التمدن والشعبوية في مسيرة الاربعين

محمد القريشي

د. محمد القريشي

كتب الدكتور علي المدن، مقالة حاول فيها تفكيك ظاهرة زيارة الأربعين بإرجاع جذور منعها عام 1977 إلى دوافع “حضرية وحداثية” للدولة العراقية آنذاك، مستندا إلى وصف النظام السابق لهذه الممارسة بكونها “شعبوية وغير متمدنة”، وهو ما يثير نقاشا حول الممارسة نفسها وطبيعة إدارة الدولة للتنوعات الاجتماعية خلال العهدين الماضي والحالي.

والغريب في هذه المقالة، هو الارتكاز على قرار 1977 والتفسير السلبي للنظام السابق له (أسباب أمنية والممارسة شعبوية وغير متمدنة)، وعدم التوقف عند طبيعة النظام الشمولي، الذي يمثل أعلى مستويات الشعبوية والتوحش.
إن استخدام النظام لخطاب الحداثة لتبرير القمع لا يمنح النظام صفة الحداثة، لانها تقترن، في الأساس ، بسيادة القانون وحماية الحريات العامة، لا بالإكراه.
والذاكرة الجماعية التي مثلت جوهر هذه الممارسة، صُنعت عبر مسيرة زمنية طويلة لا تُقطع فجأة (او تُمحى) بقرار سياسي.

فالدولة ليست من مهامها إصدار أحكام أخلاقية على الجماعات استنادا إلى طقوسها، ولكن يقع في صلب عملها تأمين الظروف المناسبة لضمان حرية تعبير الجماعات عن خصوصياتها، ومن بينها “الطقوس”.
تُعد زيارة الأربعين ظاهرة دينية قبل أن تكون موضوعا للتقييم الأخلاقي أو الأيديولوجي، الأمر الذي يضع على عاتق الدولة مهمة إدارتها باعتبارها إحدى تجليات التنوع المجتمعي، لا باعتبارها انحرافا عن الحداثة ينبغي استئصاله.

ولنا في إسبانيا، خير مثال ، حين تسمح وترعى لعبة مصارعة الثيران
في بعض أقاليمها، رغم انتقادات التوحش وملاحظات تعذيب الحيوان التي تتلقاها من المنظمات الحقوقية . في وقت، اختارت أقاليم أخرى حظرها أو تقييدها، ضمن اتفاق مجتمعي تم التوصل اليه في احترام كامل لسياقات الحكم الرشيد. بهذه الطريقة المؤسساتية تعاملت إسبانيا مع موروث ثقافي متجذر، لا عبر أحكام أخلاقية مجردة أو قرارات قسرية معمقة للانقسامات المجتمعية.

وهذه بريطانيا التي ترعى تنوعاتها في الداخل، تواكب رعاياها في الخارج بإصدار ارشادات خاصة لمواطنيها المشاركين في زيارة الأربعين، تحذرهم فيها – على سبيل المثال- من درجات الحرارة العالية وتنبههم إلى ضرورة شرب الماء.

الدولة التي تعجز عن استيعاب تنوعات مواطنيها وتلجأ إلى الحلول الأمنية القسرية هي دولة شمولية بلا روح، تفهم طقوس مواطنيها على أنها حركات ميكانيكية يمكن وقفها في أية لحظة. فكل شيء في الأنظمة الشمولية قابل للسكون والحركة حسب إرادة النظام.

ولكننا لايمكن ان نغفل التحديات الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية الضخمة لزيارة الأربعين، واستغلال أحزاب الإسلام السياسي لها كما ورد في المقالة، وهو ما يدعو إلى إقامة حوارات مجتمعية صادقة ومستمرة لمناقشة جوانب الاقتصاد والأمن والبنى التحتية، وتعرية السلوكيات الفاسدة التي تنتهجها بعض الفئات السياسية.
فهيبة الدولة ونجاحها يتجليان في قدرتها على إدارة المشاريع العملاقة (مثل زيارة الاربعين) من خلال الموازنة بين حرية التعبير من جهة، ومتطلبات حفظ النظام والسيادة والتنمية من جهة أخرى.
وفي النهاية: لا تحل المعضلة “بالمنع الصارم” الذي يميز الدولة الشمولية، ولا “بالميوعة المفرطة” والاستغلال الحزبي، وإنما ببناء دولة مؤسسات قادرة على إدارة التنوع وإنفاذ القانون، وصون الحريات.