حكايات من الطور الأسفل … حين تتحول القصة إلى مرآة للروح العراقية

قراءة نقدية في المجموعة القصصية الثانية للكاتب رياض سعد

حسن هادي

ليس من السهل على أي كاتب أن يصدر مجموعة قصصية ثانية تتجاوز الأولى، لأن العمل الثاني يكون محكوماً دائماً بالمقارنة… ؛  غير أن رياض سعد، في مجموعته «حكايات من الطور الأسفل»، لا يكرر تجربته السابقة، بل يوسع أفقها، ويهبط بها درجة أخرى نحو الأعماق؛ أعماق الإنسان العراقي الذي عاش الحروب، والاستبداد، والفقر، والخرافة، والخوف، والحنين، والإيمان، والخيبة، في آنٍ واحد.

فإذا كانت مجموعته الأولى «نسخ غير منقحة من الحياة» قد انشغلت بمسودات الإنسان اليومية، فإن «حكايات من الطور الأسفل» تبدو مشروعاً أدبياً أكثر نضجاً وطموحاً، لأنها تحاول أن تكتب السيرة النفسية والاجتماعية للعراق من خلال عشرات الشخصيات التي تعيش في الظل، بعيداً عن الأبطال التقليديين وعن الشعارات السياسية الجاهزة.

منذ المقدمة يعلن الكاتب أن “الطور الأسفل” ليس مكاناً جغرافياً، بل استعارة للعالم السفلي الذي يقطنه المهمشون والمنسيون والمكسورون… ؛  وهذه الفكرة لا تبقى شعاراً نظرياً، بل تتحول إلى بنية تحكم جميع القصص؛ فالقارئ لا يجد بطلاً خارقاً، بل أناساً عاديين يحملون جراحاً استثنائية، ويعيشون تحت ضغط التاريخ أكثر مما يصنعونه.

أبرز ما يلفت الانتباه في هذه المجموعة هو أن الكاتب لا يكتب عن الحرب بوصفها معركة، وإنما يكتب عن آثارها الباقية في النفس… ؛  ففي قصة «الناجون الذين لم ينجوا» تتحول النجاة نفسها إلى سؤال فلسفي؛ إذ ينجو الجسد، بينما تتآكل الروح شيئاً فشيئاً تحت وطأة الخوف والاستبداد، لتنتهي القصة بواحدة من أكثر النهايات إيلاماً: أن النجاة الحقيقية ليست نجاة الجسد، بل نجاة القلب.

ولا يكتفي الكاتب بتسجيل الوقائع، بل يحولها إلى أسئلة وجودية؛ فشخصياته لا تبحث فقط عن الخبز أو الأمان، وإنما تبحث عن معنى الحياة بعد أن تحطمها الحروب.. وهنا تتجاوز القصة حدود الواقعية التقليدية لتلامس الأدب الفلسفي، دون أن تفقد بساطتها أو قربها من القارئ.

وفي قصة «الجار الكلب والكلب الجار» يبلغ البناء الدرامي درجة عالية من الإتقان؛ إذ يبدأ السرد باختفاء طفل، ثم تتصاعد الأحداث بهدوء حتى تأتي لحظة الاكتشاف التي يقود إليها كلب عجوز، بينما يعجز البشر عن أداء دورهم الأخلاقي… ؛ إنها قصة تُدين انهيار الضمير الإنساني أكثر مما تتحدث عن جريمة قتل، ولذلك تبقى عبارتها الأخيرة عالقة في الذاكرة لأنها تختصر سنوات من الحروب والانقسامات الأخلاقية.

أما قصة «البيت بعد كاظم» فهي من أجمل النصوص الإنسانية في المجموعة، إذ ينجح الكاتب في تصوير الغياب بوصفه شخصية قائمة بذاتها.. فلا يصف الموت، بل يصف الفراغ الذي يتركه الموت في تفاصيل البيت، وفي ذاكرة الزوجة والأطفال، وفي الأشياء الصغيرة التي كانت تبدو عادية قبل الفقد.. إنها قصة تؤكد قدرة الكاتب على الإمساك باللحظات الصامتة التي يعجز عنها كثير من الساردين.

ومن أكثر النصوص إثارة للتأمل قصة «أطياف في مرقد الإمام الكاظم»، حيث يناقش الكاتب العلاقة المعقدة بين التدين والوعي، وبين الروح والعقل، دون أن يسقط في خطاب وعظي أو هجومي… ؛  فهو يميز بوضوح بين الإيمان بوصفه قيمة إنسانية، وبين الانسحاب من الحياة باسم التدين، ليطرح سؤالاً بالغ الأهمية: هل يكفي الإيمان وحده لبناء مجتمع، أم أن الإيمان يحتاج إلى العلم والعمل والوعي حتى يتحول إلى قوة حضارية؟

وهذا السؤال يمنح النص بعداً فكرياً يتجاوز حدود الحكاية نفسها.

أسلوب الكاتب والقاص رياض سعد في هذه المجموعة يمتاز بعدة خصائص لافتة :

أولها، اللغة الشعرية المنضبطة؛ فهو يستخدم الصورة الأدبية بكثافة، لكنها لا تتحول إلى زينة لفظية، بل تؤدي وظيفة نفسية داخل النص.

وثانيها، العناية الفائقة بالشخصيات؛ فحتى الشخصيات الثانوية تمتلك ملامح نفسية واضحة، بحيث يشعر القارئ أنها خرجت من الحياة مباشرة، لا من خيال الكاتب وحده.

وثالثها، البعد السوسيولوجي؛ فالقصص لا تكتفي بالحكاية، وإنما ترصد تحولات المجتمع العراقي خلال عقود من الحروب والاستبداد والطائفية والانهيار الاقتصادي، دون أن تتحول إلى منشورات سياسية.

ورابعها، الجرأة الفكرية؛ فالكاتب يقترب من موضوعات شديدة الحساسية، مثل التعذيب، والخوف، والتدين، والأسطورة، والميتافيزيقا، والهوية، والذاكرة، لكنه يتعامل معها بوصفها أسئلة إنسانية قبل أن تكون مواقف أيديولوجية.

كما أن المجموعة تكشف عن تطور واضح في البناء السردي مقارنة بالتجربة الأولى. فالإيقاع أصبح أكثر هدوءاً وثقة، والحوارات أكثر طبيعية، والنهايات أكثر انفتاحاً، والرمزية أكثر نضجاً… ؛  لقد بات الكاتب أكثر قدرة على ترك مساحة للقارئ كي يشارك في إنتاج المعنى، بدلاً من فرضه عليه.

ومع ذلك، فإن الإنصاف النقدي يقتضي الإشارة إلى أن بعض القصص تميل أحياناً إلى الإطالة في التأملات الفلسفية، حتى تكاد تطغى على الحدث القصصي، كما أن بعض المقاطع الحوارية تحمل شحنة فكرية أكبر مما تحتمله الشخصيات في سياقها الواقعي… ؛  إلا أن هذه الملاحظات لا تنتقص من القيمة الفنية للمجموعة، بل تكشف عن طموح كاتب يريد أن يجعل القصة القصيرة فضاءً للتفكير، لا مجرد وعاء للحكاية.

في المحصلة، فإن «حكايات من الطور الأسفل» ليست مجرد مجموعة قصصية جديدة، بل مشروع أدبي يسعى إلى إعادة كتابة الذاكرة العراقية من الأسفل؛ من الأزقة، والمقاهي، والمعسكرات، والمقابر، وبيوت الفقراء، ومن داخل النفوس التي أنهكتها الحروب ولم تفقد قدرتها على الحلم.

إنها مجموعة تؤكد أن رياض سعد لا يكتب عن العراق من خارجه، بل يكتب من داخله؛ من قلب التجربة، ومن ذاكرة ما تزال تنزف، ولذلك تبدو قصصه أقرب إلى شهادات إنسانية عميقة منها إلى أعمال تخييلية بحتة.

ولهذا يمكن القول إن «حكايات من الطور الأسفل» تمثل خطوة متقدمة في مشروع رياض سعد السردي، وتضعه بين الأصوات العراقية التي تحاول أن تجعل من القصة القصيرة وثيقةً جماليةً للإنسان العراقي، لا وثيقةً تاريخية للأحداث فقط… ؛ وهي مجموعة تستحق القراءة، لأنها لا تمنح القارئ أجوبة جاهزة، بل تتركه محاطاً بأسئلة كبرى عن الإنسان، والوطن، والذاكرة، والنجاة، وهي الأسئلة التي يبقى الأدب الحقيقي قادراً على إحيائها جيلاً بعد جيل.