القشة التي كسرت ظهر ابن سلمان ورسالتُه إلى الزيدي

ضياء أبو معارج الدراجي

كان من المقرر أن يزور الزيدي مهلكة الشر السعودية الخميس الماضي، لكن الاعتداء الآثم الذي نفذته المهلكة بقصف مقرات القوات الأمنية العراقية، من الشمال إلى الجنوب، بموافقة ترامب، حمل رسالة سياسية واضحة من ابن سلمان والولايات المتحدة إلى الزيدي مفادها: أنت غير مرحب بك في الرياض.

ومن يتابع مسار الأحداث يدرك أن هذه الرسالة لم تكن معزولة عما سبقها من تحركات سياسية واقتصادية. فالزيدي، بعد زيارته الولايات المتحدة، توجه مباشرة إلى إيران لمعالجة ملف الغاز الإيراني، وبحث إمكانية مرور أنبوب الغاز التركمانستاني عبر الأراضي الإيرانية إلى محطات الكهرباء العراقية. ثم انتقل إلى تركيا، التي كانت قد رفضت مسبقًا أوامر أمريكية بإشعال فتيل حرب سنية شيعية بينها وبين إيران، وبين جولاني سوريا وحزب الله اللبناني.

وفي تركيا أبرم صفقة لتصدير النفط بمقدار مليون برميل يوميًا بفارق دولارين عن السعر الرسمي، مع الإصرار على المضي في توقيع اتفاقية طريق التنمية العراقي، وهو مشروع سيصب في صالح العراق وتركيا والصين ودول الشرق، وكذلك إيران، بصفتها المتحكمة بمضيق هرمز أولًا، ولإمكانية استغلالها الحدود البرية العراقية في تصدير نفطها ومنتجاتها واستيراد احتياجاتها من وإلى أوروبا عبر هذا المشروع الاستراتيجي ثانيًا.

هذه التحركات دفعت السعودية والولايات المتحدة وإسرائيل إلى اختلاق رواية استهداف السعودية من قبل الحشد الشعبي، ثم تنفيذ قصف للعراق بأمر أمريكي، من دون الرجوع إلى الحكومة العراقية، لتحقيق جملة من الأهداف، أبرزها:

أولًا: إشعال حرب طائفية خليجية بين السنة والشيعة في المنطقة، بدعم أمريكي إسرائيلي، لأنها حرب بالإنابة ضد ايران والشيعة تقودها السعودية، وتمنح إسرائيل فرصة احتلال أكبر مساحة ممكنة من الأراضي المحيطة بها في لبنان وسوريا والأردن، والتوسع باتجاه العراق، مستفيدة من انشغال الأطراف الإسلامية بالحرب فيما بينها.

ثانيًا: تشكيل تحالف سعودي مصري يضم خمسين دولة إسلامية لمعالجة ما يسمونه بخطر الحوثي و إغلاق مضيق باب المندب من قبل أنصار الله في اليمن.

ثالثًا: إفشال مشروع طريق التنمية، الذي سيستحوذ على نسبة كبيرة من حركة التجارة العالمية على حساب قناة السويس، ويجعل مضيق هرمز الممر الأهم عالميًا لحركة التصدير والاستيراد بين الشرق وأوروبا، وهو ما لا يخدم مصالح الولايات المتحدة ولا السعودية ولا إسرائيل ولا دول الخليج، بل يصب في صالح شيعة المنطقة، الذين تخشاهم إسرائيل أولًا، وحلفاؤها في الخليج ثانيًا.

وتشهد الرواية السعودية نفسها تناقضًا واضحًا، إذ اعترفت لاحقًا بأن الهجوم الذي استهدف منشآتها لم يكن عراقيًا، ثم نسبت الهجوم إلى الحوثيين من داخل العراق، وهو تلفيق آخر يهدف إلى إيجاد مبرر سياسي وإعلامي للاعتداء على العراق بعد سقوط الرواية الأولى.

رابعًا: إيهام الزيدي بعدم نزع سلاح الفصائل غير الحكومية بحجة الدفاع عن العراق ضد السعودية، وذلك للحفاظ على سلاح فصائل عراقية تنفذ أجندات سعودية بغطاء شيعي وسني، ومنع تفكيكها أو الحد من نفوذها داخل العراق او البحث عن اسلحة خلاية نائمة مدعومة سعوديا تنتظر اوامر الاستيقاظ في العراق.

وفي المقابل، أكدت الحكومة العراقية، مدعومة بما أظهرته صور الأقمار الاصطناعية، عدم انطلاق أي طائرة مسيّرة من الأراضي العراقية باتجاه السعودية، وأن الطائرات المسيّرة انطلقت من الكويت واليمن، كما انطلقت طائرات مسيّرة أخرى من إسرائيل واستهدفت منصات الغاز في دمياط بمصر.

إن ما جرى لم يكن مجرد رد عسكري، بل محاولة لإيقاف مشروع سياسي واقتصادي يعيد رسم موازين القوى في المنطقة، ويغيّر خريطة المصالح والتجارة والطاقة، ويضع العراق أمام معادلات جديدة، كما يهدف إلى إيهام الزيدي باستمرار الحاجة إلى سلاح الفصائل غير الحكومية بذريعة مواجهة التهديدات الخارجية، بما يعرقل مشروع الدولة في تنظيم السلاح وحصره بالمؤسسات الرسمية.

إن دماء العراقيين عزيزة، ولا سيما دماء الذين كسروا ظهر أمريكا وأذنابها في الخليج خلال حرب العراق ضد داعش المدعوم عالميا وخليجيا، لكن أبناء الحشد الشعبي والقوات الأمنية العراقية، مدعومين بسلاح إيران، كانوا في طليعة من تصدى لها، وقدموا التضحيات دفاعًا عن العراق وشعبه ومقدساته.

ولهذا، فإن دماء العراقيين تستحق موقفًا منصفًا وحازمًا من الحكومة العراقية تجاه العدوان السعودي وقيادته، بعيدًا عن التردد أو التخاذل، مع المضي قدمًا في استكمال ما بدأه الزيدي، مدعومًا بقيادات الإطار التنسيقي، التي تمكنت من امتصاص محاولات تفكيك النظام السياسي القائم وإفشالها بمختلف الوسائل الممكنة، حفاظًا على استقرار العراق وتجنيبه المؤامرات التي تحيط به من كل اتجاه، وعدم السماح لأي ضغوط خارجية بعرقلة مسار الدولة أو فرض وقائع جديدة على حساب سيادتها ودماء أبنائها.

ضياء أبو معارج الدراجي