سبتمبر 7, 2026
LOGO

منظمة عراقيون ضد الفساد

بغداد / المنطقة الخضراء / المكاتب العامة لأمانة رئاسة الوزراء …

في بيان للحكومة العراقية السابقة، قرر مجلس وزراءها في جلسة، الثلاثاء 26 آذار 2024 ، رفع سعر البنزين المحسن بنسبة (95 أوكتان) من 650 دينار إلى 850 ديناراً للتر الواحد بما يعادل، 65 سنتاً أميركياً، كذلك البنزين الممتاز (98 أوكتان) من 1000 دينار إلى 1250 ديناراً، حوالي 95 سنتاً أميركياً، ابتداءً من مطلع شهر أيار المقبل وبينما لم يشهد البنزين العادي (قليل الاوكتان) أي زيادة ليبقى عند 450 دينار قرابة، نحو 34 سنتآ أميركياً ؟

منذ أيام، عادت طوابير السيارات الطويلة أمام محطات الوقود في بغداد وعدد من المحافظات، في مشهد بات مألوفاً لدى العراقيين كلما ظهرت أزمة في البنزين أو الغاز أو النفط الأبيض. وبينما تكتفي البيانات الرسمية بتبريرات عامة عن “سوء الأحوال اللوجستية” أو “زيادة الطلب”، تكشف ” للمنظمة ” شهادات ميدانية واتصالات مباشرة مع مواطنين ومسؤولين عن صورة مختلفة تماماً: أزمة البنزين ليست مجرد خلل عابر، بل نتيجة منظومة فساد متراكمة، وشبكات منظمة تتاجر بالمشتقات النفطية وتحوّل الشحّ إلى فرصة ربح خلال ساعات.

هذا التحقيق الصحفي الاستقصائي يستند إلى موجز أولي تم جمعه عبر اتصالات شخصية قام به ” رئيس ومؤسس المنظمة ” مع أقرباء وأصدقاء وشهود عيان، إضافة إلى تسريبات من داخل وزارة النفط، ليقدّم قراءة موسّعة ومفصّلة لكل نقطة من نقاط الأزمة على أرض الواقع.

أولاً: قطاع نفطي بلا استراتيجية منذ 2003

منذ عام 2003 وحتى اليوم، لم تعتمد وزارة النفط استراتيجية واضحة وطويلة الأمد لتطوير القطاع النفطي، سواء على مستوى المصافي أو البنى التحتية أو إدارة المشتقات النفطية.

  • غياب الخطط الخمسية والسنوية: رغم أن العراق من الدول النفطية الكبرى، لم تُطرح أو تُنفّذ خطط خماسية أو سنوية جادة لتحديث المصافي أو بناء مصافٍ جديدة عالية الكفاءة. ما جرى في الغالب هو مشاريع متفرقة، بعضها لم يكتمل، وبعضها افتتح ثم توقّف بعد أسابيع بسبب مشاكل فنية وتقنية.
  • مصافٍ قديمة ومصافٍ جديدة غير كفوءة: المصافي القديمة تعمل بتكنولوجيا متقادمة، لا تسمح بإنتاج كميات كافية من البنزين عالي الجودة. أما المصافي الجديدة، فبحسب شهادات من داخل القطاع، لم تُبنَ وفق معايير صارمة، وظهرت فيها أعطال مبكرة، وصلت في بعض الحالات إلى توقف شبه كامل للإنتاج بعد فترة قصيرة من افتتاحها.
  • النتيجة العملية: العراق، رغم ثروته النفطية، يعتمد بشكل كبير على استيراد البنزين والمشتقات، ما يجعل أي اضطراب في الاستيراد أو النقل يتحول إلى أزمة داخلية. هذا الفراغ في التخطيط يفتح الباب أمام شبكات الفساد لاستغلال كل ثغرة.

ثانياً: من سوء الإدارة إلى هندسة الشحّ

في كل أزمة بنزين، تُعلن وزارة النفط عن “شح مؤقت” وتدعو المواطنين إلى عدم الهلع. لكن ما يجري على الأرض، وفق الاتصالات والشهادات التي جُمعتها المنظمة ، يكشف أن الشحّ لا يكون دائماً نتيجة ظرف طارئ، بل يُدار أحياناً بطريقة تجعل الأزمة تتفاقم وتُستثمر ومن خلال العوامل التي تساعد على تفاقم الأزمة :

  • تقليل التجهيز للمحطات قبل الإعلان الرسمي: أصحاب محطات وقود أهلية وحكومية يلاحظون انخفاضاً في كميات البنزين المجهّزة لهم قبل أيام أو ساعات من ظهور الأزمة للعلن. هذا التخفيض في التجهيز يخلق حالة من التوتر والطلب المتزايد، ويُمهّد لظهور السوق السوداء.
  • غياب الشفافية في توزيع الحصص: لا توجد آلية شفافة ومعلنة لتوزيع حصص البنزين على المحطات، ما يسمح بالتلاعب في الكميات المرسلة، وتفضيل جهات على أخرى، وخلق مناطق “أشد شحّة” من غيرها، تُستغل لاحقاً في رفع الأسعار في السوق السوداء.
  • تسارع ظهور السوق السوداء: في دول أخرى، تحتاج الأزمات إلى أيام أو أسابيع حتى تتشكل سوق سوداء منظمة. في العراق، وفق الشهادات، تظهر السوق السوداء خلال ساعات من بداية الأزمة، ما يدل على وجود شبكات جاهزة تتحرك فوراً، وليست مجرد رد فعل عفوي من مواطنين.

ثالثاً: كارتيل مافيا الفصائل الولائية والمشتقات النفطية… شبكة منظمة تتجاوز الحدود

أخطر ما تكشفه الاتصالات والتسريبات هو وجود ما يمكن وصفه بـ“كارتيل المشتقات النفطية”، وهي شبكات منظمة تتاجر بالبنزين والمشتقات الأخرى، وترتبط مباشرة بفصائل ولائية عقائدية عابرة للحدود، إضافة إلى قيادات في الحشد الشعبي وألوية وفصائل تابعة له.

  • تفضيل تزويد مقرات الفصائل بالشاحنات: وفق ما تم تسريبه من داخل وزارة النفط، يتم تفضيل تزويد مقرات بعض الفصائل الولائية بالشاحنات المحمّلة بالبنزين والمشتقات، عبر شركة توزيع المنتجات النفطية. هذه الشاحنات تصل إلى مقرات تلك الفصائل بكميات كبيرة ومنتظمة.
  • محطات وقود “باطنية” تابعة للفصائل: من هذه المقرات، يتم توزيع البنزين إلى محطات وقود غير معلنة رسمياً، أو إلى نقاط بيع تابعة لتلك الفصائل، تعمل في الظل، وتبيع البنزين بأسعار مضاعفة عن السعر الرسمي. الفارق في السعر يذهب لصالح تلك الفصائل وشبكاتها المالية.
  • سرقة البنزين من الخزانات المركزية: في بعض الحالات، لا يقتصر الأمر على الحصص الرسمية، بل يتم سحب كميات إضافية من الخزانات المركزية التابعة لشركة توزيع المنتجات النفطية، وتحويلها إلى خزانات خاصة، ثم بيعها في السوق السوداء.

رابعاً: وحدات في الدفاع والداخلية… من مستهلك إلى متاجر

الاتصالات التي أجريتها مع أقرباء وأصدقاء يعملون أو يتعاملون مع مؤسسات أمنية وعسكرية كشفت جانباً آخر من الأزمة: وحدات في وزارتي الدفاع والداخلية، إضافة إلى أفواج وألوية منتشرة في بغداد والمحافظات، تحصل شهرياً على المشتقات النفطية مجاناً، لكنها لا تستخدمها كلها في العمل العسكري أو الأمني، بل تُسرق كميات منها وتُباع في السوق السوداء.

  • تجهيز مجاني للمشتقات النفطية: تُصرف لجميع هذه الوحدات شهرياً كميات كبيرة من البنزين والغاز والنفط الأبيض، دون مقابل مالي، باعتبارها مخصصة للعجلات العسكرية والآليات المستخدمة في المهام الأمنية.
  • دور “الصنف الآلي” في السرقة: وفق شهادات من داخل هذه الوحدات، يقوم ضباط في الصنف الآلي (الجهة المسؤولة عن الآليات والوقود) بسرقة جزء كبير من هذه الكميات، عبر التلاعب بسجلات التعبئة، أو سحب الوقود من الخزانات المركزية، ثم بيعه مباشرة أو عبر وسطاء.
  • شهادة واقعية من مواطن: أحد أقربائي ذكر لي شخصيا أنه ملأ خزان سيارته بالكامل ببنزين سوبر من سيارة عسكرية لأحد الضباط ( نتحفظ بشدة على ذكر أسمه الصريح ورتبته العسكرية وفوجه الأمني الذي يرأسه ) وهو جار له. الضابط قال له حرفياً:“لا تهتم، عندما تفرغ سيارتك أو سيارة ابنك أو زوجتك، أعيد ملئها لك، ولا تتعب نفسك وتذهب إلى محطة وقود وتنتظر في الدور.” هذه الواقعة ليست حالة فردية، بل نموذج يتكرر في أحياء مختلفة، حيث تتحول سيارات عسكرية إلى “محطات متنقلة” تزود الجيران بالبنزين خارج النظام الرسمي.

خامساً: مؤسسات حكومية تتاجر بخزاناتها

لم تعد تجارة البنزين حكراً على الفصائل أو الوحدات العسكرية، بل امتدت إلى مؤسسات حكومية مدنية تمتلك خزانات للمشتقات النفطية لاستخدامها في العمل اليومي (تشغيل السيارات، المولدات، الآليات).

  • استغلال الخزانات في أوقات الشحّ: عندما تظهر أزمة بنزين، يقوم بعض الموظفين أو المسؤولين في هذه المؤسسات ببيع جزء من البنزين المخزّن للمواطنين أو للسماسرة، مستغلين حالة الطلب المرتفع وعدم توفر الوقود في المحطات.
  • تحويل الوقود من خدمة عامة إلى مصدر ربح: البنزين الذي يُفترض أن يُستخدم لخدمة المواطنين عبر سيارات الدولة أو المولدات، يتحول إلى سلعة تُباع في السوق السوداء، ما يضاعف معاناة الناس، ويعمّق الفجوة بين ما يُعلن رسمياً وما يجري فعلياً.

سادساً: لماذا تتشكل المافيا خلال ساعات لا أسابيع؟ هذا السؤال الجوهري الذي تطرحه الاتصالات والشهادات هو: لماذا تظهر السوق السوداء وشبكات المافيا خلال ساعات من بداية الأزمة، وليس بعد فترة طويلة كما يحدث في دول أخرى؟

  • شبكات جاهزة ومتمرّسة: خلال العقدين الماضيين، تمرّست هذه الشبكات في استغلال الأزمات الاقتصادية، وتطويعها لخدمتها. لديها خزانات خاصة، وشاحنات نقل، ومحطات غير رسمية، وعلاقات داخل وزارة النفط ومؤسسات الدولة، ما يجعلها قادرة على التحرك فوراً.
  • تنسيق بين أطراف متعددة: ما يجري ليس عملاً فردياً أو عشوائياً، بل منظومة تنسيق بين فصائل مسلحة، قيادات في الحشد، وحدات عسكرية وأمنية، موظفين في وزارة النفط، ومسؤولين في مؤسسات حكومية. هذا التنسيق يسمح بتحويل أي شحة بسيطة إلى أزمة كبيرة تُستثمر مالياً.
  • تحويل الأزمة إلى “صناعة”: شحة البنزين أو الغاز أو النفط الأبيض لا تُعامل كخلل يجب حله، بل كفرصة يجب استغلالها. كل ساعة شحّ تعني أرباحاً إضافية لهذه الشبكات، وكل طابور سيارات أمام محطة وقود يعني زيادة في الطلب على السوق السوداء.

أزمة البنزين… مرآة لاقتصاد ظلّ متجذّر

استناداً إلى الاتصالات والشهادات والتسريبات التي جُمعت، يمكن القول إن أزمة البنزين الأخيرة ليست حدثاً معزولاً، بل حلقة في سلسلة طويلة من الأزمات المصنوعة أو المُدارة بطريقة تسمح لشبكات الفساد والمافيا بتحقيق أرباح ضخمة على حساب المواطن. لان منذ 2003 وحتى اليوم، لم تُبنَ استراتيجية حقيقية لتطوير القطاع النفطي، ولم تُفكَّك شبكات الفساد المالي والإداري في وزارة النفط ومؤسسات الدولة. ومع كل أزمة جديدة، تتأكد حقيقة أن البنزين في العراق ليس مجرد مشتق نفطي، بل جزء من اقتصاد ظلّ تشارك فيه جهات رسمية وغير رسمية، وتستفيد منه فصائل مسلحة ومؤسسات حكومية وقيادات عسكرية ومدنية.

ويبقى لنا دائمآ وأبدآ السؤال مفتوحاً: هل يمكن معالجة أزمة البنزين عبر زيادة الاستيراد أو تحسين المصافي فقط؟ أم أن الحل الحقيقي يبدأ من تفكيك هذه الشبكات، ومحاسبة المتورطين، وفرض شفافية كاملة على مسار المشتقات النفطية من الخزان إلى مضخة الوقود؟