الكرة الثالثة .. عندما كنتُ فريسةً

رياض سعد

لم أعرف كيف عدتُ إلى الأرض… ؛ لا أذكرُ الرحلةَ الطويلة بين النجوم، ولا الأصواتَ التي كانت تهمسُ لي في ذلك الظلام السرمدي… ؛ كلُّ ما أذكره أنني فتحتُ عينيَّ على عالمٍ لم يكن يعرفُ الرحمة.

لم يكن هناك بيت… ؛ ولا كهفٌ آمن… ؛ ولا قبيلةٌ كبيرة تحرسُ أفرادها… ؛ كانت الأرضُ كلها غابةً مفتوحة، وكلُّ خطوةٍ فيها قد تكون الأخيرة.

كنتُ قد صرتُ أكثرَ انتصاباً من حياتي السابقة… ؛ ساقاي أطول، وذراعاي أقصر قليلاً، لكنني لم أكن ذلك الإنسان الذي تعرفونه اليوم… ؛ كنتُ مخلوقاً بين عالمين؛ غادرتُ الحيوان، ولم أصلْ بعدُ إلى الإنسان الكامل .

كان رأسي يمتلئُ بالأسئلة، بينما جسدي لا يعرف إلا الهرب.

في الصباح، أخرجُ مع جماعتي بحثاً عن الثمار والجذور… ؛ لكننا لم نكن نبحثُ عن الطعام وحده… ؛ كنا نبحثُ عن الحياة.

كلُّ شجرةٍ كانت تخفي عينين.

كلُّ صخرةٍ قد يكون خلفها فكٌّ ينتظر.

كلُّ جدول ماءٍ كان مرآةً للموت.

حين كنا ننحني لنشرب، لم تكن أعيننا تنظرُ إلى الماء… ؛ بل إلى انعكاس الغابة خلف ظهورنا.

كم من رفيقٍ رأيته يختفي فجأةً… ؛ لا صرخة، ولا وداع… ؛ فقط انفجارٌ من الماء، ثم دوائرُ صغيرة تعودُ إلى السكون، وكأن أحداً لم يكن هناك.

كانت التماسيحُ أكثرَ صبراً منا جميعاً.

كانت تعرفُ أن الجوعَ يجعلنا نقترب.

وكانت تعرفُ أن العطشَ ينتصرُ دائماً.

أما اليابسة، فلم تكن أقلَّ قسوة.

كانت الضباعُ العملاقة تتبعُ آثارنا منذ الصباح… ؛ لا تهاجمُ الأقوياء، بل تنتظرُ المتعبين.

كنتُ أسمعُ طحنَ عظامِ الغزلان بين فكوكها، فأشعرُ بعظامي ترتجفُ داخل جلدي.

ولم أكن أجرؤ على الالتفات.

لأن الالتفاتَ يعني التأخر.

والتأخرُ يعني الموت.

وفي المساء…

كانت الأسودُ ذاتُ الأنياب الطويلة تخرجُ من الظلال.

كنتُ أراها قبل أن تراني أحياناً.

رأسٌ منخفض.

جثة عريضة كبيرة

وذيلٌ يتحركُ ببطءٍ كأنه عقربُ ساعةٍ يعدُّ الثواني الأخيرة.

لم تكن تركضُ كثيراً.

لم تكن تحتاجُ إلى ذلك.

فهي تعرفُ أن الخوفَ وحده يجعلُ الفريسةَ ترتكبُ الخطأ.

حتى السماء…

حتى السماءُ لم تكن صديقةً لنا.

كانت الطيورُ الجارحةُ تحومُ فوق الأطفال.

وكانت الأمهاتُ يضممن أبناءهن إلى صدورهن كلما مرَّ ظلٌّ فوق الأرض.

كنتُ أرفعُ رأسي فأرى جناحين عظيمين يغطيان الشمس.

وحين يختفي الظل، أعدُّ الأطفال.

دائماً…

كان العددُ ينقص.

ولذلك…

لم نكن ننامُ نوماً حقيقياً.

كانت أنصافُ أدمغتنا فقط تنام.

أما النصفُ الآخر، فيظلُّ يصغي.

صوتُ ورقةٍ تسقط…

قد يعني اقترابَ مفترس.

حفيفُ عشبٍ يابس…

قد يكون أنفاسَ موتٍ يزحفُ نحونا.

حتى اليوم…

أظنُّ أن شيئاً من ذلك الخوفِ لا يزالُ يعيشُ في أعماقي.

كلما سمعتُ صوتاً مفاجئاً، يقفزُ قلبي قبل أن يفكرَ عقلي.

ربما…

لأن الجسدَ لا ينسى، حتى لو مُسحت الذاكرة.

لكننا بدأنا نتغير.

شيئاً فشيئاً.

لم تعد أيدينا تحملُ الطعام فقط.

بدأت تحملُ الحجارة.

ثم صرنا نختارُ حجارةً دون غيرها.

حجارةً حادة.

حجارةً تصلحُ للضرب.

ولأول مرة…

رأيتُ مفترساً يتراجعُ خطوةً إلى الوراء.

لم يكن يخافني.

بل كان يخافُ الحجر.

حينها…

شعرتُ بشيءٍ جديد يولدُ في داخلي.

ليس الشجاعة.

بل الفكرة.

لقد اكتشفتُ أن الذراعَ يمكن أن تصبح أطول إذا حملت عصاً.

وأن السنَّ يمكن أن يصبح أشدَّ إذا كان من حجر.

وأن الإنسان…

قد يعوّضُ ضعفَ جسده بعقله.

لكن الطبيعةَ لم تكن مستعدةً لتسلّم عرشها بسهولة.

في صباحٍ بارد…

خرجنا نتتبعُ قطيعاً من الظباء.

كانت الريحُ تحملُ إلينا رائحتها.

لكنها حملتْ رائحتنا أيضاً.

لم ننتبه.

كنا نظنُّ أننا نصطاد.

ولم نكن نعلمُ أننا نحنُ المطاردون.

خرجتِ اللبؤةُ الأولى من بين الأعشاب.

ثم الثانية.

ثم الثالثة.

ولم يبقَ بيننا وبينها سوى لحظات.

ركض الجميع.

أما أنا…

فتعثرتُ بجذرِ شجرة.

حاولتُ الوقوف.

لكن مخالبيها كانت أسرع.

غرستْ أنيابها في كتفي.

ثم في عنقي.

لم أشعر بالألم.

بل شعرتُ بدفءٍ غريبٍ يغادرُ جسدي.

كنتُ أراها تأكلُ لحمي…

بينما كنتُ أنا أرتفعُ ببطءٍ فوق الأشجار.

رأيتُ جسدي يتحولُ إلى وليمة.

ورأيتُ أشبالها تتنازعُ أضلعي الصغيرة.

ولأول مرة…

لم أغضب.

لقد أدركتُ الحقيقة.

طوال حياتي كنتُ أظنُّ أنني أعيشُ لأبحثَ عن الطعام.

لكنني اكتشفتُ متأخراً…

أنني كنتُ أيضاً طعاماً لغيري.

ثم ظهروا مرةً أخرى…

ملائكةُ النور.

لم يقولوا شيئاً.

حملوني بصمتٍ بين المجرات.

وكانت الأرضُ تصغرُ خلفنا، حتى غدت نقطةً زرقاءَ ضائعةً في بحرٍ لا نهاية له.

وقبل أن يمحوا ذاكرتي…

سمعتُ صوتاً لا أدري أكان صوتهم أم صوتي:

“ما دام الإنسانُ يخافُ أن يكون فريسةً، فسوف يظلُّ يبحثُ عن وسيلةٍ ليصبحَ سيداً.”

ثم انطفأتُ…

وبدأ انتظارُ الكرة الرابعة…