الدين والحدود

عز الدين البغدادي

من البديهي أن الدين لا يرتبط بمكان محدّد، لأنه يتعلق بقناعة الانسان، والقناعة لا علاقة لها بالحدود، طبعا بغض النظر عن مصدر القناعة.. لكن السياسة لها علاقة قوية بالمكان، ولا يمكن ان تتجاهلها أبدا، فكل دولة لها حدود، والحدود لها أهميتها ولا يمكن تجاهل ذلك، والدين بما فيه من عناصر عقلانية لا يتجاوز حكم الواقع.

وللتوضيح أضرب لك مثلا: ماذا يمثل لك سياج الدار الذي تسكنه؟ انه يمثل حدود مصالح كل طرف من الجيران، وهو يمثل حفاظا لخصوصية كل اسرة.

ماذا يمثل لك سياج البستان الذي تملكه؟ هل تقبل أن ترفع الحدود بين بستانك وبستان جارك تطبيقا لمبدأ “الدين يعارض الحدود”؟

هل يمكن ان أرفع السياج بين دارين لأنهما من نفس الدين؟!

 افترض أنك وجارك تشتركان في مقدار الدخل الشهري، لكنك أسرتك صغيرة بحيث يكون الداخل كافيا لتعيش في مستوى عال، بينما جارك كثير العيال، هل تقبل ان ترفع الجدار بينكما وتتوحدا في النفقة؟!

 أو عندما تكون نشيطا في العمل، وجارك فقير لأنه كسول لا يحب العمل… ؛  او  عندما تكون اسرة معتادة على نمط معين من العلاقات بين أفرادها (ملتزمة دينيا مثلا) ، بينما الاسرة التي تجاورها  تختلف في نمط من السلوك بين افرادها، هل سينجح مشروع رفع الحدود بينهما ؟

لكن نفس الوقت اعتقد ان الحدود ليست مقدسة، فهي توافق بشري واحترامها شرعا من باب احترام التوافق والعقود، وبالتالي يمكن رفعها بشروط معينة من التوافق او من حيث المصلحة. حتى وفق من يتبنى رؤية وحدوية قومية كانت او دينية، لا بد من وجود توافق اجتماعي واقتصادي واداري لينجح الاتحاد، والامثلة كثيرة على النجاح والفشل.

كل من يتحدث عن عدم شرعية الحدود وتعارضها مع الدين، او يسخر من مفهوم الوطن، فهو يعيش مراهقة فكرية، ولا يدرك نتائج الأمور.