رياض سعد
تثير سياسة استقدام العمالة المصرية إلى العراق نقاشًا واسعًا، ولا سيما في ظل استمرار ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب العراقي، خصوصًا في المحافظات الجنوبية والوسطى التي تمتلك مشاريع استثمارية وإنشائية كبيرة.
ويرى كثير من المواطنين أن الحكومات العراقية المتعاقبة لم تنجح في تحقيق توازن بين حاجة السوق إلى العمالة الاجنبية وبين حق العامل العراقي في الحصول على فرص عمل داخل بلده.
وتشير تقارير ومشاهدات ميدانية إلى تزايد أعداد العمالة المصرية في بعض القطاعات، ومنها قطاع الإنشاءات، الأمر الذي أدى – في عدد من الحالات – إلى استبدال عمال عراقيين بعمال مصريين يقبلون بأجور أقل أو بساعات عمل أطول… ؛ وقد ولّد هذا الواقع شعورًا متزايدًا بالاستياء لدى شريحة واسعة من الشباب العراقي الباحث عن العمل، الذين يرون أن الأولوية في المشاريع المنفذة داخل العراق ينبغي أن تكون للمواطن العراقي.
ولا يقتصر أثر العمالة الأجنبية والمصرية غير المنظمة على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد إلى أبعاد اجتماعية وثقافية وأمنية عندما تغيب الضوابط القانونية والرقابة الحكومية… ؛ فوجود أعداد كبيرة من العمال الوافدين دون تنظيم دقيق قد يفرض ضغوطًا إضافية على الخدمات العامة، كما قد يخلق منافسة غير متكافئة في سوق العمل إذا لم تُطبَّق قوانين العمل والإقامة بصورة عادلة على الجميع.
كما أن استمرار الاعتماد المفرط على العمالة الأجنبية والمصرية قد يؤدي إلى إضعاف فرص تدريب وتأهيل الأيدي العاملة العراقية، ويجعل الشركات والمقاولين يفضلون العمالة المصرية والايرانية والباكستانية والبنغلادشية والسورية الأقل كلفة بدلًا من الاستثمار في تطوير الكفاءات الوطنية… ؛ ومع مرور الوقت، ينعكس ذلك سلبًا على مستويات الدخل والاستقرار الاجتماعي، ويزيد من معدلات البطالة بين الشباب، وهي مشكلة تحمل آثارًا اقتصادية وأمنية معروفة إذا لم تُعالج بسياسات تنموية فعالة.
وفي الأسابيع الأخيرة، تداول مواطنون صورًا ومقاطع فيديو تتحدث عن تزايد أعداد العمال المصريين في بعض المحافظات الجنوبية، ومنها محافظة البصرة، مع ورود شكاوى من استبعاد عمال عراقيين في بعض مواقع البناء والاستعاضة عنهم بعمال وافدين … ؛ وإذا ثبتت مثل هذه الممارسات، فإنها تستدعي تحقيقًا من الجهات المختصة للتأكد من مدى التزام الشركات والمقاولين بقوانين العمل العراقية ونسب تشغيل العمالة الوطنية.
إن معالجة هذه القضية لا تكون بإثارة الكراهية تجاه أي جنسية، فالغالبية العظمى من العمال الأجانب يسعون إلى كسب رزقهم بأية طريقة ، وإنما تكون بوضع سياسة عمل واضحة تحقق المصلحة الوطنية، من خلال إلزام الشركات بإعطاء الأولوية للعامل العراقي، وتحديد نسب تشغيل العمالة الأجنبية في القطاعات التي لا تتوافر فيها الخبرات المحلية، وتشديد الرقابة على تصاريح العمل والإقامة، ومحاسبة كل مقاول يخالف القوانين النافذة.
إن حماية سوق العمل العراقي ليست موقفًا ضد شعب أو جنسية معينة، بل هي واجب اقتصادي واجتماعي يقع على عاتق الدولة… ؛ فالدول التي تحترم مصالحها الوطنية تضع تشريعات تضمن حق مواطنيها في العمل أولًا، ثم تستعين بالعمالة الأجنبية عند الحاجة الفعلية وضمن ضوابط قانونية دقيقة… ؛ أما استمرار البطالة بين الشباب العراقي مع التوسع غير المنظم في تشغيل العمالة الوافدة، فإنه يمثل تحديًا يستوجب مراجعة جادة لسياسات التشغيل والاستثمار، بما يحفظ كرامة العامل العراقي ويحقق التنمية المستدامة للعراق.