فلاح المشعل
حين يتعمق الباحث في التاريخ الشيعي، ويتأمل الفقه بوصفه اجتهاداً معرفياً، ويقرأ البعد الثوري الذي حمله الفكر الشيعي في محطات تاريخية مفصلية، حيث كانت الثورات ضد الظلم والاستبداد جزءاً من هويته، فإنه يجد نفسه على مشارف الفكر الماركسي ونظرية تحرير الإنسان المظهد، ومناهضة الاستبداد والتمايز الطبقي.
ويحتفظ التاريخ الثقافي العراقي والعربي بصفحات مضيئة توثق هذا المسار الفكري لدى شخصيات انتقلت من الدراسة الدينية إلى الفكر الماركسي، ليس بدافع القطيعة مع المعرفة الدينية، وإنما بحثاً عن منهج جديد في قراءة المجتمع والتاريخ.
ويأتي المفكر اللبناني حسين مروة في مقدمة هذه النماذج، فقد انتقل من دراسة الفقه في النجف الأشرف إلى الفكر الماركسي، بعد أن وجد فيه منهجاً علمياً لتحليل التاريخ والاقتصاد والبنى الاجتماعية، وكشف آليات الهيمنة التي تمارسها الطبقات الدينية المتنفذة، وتحالفاتها مع السلطة، وما اصطلح على تسميته بـ”وعاظ السلاطين”.
كان يرى الدين يسمو بالإنسان أخلاقياً وروحياً، لكنه لا يكفي وحده لتغيير البنى الاجتماعية المنتجة للفقر والاضطهاد، وهو ما يتطلب مشروعاً فكرياً وسياسياً يحقق العدالة الاجتماعية والمساواة!
ومن هذا التحول ولد مشروعه الفكري الكبير، الذي تجسد في كتابه المرجعي «النزعات المادية في الفلسفة الإسلامية»، أحد أهم الأعمال العربية في قراءة التراث الإسلامي قراءةً مادية تاريخية.
أما النموذج الآخر الذي لا يقل بهاءً وسطوعاً ، المفكر العراقي الكبير هادي العلوي، الذي نشأ في بيئة دينية وصوفية، ثم اتجه إلى الفكر الماركسي، دون أن يتخلى عن نزوعه الروحي والزاهد.
جمع العلوي بين المادية الجدلية والتصوف، في تجربة فكرية نادرة، وقرأ التاريخ الإسلامي بوصفه تاريخاً للصراع السياسي والاجتماعي، لا مجرد سردٍ للأحداث، ومن هنا جاءت مؤلفاته المهمة، مثل «الاغتيال السياسي في الإسلام»، و**«فصول من تاريخ الإسلام السياسي»، و«شخصيات غير قلقة في الإسلام»**، لتؤسس رؤية نقدية مختلفة للتراث الإسلامي والسياسة.
إن استحضار هاتين التجربتين لا يعني بالضرورة التسليم بكل نتائجهما الفكرية، بقدر ما يسلط الضوء على قيمة العقل الحر، وقدرته على مراجعة المسلمات، والانفتاح على المناهج المختلفة، وإنتاج معرفة جديدة.
وهنا يأتي السؤال:
لماذا لم تعد الحواضن الدينية في النجف الأشرف، أو بغداد، أو غيرهما من المدن العراقية، تنتج شخصيات فكرية من طراز حسين مروة وهادي العلوي، تمتلك تكويناً دينياً رصيناً، وتنفتح في الوقت نفسه على الفلسفة والعلوم الإنسانية والمدارس الفكرية الحديثة؟
هل طغت الهويات الطائفية وصراعات المصالح والنفوذ على المشروع المعرفي والتنويري؟ أم أن انشغال المؤسسة الدينية بالسياسة أفقد الدرس الحوزوي شيئاً من استقلاله وثرائه، فتراجعت مجالس الفكر والأدب التي عُرفت بها النجف والكاظمية، وتحولت من فضاءات لإنتاج المعرفة إلى ساحات يغلب عليها الجدل السياسي اليومي؟
إن الأمم لا تتقدم بتكرار الأفكار، بل بإنتاج العقول القادرة على مساءلتها!