حسن درباش العامري
مثلت حكومة الاستاذ علي الزيدي انعطافة حقيقيه في واقع البلد بعد ان عاث به اغلب واقول اغلب المكلفين بخدمة عامه من موظفين حكوميين وتبعهم بعض ممن ارتبط عمله بدوائر حكومية ، يومياً نسمع عن إلقاء القبض على أحد الفاسدين وهو ينام على سرير من مليارات الدنانير، أو عن مليارات أخرى تخبئها جدران منزله، وعن سبائك ذهبية لا يعلم أحد كيف وصلت إليه . فتثور في النفس أسئلة كثيرة عن حجم الفساد الذي ينخر جسد الدولة، وعن قدرة الحكومة على اجتثاثه من جذوره.
لكن ثمة فساداً آخر لا يقل خطورة، لأنه الأقرب إلى حياة المواطن اليومية، ذلك الفساد الذي أصبح جزءاً من تفاصيل معيشته. ففي منطقتنا يرفض وكيل المواد الغذائية تسليم الحصة التموينية للعوائل إلا بعد استيفاء ألفي دينار عن كل فرد، متجاوزاً ما هو مقرر قانوناً، ويقول بكل ثقة: “باب وزارة التجارة مفتوح، ومن لديه اعتراض فليذهب إليها! وهو يعلم ان العجائز والمتقاعدين والعوائل الفقيرة لاتقوى على الذهاب لتقديم الشكاوى “. والأشد مرارة أن هذا الوكيل حين يريد إعادة ما تبقى من مبالغ زهيدة للمواطنين، فإنه يعوضها بعلبة معجون الطماطة!!! أو ما شابه، وكأن المواطن فقد حقه في ماله وأصبح مطالباً بقبول ما يُفرض عليه.
وهذا المشهد يعيد إلى الأذهان ما يفعله بعض أصحاب المولدات الأهلية الذين يتحدون قرارات محافظة بغداد المتعلقة بتسعيرة الأمبير، غير آبهين بما يصدر عن الجهات الرسمية من قرارات. وكأن كل من يقدم خدمة مرتبطة بوزارة أو مؤسسة حكومية قد أصبح يتحدث بلغة التحدي والتمرد على القانون.
إن القضية هنا لا تتعلق بألف دينار أو ألفين، ولا بتسعيرة أمبير أو كيلوغرام من المواد التموينية، بل تتعلق بهيبة الدولة واحترام القانون وهذا الفساد لايقل تأثيرا عن فساد المسؤول وربما هو مرتبط به . فالدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على إلقاء القبض على كبار الفاسدين، بل بقدرتها أيضاً على حماية حقوق المواطن البسيط ومنع التجاوز عليه في أبسط تفاصيل حياته. فإذا عجزت الحكومة عن فرض قراراتها على وكيل مواد غذائية أو صاحب مولدة أهلية هذا يعني انها تعجز عن حماية المواطن من الاستغلال ، فكيف ستفرضها على أصحاب النفوذ والمال والسلاح؟
إن هيبة الحكومة ليست خطابات تُلقى ولا مؤتمرات صحفية تُعقد، وإنما هي مجموعة من القوانين والقرارات التي تُحترم وتُنفذ على الجميع دون استثناء. وعندما يشعر المواطن بأن بإمكان أي شخص أن يضرب تلك القرارات عرض الحائط من دون محاسبة، فإنه يفقد ثقته ليس بذلك الشخص فحسب، بل بمؤسسات الدولة كلها.
إن إعادة بناء الثقة بين المواطن وحكومته تبدأ من التفاصيل الصغيرة قبل الملفات الكبرى. فمعاقبة من يستغل حاجة الناس ويتجاوز القانون، مهما كان موقعه، هي الرسالة الأبلغ التي تؤكد أن الدولة حاضرة وأن القانون فوق الجميع. أما التغاضي عن هذه الممارسات فإنه لا يعني سوى ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب، وهي الثقافة التي سمحت للفساد بأن يتغلغل في جميع مفاصل حياتنا.
فمن لا يحترم القانون في الألف دينار، لن يحترمه في المليار دينار، ومن يتمرد على قرار حكومي صغير، لن يتردد في التمرد على أكبر القرارات متى ما أُتيحت له الفرصة. ولذلك فإن معركة الدولة مع الفساد لا تبدأ من أبواب القصور وحدها، بل تبدأ أيضاً من أبواب الوكالات التموينية والمولدات الأهلية، ومن كل مكان يُمتهن فيه حق المواطن وتُهان فيه هيبة القانون.وسيكون لنا تحقيق مفصل مع احد مسؤولي وزارة التجاره واحد اعضاء محافظة بغداد..قريبا
الكاتب والناقد السياسي
حسن درباش العامري
صوره منه الى محافظة بغداد
السيد وزير التجاره
السيد مدير عام دائرة التخطيط والمتابعة في وزارة التجارة