، واستكان شاي بارد، وهاتف صامت لا يجيب.

ربما لهذا السبب لا يخيف الإنسان الموت بقدر ما يخيفه أن يختفي، ثم يكتشف أن العالم احتاج إلى أسبوعين فقط ليلاحظ غيابه.