خالد الغريباوي
باحث واكاديمي
مع تصاعد التوتر بين طهران وواشنطن يعود العراق إلى واجهة المشهد بوصفه الدولة الأكثر ارتباطاً بتداعيات هذا الصراع والأكثر قدرة نظرياً على التواصل مع طرفيه، فالعراق ليس دولة عابرة في الجغرافيا السياسية للمنطقة بل يقع في قلب معادلاتها، ويرتبط بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وبعلاقات تاريخية وعميقة مع إيران، ما يمنحه موقعاً استثنائياً لا يمكن تجاهله في أي مقاربة تتعلق بأمن المنطقة واستقرارها.
لكن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل يمتلك العراق أدوات الوساطة الحقيقية، أم أنه لا يزال بحاجة إلى استعادة جزء من ثقله الإقليمي حتى يتمكن من الانتقال من موقع المتأثر بالأزمات إلى موقع المؤثر في مساراتها؟
فالوساطة الناجحة ليست مجرد نقل رسائل بين العواصم، ولا تقتصر على عقد اللقاءات والزيارات وإنما تحتاج إلى دولة تحظى بثقة الأطراف، وتمتلك استقلالية القرار ولديها من النفوذ السياسي والدبلوماسي ما يجعل صوتها مسموعاً لدى مراكز القرار الحقيقية.
ولعل التجربة العُمانية والدور الذي لعبته باكستان في مراحل مختلفة من الحرب بين طهران وواشنطن، يقدم لنا مقاربة مهمة في فهم طبيعة الوساطة الناجحة.د، فقد استطاعت عُمان أن تحافظ على موقعها كقناة اتصال موثوقة بين الطرفين، كما تمكنت باكستان بحكم علاقاتها الإقليمية وموقعها السياسي، من أداء أدوار دبلوماسية مهمة في التواصل وفتح قنوات الحوار. ولم يكن نجاح هذه الأدوار قائماً على امتلاك القوة وحدها، وإنما على القدرة على بناء الثقة، والحفاظ على مساحة من التوازن والتواصل مع مختلف الأطراف بعيداً عن الاستقطاب المباشر.
أما العراق، فعلى الرغم من أنه لا يزال يمتلك عناصر قوة كبيرة تتمثل بموقعه الجغرافي الاستراتيجي، وثقله السياسي والسكاني، وموارده، وعلاقاته المتشابكة مع مختلف القوى فإنه لم يستعد بعد كامل دوره الإقليمي، ولا يزال بحاجة إلى تعزيز أدوات تأثيره حتى يصبح قادراً على أداء دور الوسيط الفاعل لا مجرد ناقل للرسائل.
ومع ذلك فإن العراق يمتلك ميزة استثنائية قد لا تتوافر لغيره ،فهو الأقرب جغرافياً إلى إيران، والأكثر معرفة بتعقيدات المنطقة ويمتلك علاقات عميقة ومتشعبة مع طهران وفي الوقت ذاته تربطه علاقات استراتيجية مع واشنطن، وهذه المعادلة إذا ما أُديرت بذكاء واستقلالية، يمكن أن تتحول من مصدر ضغط على العراق إلى مصدر قوة يمنحه مساحة واسعة للتحرك السياسي والدبلوماسي.
لكن نجاح أي وساطة عراقية يتطلب فهماً دقيقاً لطبيعة القرار الإيراني، فإيران لا تنظر إلى صراعها مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل باعتباره مجرد خلاف دبلوماسي يمكن احتواؤه بوساطة تقليدية، بل تنظر إليه في حسابات مراكز قوى مؤثرة داخل الدولة الإيرانية، باعتباره صراعاً استراتيجياً يرتبط بأمنها القومي ومكانتها الإقليمية ومستقبل مشروعها السياسي، ولذلك فإن أي مبادرة عراقية جادة لا بد أن تتعامل مع هذه الحقيقة وأن تدرك أن الوصول إلى خفض التصعيد أو فتح مسار تفاوضي يحتاج إلى أكثر من التواصل مع المؤسسات الرسمية، بل يتطلب قدرة على الوصول إلى مراكز القرار المؤثرة وصناعة الثقة معها.
ومن هنا، فإن زيارة رئيس الوزراء العراقي السيد علي الزيدي القادمة إلى طهران يمكن أن تكون خطوة سياسية مهمة، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة وساطة ناجحة، فالوساطة تحتاج إلى مشروع سياسي متكامل وإلى رؤية عراقية واضحة، وإلى قنوات اتصال مستمرة، وإلى قدرة على إقناع الطرفين بأن العراق يتحرك من موقع المصلحة الوطنية والاستقرار الإقليمي، وليس بوصفه طرفاً في صراع المحاور.
العراق اليوم يستطيع أن يكون قناة للحوار، وميسراً للاتصال وصاحب مبادرة سياسية، وربما وسيطاً مؤثراً إذا أحسن استثمار موقعه وعلاقاته، لكنه يحتاج في المقابل إلى أن يثبت أن قراره الوطني مستقل وأنه قادر على إدارة علاقاته مع طهران وواشنطن من موقع الدولة التي تبحث عن مصالحها أولاً، لا من موقع الدولة التي تتحرك تحت تأثير الآخرين.
إن العراق لا ينبغي أن يكون مجرد ساحة للصراع بين طهران وواشنطن، ولا مجرد صندوق بريد لنقل الرسائل بينهما فالعراق بما يمتلكه من مقومات جيوسياسية وسياسية واقتصادية يستطيع أن يكون جسراً للحوار وصناعة التوازن، إذا نجح في إعادة بناء ثقته بنفسه وبقراره وبمؤسساته.
وربما تكون هذه اللحظة فرصة حقيقية أمام بغداد لإعادة تعريف دورها الإقليمي. فالعراق، رغم التحديات التي أضعفت حضوره في السنوات الماضية، لا يزال قوياً بموقعه، وبأهميته، وبقدرته على التأثير في معادلات المنطقة، لكنه يحتاج إلى تحويل هذه القوة الكامنة إلى نفوذ سياسي فعلي.
فالسؤال لم يعد فقط: هل يستطيع العراق أن يتوسط بين طهران وواشنطن؟
بل السؤال الأعمق هو: هل يستطيع العراق أن يستعيد مكانته بحيث يصبح طرفاً لا يمكن تجاوز دوره عندما تبحث المنطقة عن مخرج من أزماتها؟
فالوساطة الناجحة تبدأ من قوة الدولة، والعراق لا يزال يمتلك من عناصر القوة ما يؤهله لاستعادة دوره، إذا أحسن توظيف موقعه وعلاقاته، وبنى سياسة خارجية أكثر استقلالاً وتوازناً، وانتقل من دولة تتأثر بصراعات المنطقة إلى دولة تشارك في صناعة توازناتها.
فالعراق يستطيع أن يكون جسراً بين طهران وواشنطن، لكن عليه أولاً أن يمتلك القوة السياسية التي تجعل الطرفين بحاجة إلى هذا الجسر.