الدولة الوطنية ذات السيادة والاستقلال.. الأُنموذج الدولي الثابت منذ مطلع القرن العشرين

كامل الدلفي

باقات من الشكر والامتنان لجريدة الزمان الغراء، لجهودها النبيلة في تعضيد الحقيقة والوعي الحر.

النظام السياسي العالمي الذي استقرت عليه المنظمة الدولية منذ تأسيسها، بوصفها عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى، ثم تطورها إلى منظمة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، هو نظام الدولة الوطنية ذات السيادة والاستقلال. وقد دفعت الضرورات الاقتصادية والاعتبارات الإثنية والجيوسياسية إلى نشوء تحالفات وأحلاف بين مجموعات من الدول ذات المصالح المشتركة، إلا أن هذه التحالفات ظلت في معظم الأحيان تحافظ على أسس الدولة الوطنية، ولا تسمح بذوبانها داخل تلك التكتلات، مع وجود بعض التجارب الاستثنائية التي شهدت تراجعاً أو اندماجاً لكيانات وطنية هنا أو هناك. ولا يمكن إغفال تجارب الاحتلال التي شهدها العالم بعد العام 1945 في مناطق متعددة، كما حدث في فلسطين مع الهجرات اليهودية التي أفضت إلى قيام دولة إسرائيل، وما رافق ذلك من تهجير للشعب الفلسطيني من أرضه. كما شهد العراق بعد العام 2003 احتلالاً أميركياً ترك آثاراً عميقة في بنية الدولة، وأسهمت التدخلات الأميركية في المنطقة، إلى جانب عوامل أخرى، في إضعاف عدد من دول الشرق الأوسط، وتحويل بعضها إلى كيانات أقل تماسكاً من الدولة الوطنية الحديثة.

وقد رافق ذلك تصاعد بعض الأطروحات الليبرالية المتعلقة بحقوق الأقليات وحق تقرير المصير، ولا سيما في أثناء مرحلة ما سُمّي بالربيع العربي، التي تركت آثاراً واضحة في إعادة تشكيل الخريطة السياسية لبعض دول المنطقة. ويرى منتقدو هذه الأطروحات أنها قد تُستغل في بعض الحالات لتشجيع النزعات الانفصالية، وتأسيس كيانات سياسية ذات طابع إثني. وفي غضون الحرب الباردة تعرض مفهوم الدولة الوطنية لتحديات مختلفة؛ إذ ضم الاتحاد السوفيتي تحت لوائه قوميات وشعوباً متعددة، كما أدى النظام الأمني الذي فرضه حلف وارسو إلى الحد من استقلالية بعض الدول الاشتراكية، بما أضعف خصوصياتها التاريخية والجيوسياسية. ومع نهاية الحرب الباردة برزت أطروحات متعددة، مثل : ” نهاية التاريخ” و “صدام الحضارات” و” القرن الأميركي ” وجميعها صبت بدرجات متفاوتة، في اتجاه تكريس الهيمنة الأميركية على النظام الدولي. غير أن العالم لم يقف مكتوف الأيدي إزاء هذه الأحادية، فظهرت قوى دولية وإقليمية سعت إلى موازنة النفوذ الأميركي والدفع نحو نظام دولي أكثر تعددية. وعلى الرغم من هذه التحولات، ظل مبدأ الدولة الوطنية قائماً وفاعلاً، وإن ظهرت في بعض الدول نزعات ذات طابع إمبراطوري، تسعى إلى توسيع نفوذها على حساب الدول المجاورة، مستثمرة الروابط الدينية أو الأيديولوجية المشتركة بين شعوب الإقليم، فضلاً عن استغلال ضعف الدول المستهدفة.

ويبرز العراق مثالاً على ذلك، إذ تعرض منذ العام 2003 لتدخلات وضغوط من بعض دول الجوار، لكل منها مبرراتها وسردياتها الخاصة. أما المعضلة الأساسية في العراق فتتمثل في تراجع الإرادة الوطنية لدى جزء من النخب السياسية، فضلاً عن انتشار الفساد المالي والإداري الذي جعل من ضعف الدولة بيئةً مناسبةً لتكريسه، إضافة إلى ذلك أن عدداً من هذه النخب يرتبط بعلاقات سياسية وثيقة مع دول الجوار، بل إن بعض تلك الدول ربما أسهمت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في صعود هذه النخب إلى مواقع النفوذ والقرار داخل الدولة العراقية. إن استعادة الدولة الوطنية العراقية لدورها وسيادتها لا تتوقف على الحد من التدخلات الخارجية فحسب، بل تتطلب أيضاً بناء إرادة سياسية وطنية قادرة على ترسيخ مؤسسات الدولة، ومكافحة الفساد وتعزيز مفهوم المواطنة بوصفه الأساس الجامع لجميع العراقيين.