
معرض بغداد للكتاب.. زحام على الكتاب أم على المعرض؟
بقلم : مهند سري
يبدو الكتاب الورقي هذه الأيام في معرض بغداد للكتاب كأنه عاد منتصرا من منفاه الطويل.
يقف على الرفوف بكامل أناقته، محاطا بالقراء… أو بمن يفترض أنهم قراء.
المشهد، أول وهلة، يبعث على التفاؤل: آلاف الزائرين، أجنحة مكتظة، عناوين تتزاحم، وكتب تنتظر من يفتحها.
ولو أن الكتاب يستطيع أن يصفق، لصفق لنفسه من شدة الفرح.
لكنني، وأنا أتجول بين الزائرين، ظل سؤال صغير يلاحقني: هل جاء هؤلاء إلى الكتاب، أم جاءوا إلى معرض الكتاب؟
فالفرق كبير.
هناك من يدخل المعرض وفي رأسه عنوان كتاب، وهناك من يدخله وفي رأسه كاميرا الهاتف. وهناك من يبحث عن رواية، وآخر يبحث عن صورة مناسبة ينشرها مع عبارة من نوع: “ما زال الكتاب بخير”.
وقد يكون الكتاب نفسه آخر من يعلم بحقيقة الأمر.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نلوم أحدا.
فالناس في بغداد بحاجة إلى أماكن يذهبون إليها، ومعرض الكتاب ليس مجرد سوق للكتب، إنه واحد من الفضاءات النادرة التي يستطيع فيها العراقي أن يمشي بين آلاف العناوين من دون أن يطلب منه أحد أن يشتري شيئا… باستثناء الناشر طبعا.
لقد خسر الكتاب كثيرا من معركته اليومية أمام الهاتف.
لم يعد القارئ يملك الوقت نفسه الذي كان يمنحه للكتاب.
صارت الأخبار تقرأ في العنوان، والمقالات في أول فقرة، والأفكار في منشور قصير، والحياة نفسها في مقاطع لا تتجاوز ثواني معدودة.
حتى المعرفة دخلت عصر “السندويچ”.
خذ معلومتك بسرعة، امضغها قليلا، ثم انتقل إلى المعلومة التالية.
أما الكتاب، فله عادة سيئة جدا في هذا الزمن: يطلب منك أن تجلس معه.
وهذه وحدها أصبحت مشكلة.
كان العراقي القديم يملك مكتبة في بيته، ولو كانت صغيرة.
رفوف تحمل كتبا قرأها وأخرى لم يقرأها، وكتبا ورثها، وأخرى لا يعرف لماذا اشتراها أصلا، لكنه كان يشعر بالذنب كلما مر قربها. كانت المكتبة جزءا من البيت، كما كانت الصحيفة جزءا من الصباح.
أما اليوم، فقد اختفت المكتبة من كثير من البيوت، وحل الهاتف محلها.
رفوف كاملة من الكتب اختصرت إلى شاشة صغيرة تحمل آلاف الكتب، وهي مفارقة مضحكة ومؤلمة في آن واحد: لم يكن الكتاب أقرب إلينا كما هو اليوم، ولم نكن أبعد عنه كما نحن اليوم.
وهنا تكمن المفارقة في معرض بغداد.
فالكتاب موجود بكثرة، والناس موجودون بكثرة، لكن السؤال هو: هل ما زالت بين الطرفين تلك العلاقة القديمة؟
قد يكون بعض الزائرين جاءوا بدافع السياحة. والسياحة في بغداد ليست دائما بحاجة إلى طائرة أو فندق، يكفي أحيانا أن تذهب إلى مكان مزدحم، فيه أضواء وكتب وناس، لتشعر أنك خرجت قليلا من رتابة المدينة.
ولهذا لا أرى في زائر المعرض الذي لا يشتري كتابا مشكلة.
وربما لا أرى مشكلة حتى في الذي يشتري كتابا ولا يقرأه.
فالكتاب الذي يبقى على الرف يمكن أن ينتظر.
أما الكتاب الذي لا يصل إلى البيت أصلا، فلا فرصة له.
وربما تكون قيمة المعرض الحقيقية في هذه المسافة الصغيرة بين الإنسان والكتاب.
قد يأتي شخص إلى المعرض من أجل صورة، فيلتفت إلى عنوان.
وقد يأتي لمقابلة صديق، فيشتري كتابا.
وقد يدخل متفرجا، ويخرج قارئا.
الثقافة لا تبدأ دائما بقرار جاد.
أحيانا تبدأ بمصادفة.
لكن علينا، في النهاية، ألا نخلط بين انتشار الكتاب وانتشار القراءة.
فالازدحام أمام أجنحة الكتب لا يعني أن القراءة استعادت عافيتها، كما أن امتلاء المقاهي لا يعني أن العراقيين أصبحوا خبراء في القهوة.
المعرض يمكن أن يعيد الكتاب إلى المشهد، لكنه لا يستطيع وحده أن يعيد القراءة إلى الحياة اليومية.
وهذه مهمة أكبر من معرض، وأكبر من ناشر، وأكبر من كتاب.
إنها مهمة مجتمع يريد أن يستعيد شيئا فقده تدريجيا: القدرة على الجلوس مع فكرة واحدة، وقتا طويلا، من دون أن يمد يده إلى الهاتف.
ولعل هذا هو الاختبار الحقيقي لمعرض بغداد للكتاب:
ليس كم شخصا دخل من بوابته، وإنما كم كتابا خرج منه إلى بيت، ثم فتح، ثم قرئ، ثم ترك شيئا في صاحبه.
فقد يكون لدينا اليوم معرض مزدحم بالناس والكتب.
لكن السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحا هو:
هل نحن أمام عودة الكتاب إلى القارئ، أم أمام عودة القارئ إلى المكان الذي يوجد فيه الكتاب؟

